23
فتنفس ذو الرمة تنفساً ظننت معه أن فؤاده قد انصدع ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله: وقد حلفت بالله مية ما الذي أقول لها إلا الذي أنا كاذبه إذاً فرماني الله من حيث لا أرى ولا زال في أرضي عدو أحاربه فالتفتت إليه فقالت: خف
عواقب الله. ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله: إذا راجعتك القول مية أو بدا لك الوجه منها أو نضا الثوب سالبه فيا لك من خد أسيل ومنطق رخيم ومن خلق تعلل جادبه فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك وقد بدا لك الوجه منها
فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك اله ما أنكر ما تجيبين به. فتحدثن ساعة ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين لشأناً فقمن بنا وقمت معهن فجلست في بيت أراهما منه فما رأيته برح من مقعده ولا فقدته فسمعتها قالت له:
كذبت والله. ولا أدري ما قال لها فلبثت قليلاً ثم جاءني معه قارورة فيها دهن ومعه قلائد للجؤذر فقال: هذا دهن طيب أتحفنا به وهذه قلائد للجؤذر ولا والله ما أقلدهن بعيراً أبداً! وشد بهن ذوائب سيفه وانصرفنا. فكنا نختلف إليها حتى انقضى الربيع ودعا
الناس المصيف فأتاني فقال: هيا عصمة قد رحلت مي ولم يبق إلا الآثار ورسوم الديار. وأنشدني: ألا يا اسملي يا دار مي على البلى ولا زال منهلاً بجرعائك القطر خرج المأمون في يوم عيد وقد ركب الجند أمامه ومعه يحيى بن أكثم يضاحكه ويحادثه إذ
نظر إلى غلام من الجند في غاية الفراهة عليه ثوب حرير أخضر وثوب موشى مزرر بالذهب فالتفت إلى يحيى بن أكثم فقال له: يا يحيى ما تقول في هذه البضاعة فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي. قال: فمن
الذي يقول: قاض يرى الحد في الزناء ولا يرى على من يلوط من باس فقال: دعبل الذي يقول: ولا أرى الجور ينقضي وعلى ال أمة والٍ لآل عباس قال: ينفى إلى السند وإنما داعبناك. ثم أنشأ المأمون يقول: أيها الراكب ثوبا ه حرير وحديد أنت
جندي ولكن فيك للحسن جنود الفضل بن الربيع قال: قعد المخلوح للناس يوماً وعليه طيلسان أزرق وتحت لبد أبيض فوقع في ثمانمائة قصة فوالله لقد أصاب فما أخطأ وأسرع فما أبطأ ثم قال لي: يا فضل أتراني لا أحسن التدبير والسياسة ولكني وجدت شم الآس
وشرب الكاس والاستلقاء من غير نعاس أشهى إلي من ذلك. قال ابن قتيبة: خرج أبو عيسى جبريل بن أبي عيسى إلى متنزه بالقفص ومعه الحسن بن هانئ في آخر شعبان فلما كان اليوم الذي أوفى به الشهر ثلاثين يوماً قيل له: إن هذا يوم شك
وبعض أهل العلم يصومه فقال: لا عليك ليس الشك حجة على اليقين. حدثنا أبو جعفر عن النبي ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ". ثم قال أبو عيسى: لو شئت لم نبرح من القفص نشربها حمراء كالحص نسرق هذا اليوم من شهرنا والله قد
يعفو عن اللص وذكروا أن أبا عيسى خرج إلى القفص متنزهاً ومعه الحسن بن هانئ فحمله وخلع عليه فأقام فيها أسبوعاً ثم قال: بحياتي صف مجلسنا والأيام كلها. فقال في ذلك: يا طيبنا بقصور االقفص مشرقة بها الدساكر والأنهار تطرد جاءتك من دن خمار بطينتها
صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد وقام كالبدر مشدوداً قراطقه ظبي يكاد من التهييف ينعقد فسلها من فم الإبريق فانبعثت مثل اللسان جرى واستمسك الجسد فلم نزل في صباح السبت نأخذها والليل يأخذنا حتى بدا الأحد واستشرقت غرة الاثنين واضحة والجدي معترض والطالع الأسد يوفي الثلاثاء
أعملنا المطي بها صهباء ما قرعتها بالمزاج يد والأربعاء صفا فيه النعيم لنا والكأس يضحك في حافاتها الزبد ثم الخميس وصلناه بليلته قصفاً وتم لنا بالجمعة العدد يا حسننا وبحار القفص تغمرنا في لجة الليل والأوتار تجتلد في مجلس حوله الأشجار محدقة وفي جوانبه الأطيار
تغترد لا نستخف بساقينا لعزته ولا يرد عليه حكمه أحد عند الهام أبي عيسى الذي كملت أخلاقه فهي كالأوراق تنتقد عشرون ألف فتى ما منهم أحد إلا كألف فتى مقدامة بطل أضحت مزاودهم مملوءة نشباً ففرغوها وأوكوها إلى الأمل فقلت له: أحسنت لله أنت. فقال:
أتحب رقيقة فقلت: ما أحوجني إليها. فقال: إنما هيج البلا حين عض السفرجلا وعلا الورد وجنتي ه فأبدى التخجلا يفضح البدر في الكما ل إذا البدر أكملا ولقد قام لحظ عي ني على القلب بالقلا قلت له: أبو من أعزك الله قال: ابو عيشونة الخياط
شهدت حروب ابن زبيدة كلها وجاريت الفتيان في غاية كل ميدان واعترف لي كل فاتك وأذعن لي كل شاطر ونزلت تلك الدار عشرين سنة. وأومأ إلى سجن بغداد ثم تنفس الصعداء. وقال: أنا الذي أقول: لي فؤاد مستهام وجفون ما تنام ودموع آخر الده ر
بعيني سجام وحبيب كلما خا طبته قال سلام ثم بكى تخالجاً فلما افاق قلت: ما يبكيك قال: وكيف لا أبكي ولي حبيب بالبصرة علقته وهو ابن سبع عشرة سنة ثم غبت عنه ثلاثاً وثلاثين سنة فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت في شوارعها حتى
رأيته فما رأيت وجهاً أحسن منظراً ولا أزهى منه. ثم أنشأ يقول: مردد في كمده معذب في سهده خلا به السقم فما أسرعه في جسده يرحمه لما به من ضره ذو حسده ثم ودعني ومضيت. وحدثني أبو الفضل قال: إني لفي الطواف أمام الحجر إذ
سمعت حنيناً يخرج من بين الأستار وإذا قائل يقول: عفا الله عمن يحفظ الود جهده ولا كان عفو الله للناقض العهد وضعت على الأستار خدي ليلة ليجمعني مع من وضعت له خدي قال: فرفعت الأستار فإذا جارية منفردة كأنها شمس تجلت عنها غمامة. فقلت: يا
هذه لو سألت الله الجنة مع هذا التضرع والبكاء ما حرمك إياها. قال: فسترت وجهها وقالت: سبحان من خلق فسوى ولم يهتك العلانية والنجوى. أما والله إني لفقيرة إلى رحمة ربي وقد سألته أكبر الأمرين عندي رجاء فضله واتكالاً على عفوه. ثم ولت عني فاستعذت
بالله من الشيطان الرجيم. حدث مسلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب قال: خرجت أنا وزبان السواق إلى العقيق فلقينا نسوة نازلات من العقيق لهن جمال وشارة وفيهن جارية حسانة العينين فلما رآها زبان قال لي: يا بن الكرام دم أبيك والله في ثيابها
فلا تطلب أثراً بعد عين. وأنشد قول أبي مسلم بن جندب: ألا يا عباد الله هذا أخوكم قتيلاً فهل منكم له اليوم ثائر خذوا بدمي إن مت كل مليحة مريضة جفن العين والطرف ساحر قال: فقالت لي الجارية: أنت ابن جندب قلت: نعم. قالت: فاغتنم
نفسك واحتسب أباك فإن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى. الزبير بن بكار عن عبد الله بن مسلم بن جندب قال: قلت: تعالوا أعينوني على الليل إنه على كل عين لا تنام طويل قال: فطرقني عيسى بن طلحة قال: إني سمعت قولك فجئت أعينك. فقلت:
يرحمك الله أغفلت الإجابة حتى أتى الله بالفرج. أبو المهلهل الخزاعي قال: ارتحلت إلى الدهناء فسألت عن مي صاحبة ذي الرمة فدفعت إلى خيمة فيها عجوز هيفاء فسلمت عليها وقلت: أين منزل مي فقالت: ها أنا مي. فقلت: عجباً من ذي الرمة وكثرة قوله فيك.
قالت: لا تعجب فإني سأقوم بعذره. ثم قالت: فلانة! فخرجت من الخيمة جارية ناهدي عليها برقع فقالت لها: أسفري. فلما تحيرت لما رأيت من حسنها وجمالها فقالت: علقني ذو الرمة وأن في سن هذه وكل جديد إلى بلى. قلت: عذرته والله. واستنشدتها من شعره فأنشدتني.
ما يكتب على العصائب وغيرها أبو الحسن قال: دخلت على هارون الرشيد وعلى رأسه جوار كالتماثيل فرأيت عصابة منظمة بالدر والياقوت مكتوباً عليها في صفائح الذهب: ظلمتني في الحب يا ظالم والله فيما بيننا الحاكم قال: ورأيت في عصابة أخرى: ما لي رميت فلم تصبك
سهامي ورميتني فأصبتني يا رامي قال: ورأيت في عصابة أخرى: " وضع الخد للهوى عز ". قال: ورأيت في صدر أخرى هلالاً أفلت من حور الجنان وخلقت فتنة من يراني قال إسحاق بن إبراهيم: دخلت على الأمين محمد بن زبيدة وعلى رأسه وصائف في قراطق
مفروجة بيد وصيفة منهن مروحة مكتوب عليها: بي طالب العيش في الصي ف وبي طاب السرور ممسكي ينفي أذى الح ر إذا اشتد الحرور الندى والجود في وج ه أمين الله نور ملك أسلمه الشب ه وأخلاه النظير وفي عصابتها: ألا بالله قولوا يا رجال
أشمس في العصابة أم هلال وفي أخرى: أتهوون الحياة بلا جنون فكفوا عن ملاحظة العيون وكتب " ورد " جارية الماهاني على عصابتها وكانت تجيد الغناء مع فصاحتها وبراعتها: تمت وتم الحسن في وجهها فكل شيء ما سواها محال للناس في الشهر هلال ولي في
وجهها كل صباح هلال يا رامياً ليس يدري ما الذي فعلا عليك عقلي فإن السهم قد قتلا أجريته في مجاري الروح من بدني فالنفس في تعب والقلب قد شغلا وقال علي بن الجهم: خرجت علينا " عالج " جارية خالصة كأنها خوط بان وهي تميس
في روقة وعلى طرتها مكتوب بالغالية وكانت من مجان أهل بغداد مع علمها بالغناء: يا هلالاً من القصور تجلى صام قلبي لمقلتيه وصلى لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطالة ليلي ولرعى النجوم كنت مخلا قال: وخرجت إلينا
" منال " وعليها درع خام على جانبها الأيمن مكتوب: كتب الطرف في فؤادي كتاباً هو بالشوق والهوى مختوم وعلى الأيسر مكتوب: كان طرفي على فؤادي بلاء إن طرفي على فؤادي مشوم قال: وكان على عصابة " ظبي " جارية سعيد الفارسي مكتوب بالذهب: العين
قارئة لما كتبت في وجنتي أنامل الشجن قال: وحدثني الحسن بن وهب قال: كتبت " شعب " على قلنسوة جاريتها " شكل ": حذراً عليك وإنني بك واثق أن لا ينال سواي منك نصيباً وكتب " شفيع " خادم المتوكل على عاتق قبائه الأيمن: بدر
على غصن نضير شرق الترائب بالعبير وعلى عاتقه الأيسر: خطت محاسن وجهه في صفحة القمر المنير وكتبت " وصيف " جارية الطائي على عصابتها: الكفر والسحر في عيني إذا نظرت فاغرب بعينك يا مغرور عن عيني فإن لي سيف لحظ لست أغمده من صنعة الله
لا من صنعة القين وكان على عصابة " مزاج " وهي من مواجن أهل بغداد وفتاكها: قالوا عليك دروع الصبر قلت لهم هيهات إن سبيل الصبر قد ضاقا ما يرجع الطرف عنها حين يبصرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا وكتبت " عنان " جارية الناطفي
على عصابتها من قولها: فما زال يشكو الحب حتى حسبته تنفس في أحشائه وتكلما فأبكي لديه رحمة لبكائه إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما ليس حسن الخضاب زين كفي حسن كفي زين لكل خضاب قال: وخرجت علينا جارية حمدان وقد تقلدت سيفاً محلى وعلى
رأسها قلنسوة مكتوب عليها: تأمل حسن جارية يحار بوجهها البصر مؤنثة مذكرة فهي أنثى وهي ذكر وعلى حمائل سيفها مكتوب الذهب: لم يكفه سيف بعينيه يقتل من يشاء بحديه حتى تردى مرهفاً صارماً فكيف أبقى بين سيفيه فلو تراه لابساً درعه يخطر فيها بين صفيه
علمت أن السيف من طرفه أقتل من سيف بكفيه وكتب " واجد " على منطقة جاريتها " منصف " الكوفية: تكتي من غمزة العي ن إذا ما مست تنحل وفؤادي رق حتى كاد من صدري ينسل اشرب على منظر أنيق وامزج بريق الحبيب ريقي واحلل
وشاح الكعاب رفقاً واحذر على خصرها الدقيق وقل لمن لام التصابي إليك خل عن الطريق وقف صريع الغواني بباب محمد بن منصور فاستسقى فأمر وصيفاً له فأخرج إليه خمراً في كأس مذهبة فلما نظر إليها في راحته قال: ذهب في ذهب را ح بها غصن
لجين فأتت قرة عين من يدي قرة عين لا جرى بيني ولا بي نهما طائر بين وبقينا ما بقينا أبداً ملتقين في غبوق وصبوح لم نبع نقداً بدين محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن عبد الله قال: رأيت على مروحة مكتوباً: الحمد لله وحده