8
فجلس ليلةٍ معه سماره فغناه بعض من حضر من المغنين بأبيات جرير حيث يقول: إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلاً بعينك لا يزال معينا قال: فطرب الرشيد لها طرباً شديداً وأعجب بالأبيات وقال لجلسائه: هل منكم أحد يحيز هذه الأبيات بمثلهن وله هذه البدرة وبين
يديه بدرة من دنانير. فقالوا فلم يصنعوا شيئاً. فقال خادم على رأسه: أنا بها لك يا أمير المؤمنين. قال: شأنك. فاحتمل البدرة ثم أتى الناطفي فقال له: استأذن لي على عنان. فأذنت له. فدخل وأخبرها الخبر. فقالت: ويحك! وما الأبيات فأنشدها إياها. فقالت له: اكتب:
هيجت بالقول الذي قد قلته داء بقلبي ما يزال كميناً قد أينعت ثمراته في حينها وسقين من ماء الهوى فروينا كذب الذين تقولوا يا سيدي إن القلوب إذا هوين هوينا فقالت له: دونك الأبيات فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون. فقال له: ويحك! من قالها!
قال: عنان جارية الناطفي. فقال: خلعت الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي. قال: فبعث إلى مولاها فاشتراها منه بثلاثين ألفاً وباتت بقية تلك الليلة عنده. وقال الأصمعي: ما رأيت الرشيد متبذلا قط إلا مرةً كتبت إليه عنان جارية الناطفي رقعة فيها: كنت في ظل
نعمة بهواكا آمناً منك لا أخاف جفاكا فسعى بيننا الوشاة فأقرر ت عيون الوشاة بي فهناكا ولعمري لغير ذا كان أولى بك في الحق يا جعلت فداكا قال: فأخذ الرقعة بيده وعنده أبو حفص الشطرنجي فقال: أيكم يشير إلى المعنى الذي في نفسي فيقول فيه
شعراً وله عشرة آلاف درهم فظننت أنه وقع بقلبه أمر عنان فبدر أبو حفص فقال: مجلس ينسب السرور إليه لمحب ريحانه ذكراكا فقال: يا غلام بدرة. فقال جرير: فقال: يا غلام بدرة. قال الأصمعي: فقلت: لم ينلك الرجاء أن تحضريني وتجافت أمنيتي عن سواكا قال:
أحسنت والله يا أصمعي لها ولك بهذا البيت عشرون ألفاً. وقال غير أني أشعركم حيث أقول: قد تمنيت أن يغشيني الله نعاساً لعل عيني تراكا قلنا له: صدقت والله يا أمير المؤمنين. وقال بكر بن حماد الباهلي: لما انتهى إلي خبر عنان وأنها ذكرت لهارون
وقيل له إنها أشعر الناس خرجت متعرضاً لها فما راعني إلا الناطفي مولاها قد ضرب على عضدي فقال لي: هل لك فيما سنح من طعام وشراب ومجالسة عنان فقلت: ما بعد عنان مطلب. ومضينا حتى أتينا منزله فعقل دابته ثم دخل فقال: هذا بكر شاعر
باهلة يريد مجالستك اليوم. فقالت: لا والله إني كسلانة. فحمل عليها بالسوط ثم قال لي: ادخل فدخلت ودمعها يتحدر كالجمان في خدها فطمعت بها فقلت: هذي عنان أسبلت دمعها كالدر إذ ينسل من خيطه ثم قلت لها: أجيزي. فقال: فقلت لها: إن لي حاجة. فقالت:
هاتها فمن سببك أوذينا. قلت لها: بيت وجدته على ظهر كتابي لم أقرضه ولم أقدر على إجازته. قالت: قل. فأنشدتها. فما زال يشكو الحب حتى حسبته تنفس في أحشائه أو تكلما قال: فأطرقت ساعة ثم أنشدت: ويبكي فأبكي رحمة لبكائه إذا ما بكى دمعاً بكيت
له دما قلت لها: فما عندك في إجازة هذا البيت: بديع حسن بديع صدٍ جعلت خدي له ملاذا فأطرقت ساعة ثم قالت: فعاتبوه فعنفوه فأوعدوه فكان ماذا وجلس أبو نواس إلى عنان فقالت: كيف علمك بالعروض وتقطيع الشعر يا حسن قال: جيد. قالت: قطع هذا
البيت: أكلت الخردل الشامي في قصعة خباز فلما ذهب يقطعه ضحكت به وأضحكت. فأمسك عنها وأخذ في ضروب من الأحاديث ثم عاد سائلاً لها فقال: كيف علمك بالعروض قالت: حسن يا حسن. فقال: قطعي هذا حولوا عنا كنيستكم يا بني حمالة الحطب فلما ذهبت تقطعه
ضحك أبو نواس. فقالت له: قبحك الله! ما برحت حتى أخذت بثأرك. حدث أبو عبد الله بن عبد البر المدني قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كان للمأمون جماعة من المغنين وفيهم مغن يسمى سوسناً عليه وسم جمال. قال: فبينما هو عنده إذ تطلعت
جارية من جواريه فنظرت إليه فعلقته. فكانت إذ حضر سوسن تسوى عودها وتغني: ما مررنا بالسوسن الغض إلا كان دمعي لمقلتي نديما حبذا أنت والمسمى به أن ت وإن كنت منه أذكى نسيما فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت وأخذت في غيره. فلم تزل
تفعل ذلك حتى فطن المأمون. فدعا بها ودعا بالسيف والنطع ثم قال: اصدقيني أمرك قال: يا أمير المؤمنين ينفعني عندك الصدق قال لها: إن شاء الله. قالت: يا أمير المؤمنين اطلعت من وراء الستارة فرأيته فعلقته. فأمسك المأمون عن عقوبتها وأرسل إلى المغني فوهبها له
وقال: لا تقربنا. قال أبو الحسن: كان الواثق إذا شرب وسكر رقد في موضعه الذي سكر فيه ومن سكر من ندمائه ترك ولم يخرج. فشرب يوماً فسكر ورقد وانقلب أصحابه إلا مغنياً أظهر التراقد وبقيت معه مغنية للواثق. فلما خلا المجلس وقع المغني في سحاءة
ودفعها إليها: وكأن كفك في يدي وكأنما بتنا جميعاً في فراش واحد ثم انتبهت ومنكباك كلاهما في راحتي وتحت خدك ساعدي فأجابته: خيراً رأيت وكل ما أبصرته ستناله مني برغم الحاسد وتبيت بين خلاخلي ودمالجي وتحل بين مراشفي ومجاسدي فنكون أنعم عاشقين تعاطيا ملح الحديث
بلا مخافة راصد فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها وقال لهما: ما هذه فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلامٌ ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ إلا أن العشق قد خامرهما. فأعتقها وزوجها منه. فلما أشهد
له وتم النكاح أقامها الواثق بمحضر المغني إلى بيت من بعض البيوت فوقع عليها ثم خرج إليه فقال له: أردت أن تكشخني فيها وهي خادمي فقد كشختك فيها وهي زوجتك. قال: ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية دخل عليه مسلمة أخوه قال: يا
أمير المؤمنين تركت الظهور للعامة والشهود للجمعة وأضعت أمر المسلمين واحتجبت مع هذه الأمة. فارعوى قليلاً وظهر للناس. فأوحت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتاً يهون فيها على يزيد ما ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا فقد منع المحزون أن يتجلدا إذا أنت لم تعشق
ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفندا فلما سمعها ضرب بخيزرانته الأرض وقال: صدقت! صدقت! على مسلمة لعنة الله. ثم عاد إلى سيرته الأولى. وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو
سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم ابن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفاً شديداً. فلما توفيت أكب عليها أياماً يترشفها ويتشممها حتى أنتنت فقام عنها وأمر بجهازها ثم خرج بين يدي نعشها حتى إذا بلغ القبر نزل فيه
حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة أخوه يعزيه ويؤنسه. فلما أكثر عليه قال له: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول: فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد وكل خليل زارني فهو قائلٌ من أجلك هذا هامة
اليوم أو غد قال: وطعن في جنازتها فدفناه إلى سبعة عشر يوماً. وذكر المعتصم جاريةً كانت غلبت عليه وهو بمصر ولم يكن خرج بها معه فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! إني ذكرت جارية فأقلقني الشوق إليها فهات صوتاً يشبه ما ذكرت لك. فأطرق ملياً
ثم غنى: وددت من الشوق المبرح أنني أعار جناحي طائر فأطير فما لنعيم لست فيه بشاشةٌ وما لسرور لست فيه سرور وإن امرأ في بلدة نصف قلبه ونصف بأخرى غيرها لصبور فقال: والله ما عدوت ما في نفسي وأمر له بجائزة ورحل من ساعته. فلما
بلغ الفرما قال: غريب في قرى مصر يقاسي الهم والسدما لليلك كان بالميدا ن أقصر منه بالفرما وقال المأمون في قينة له: لها في لحظها لحظات حتف تميت بها وتحيي من تريد فإن غضبت رأيت الناس قتلى وإن ضحكت فأرواح تعود وتسبي العالمين بمقلتيها كأن
العالمين لها عبيد وأنشد البحتري في قينة له: أمازحها فتغضب ثم ترضى وجل فعالها حسن جميل وقال ابن المعتز في قينة له: سقتني في ليل شبيه بشعرها شبيهة خديها بغير رقيب فأمسيت في ليلين للشعر والدجا وشمسين من كأس ووجه حبيب وقال هارون الرشيد في
قينة له: تبدي صدودا وتخفي تحته مقةً فالنفس راضيةٌ والطرف غضبان يا من وضعت له خدي فذلله وليس فوقي سوى الرحمن سلطان وقال إبراهيم الشيباني: القينة لا تخلص محبة لأحد ولا تؤتى إلا من باب الطمع. وقال علي بن الجهم: قلت لقينة: هل تعلمين وراء
الحب منزلةً تدني إليك فإن الحب أقصاني فقالت: تأتي من باب الذهب وأنشدت: اجعل شفيعك منقوشاً تقدمه فلم يزل مدنياً من ليس بالداني وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوماً يطارحها الغناء فلما أراد الخروج قال لها: ناوليني خاتمك أذكرك به. قالت: إنه
ذهب وأخاف أن تذهب ولكن خذ هذا العود فلعلك تعود. وناولته عوداً من الأرض. وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يكلف بها وينقطع إليها إذا نظر إليها. فطلبت منه أن يسلفها دراهم. فانقطع عنها وتجنب دارها فعملت له دواء ولقيته به. فقال لها: ما هذا
قالت: دواء عملته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك. قال: اشربيه أنت للطمع فإن انقطع طعمك انقطع فزعي وأنشأ يقول: أنا والله أهواك ولكن ليس لي نفقة فإما كنت تهويني فقد حلت لي الصدقه وقعد أبو الحارث جميز إلى قينة بالمدينة صدر نهاره فجعلت تحدثه
ولا تذكر الطعام. فلما طال ذلك به قال: ما لي لا أسمع للطعام ذكراً قالت: سبحان الله أما تستحي أما في وجهي ما يشغلك عن هذا فقال لها: جعلت فداك لو أن جميلاً وبثينة قعدا ساعة واحدة لا يأكلان لبصق كل واحد منهما في وجه
صاحبه وافترقا. وقال الشيباني: كانت بالعراق قينة وكان أبو النواس يختلف إليها فتظهر له أنها لا تحب غيره وكان كلما جاءها وجد عندها فتىً يجلس عندها ويتحدث إليها فقال فيها: ومظهرةٍ لخلق الله ودا وتلقي بالتحية والسلام أتيت فؤادها أشكو إليه فلم أخلص إليه من
الزحام أراك بقية من قوم موسى فهم لا يصبرون على الطعام وقال الشيباني: حضر أبو النواس مجلساً فيه قيان فقلن له: ليتنا بناتك. قال: نعم ونحن على المجوسية. وقال العتبي: حضرت قينة مجلساً فغنت فأجادت فقام إليها شيخ من القوم فجلس بن يديها وقال: كل
مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق لو كانت الدنيا كلها صرارا في كمي لقطعتها لك فأما إذ لم يكن فجعل الله كل حسنة لي لك وكل سيئة عليك علي. قالت: جزاك الله خيراً فوالله ما يقوم الوالد لولده بما قمت به لنا. فقام شيخ
آخر وقعد بين يديها وقال لها: كل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق إن كان وهب لك شيئاً ولا حمل عنك ثقلاً لأنه ما له حسنةٌ يهبها لك ولا عليك سيئة يحملها عنك فلأي شيء تحمدينه حدث أحمد بن عمر المكي قال حدثني أبي
قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري من ولد جعفر بن أبي طالب وكان يحب الغناء وكان بالمدينة قينة يقال لها بصبص وكان الجعفري يتعشقها فقال يوماً لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها فقد والله أيتمت ولدي وأرملت نسائي
وأخرجت ضيعتي. فقاموا معه حتى إذا جاءوا إلى بابها دقه فخرجت إليه فإذا هي أملح الناس دلا وشكلاً فقال لها: يا جارية وكنت أحبكم فسلوت عنكم عليكم في دياركم السلام فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية هاتي عودي. والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره
فغنت: تحمل أهلها منها فبانوا على آثار من ذهب العفاء قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقاً ثم قال لها: يا سيدتي أفتحسنين أن تغني: وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما وإن ظلموا كنت الذي أتفضل قالت: والله ما أعرف هذا ولكن غيره فغنت: فإن تقبلوا