فقال له: لمن ترهف هذا السيف وقال بعض الكتاب في العود: وناطق بلسان لا ضمير له كأنه فخذ نيطت إلى قدم يبدي ضمير سواه في الكلام كما يبدي ضمير سواه منطق القلم ومن قولنا في هذا المعنى: يا مجلساً أينعت منه أزاهره ينسيك أوله في
الحسن آخره لم يدر هل بات فيه ناعماً جذلا أو بات في جنة الفردوس سامره والعود يخفق مثناه ومثلثه والصبح قد غردت فيه عصافره وللحجارة أهزاج إذا نطقت أجابها من طيور البر ناقره كأنما العود فيما بيننا ملك يمشي الهوينى وتتلوه عساكره كأنه إذا تمطى
وهي تتبعه كسرى بن هرمز تقفوه أساوره ذاك المصون الذي لو كان مبتذلا ما كان يكسر بيت الشعر كاسره صوت رشيق وضرب لو يراجعه سجع القريض إذا ضلت أساطره لو كان زرياب حياً ثم أسمعه لمات من حسد إذ لا يناظره وقال الحمدوني فيه: وسجعت
رجع عودٍ بين أربعة سر الضمائر فيما بينها علن فولدت للندامى بين نغمتها وكفها فرحاً تفصيله حزن فما تلعثم عنها لفظ مزهرها ولا تحير في ألحانها لحن تهدي إلى كل جزء من طبائعها بنانها نغماً أثمارها فتن وترتعي العين منها روض وجنتها طوراً وتسرح في
ألفاظها الأذن وقال عكاشة بن الحصين: من كف جارية كأن بنانها من فضة قد طرفت عنابا يا رب صوتٍ يصوغه عصبٌ نيطت بساق من فوقها قدم جوفاء مضمومة أصابعها في ساكنات تحريكها نغم أربعة جزئت لأربعة أجزاؤها بالنفوس تلتحم أصغرها في القلوب أكبرها يبعث منه
الشفاء والسقم إذا أرنت بغمز لافظها قلت حمام يجيبهن حم لها لسان بكف ضاربها يعرب عنها وما لهن فم قولهم في المبردين في الغناء قال أبو نواس: قل لزهير إذا شدا وحدا أقلل أو أكثر فأنت مهذار سخنت من شد البرودة حتى صرت عندي كأنك
النار لا يعجب السامعون من صفتي كذلك الثلج بارد حار وقال أيضاً: قد نضجنا ونحن في الجيش طرا أنضجتنا كواكب الجوزاء فأصيبوا لنا حسينا ففيه عوض من جليد برد الشتاء لو يغني وفوه ملآن خمراً لم يضره من برد ذاك الغناء وله: كأن أبا المغلس
إذ يغني يحاكي عاطساً في عين شمس يميل بشدقه طوراً وطوراً كأن بشدقه ضربان ضرس وقال دعبل: أحسن الأقوام حالاً فيه من كان أصما وقال الحمدوني: بينما نحن سالمون جميعاً إذ أتانا ابن سالم مختالا فتغنى صوتاً فكان خطاء ثم ثنى أيضاً فكان محالا سألنا
خلعة على ما تغنى فخلعنا على قفاه النعالا ولعباس الخياط: رأيت يوماً سائباً يضرب فقمت من مجلسنا أهرب لأنه ينبح من عوده عليك من أوتاره أكلب كأنما تسمع في حلقه دجاجة يخنقها ثعلب ما عجبني منه ولكنني من الذي يسمعه أعجب وقال آخر: ومغن يخرى
على جلسائه ضرب الله شدقه بغنائه وقال مؤمن في ربيع المغني وكان يتغنى وينقر في الدواة: أغثنا في المصيف إذا تلظى ودعنا في الشتاء وفي الربيع
باب في الرقائق
قد جبل أكثر الناس على سوء الاختيار وقلة التحصيل والنظر مع لؤم الغرائز وضعف الهمم فقل من يختار من الصنائع أرفعها ويطلب من العلوم أنفعها ولذلك كان أثقل الأشياء عليهم وأبغضها إليهم مؤنة التحفظ وأخفها عندهم وأمهلها عليهم إسقاط المروءة. وقيل لبعضهم: ما أحلى الأشياء
كلها قال: الارتكاس وقيل لعبد الله ابن جعفر: ما أطيب العيش قال: هتك الحياء واتباع الهوى. وقيل لعمرو بن العاص: ما أطيب العيش قال: ليقم من هنا من الأحداث. قال: فلما قاموا. قال: العيش كله إسقاط المروءة وأي شيء أثقل على النفس من مجاهدة الهوى
ومكابدة الشهوة. ومن ذلك كان سوء الاختيار أغلب على طبائع الناس من حسن الاختيار. ألا ترى أن محمد بن يزيد النحوي على علمه باللغة ومعرفته باللسان وضع كتاباً سماه بالروضة وقصد فيه إلى أخبار المحدثين فلم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له حتى
انتهى إلى الحسن بن هانئ وقلما يأتي له بيت ضعيف لرقة فطنته وسبوطة بنيته وعذوبة ألفاظه فاستخرج له من البرد أبياتاً ما سمعناها ولا رويناها ولا ندري من اين وقع عليها وهي: تعشقها قلبي فبغض عشقها إلي من الأشياء كل نفيس وأين هذا الاختيار من
اختيار عمرو بن بحر الجاحظ حين اجتلب ذكره في كتاب الموالي فقال: ومن الموالي الحسن بن هانئ وهو من أقدر الناس على الشعر وأطبعهم فيه. ومن قوله: فجاء بها صفراء بكراً يزفها إلي عروساً ذات دل معشق فلما جلتها الكأس أبدت لناظري محاسن ليتٍ بالجمان
مطوق ومن قوله: ساع بكاس إلى ناس على طرب كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريك وشمل الليل مجتمع صبحا تولد بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب وجل أشعاره الخمريات بديعة لا نظير لها فخطر به اكلها
وتخطاها إلى التي جانسته في برده فما أحسبه لحقه هذا الاسم أعني المبرد إلا لبرده. وقد تخير لأبي العتاهية أشعاراً تقتل من بردها وشنفها وقرظها بكلامه فقال: ومن شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء المخير عند الخلفاء قوله: يا قرة العين كيف أمسيت أعزز علينا
بما تشكيت آه من وجدي وكربي آه من لوعة حبي ما أشد الحب يا سبحانك اللهم ربي ونظير هذا من سوء الاختيار ما تخيره أهل الحذق بالغناء والصانعون للألحان من الشعر القديم والحديث فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء وأصفى من رقة الهواء
وكل مدني رقيق قد غذي بماء العقيق وغنوا بقول الشاعر: فلا أنسى حياتي ما عبدت الله لي ربا وقلت لها أنيليني فقالت أفرق الدبا ولو تعلم ما بي لم تهب دبًا ولا كلبا وأقل ما كان يجب في هذا الشعر أن يضرب قائله خمسمائة سوط
وصانعه أربعمائة والغنى به ثلثمائة والمصغي إليه مائتين. ومثله: كأنما الشمس إذا ما بدت تلك التي قلبي لها يضرب تلك سليمى إذا ما بدت وما أنا في ودها أرغب كأن في النفس لها ساحراً ذاك الذي علمه المذهب يعني بالمذهب الجني. ومثله: خبراني أين حلت
مناي يا عباد الله لا تكتماني إنما حلت بواد خصيب ينبت الورس مع الزعفران أحلف بالله لو وجداني غرقا في البحر ما أنقذاني ومثله: أبصرت سلمى من منى يوماً فراجعت الصبا يا درة البحر متى تشهد سوقاً تشتري ومثله: يا معشر الناس هذا أمرٌ وربي
شديد لا تعنفى يا فلانه فإنى لا أريد ومثله: أرقت فأمسيت لا أرقد وقد شفنى البيض والخود فصرت لظبي بني هاشم كأني مكتحل أرمد أقلب أمري لدى فكرتي وأهبط طوراً فما أصعد ما أرجى من حبيبٍ ضن عني بالمداد لو بكفيه سحاب ما ارتوت منه
بلادي أنا في واد ويمسى هو لي في غير واد ليته إذ لم يجد لي بالهوى رد فؤادي ومثله: ما لسلمى تجنبت ما لها اليوم مالها إن تكن قد تغضبت أصلح الله حالها