21
ويقال: قوم ملبونون وقوم روبى إذا شربوا الرائب فسكروا منه. وقال بشر بن أبي خازم: فأما تميم تميم بن مرٍ فألفاهم القوم روبي نياما وأما قولكم للرجل: مخمور وبه خمار إذا أصابه صداع من الخمر وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ فيقال:
به خمار ولا يقال به نباذ - فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يعرض مما أسكر من النبيذ وذلك حرام لا فرق بينه وبين الخمر عندنا فيقال فيه ما يقال في الخمر. وإنما كان شربة النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء
ومما لا يعرض منه خمار. وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر فقال الأقيشر وكان مغرماً بالشراب: وصهباء جرجانية لم يطف بها حنيف ولم تنغر بها ساعةً قدر أتاني بها يحيى وقد نمت نومةً وقد غارت الشعري وقد خفق النسر فقلت: اصطحبها أو لغيري فاسقها فما
أنا بعد الشيب ويحك والخمر إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن له دون ما يأتي حياءٌ ولا ستر فدعه ولا تنكر عليه الذي أنى وأن جر أرسان الحياة له الدهر وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ وما عابوهم به من قلة الوفاء ونقض العهود
فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ وقال ابن بيض: ألا لا يغرنك ذو سجدةٍ يظل بها دائباً يخدع وما للتقى لزمت وجهه ولكن ليأتي مستودع ثلاثون ألفاً حواها السجود فليست إلى ربها ترجع ورد أخو الكأس ما عنده وما كنت في رده أطمع
وقال آخر: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء قوم يورون عما في نفوسهم حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء مشمرين إلى أنصاف سوقهم هم الذئاب وقد يدعون قراء وقال أعرابي: صلى فأعجبني وصام فرابني نح القلوص عن المصلي الصائم وقال غيره:
شمر ثيابك واستعد لقائل واحكك جبينك للقضاء بثوم وقال بعض الظرفاء: أظهروا لله سمتاً وعلى المنقوش داروا وله صلوا وصاموا وله حجوا وزاروا لو يرى فوق الثريا ولهم ريش لطاروا وهؤلاء المراءون بأعمالهم العاملون للناس والتاركون للناس هم شرار الخلق وأراذل البرية. وقد فضل شربة
النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية وإظهار المروءة. ولسنا نصف بهذا منهم إلا الأدنياء فليس في الناس صنف إلا ولهم حشوة. ومن احتجاج المحللين للنبيذ ما رواه مالك وأثبته في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري: أنه قدم من سفر فقدم إليه لحم من لحوم
الأضاحي فقال: ألم يكن من رسول الله ﷺ فيها أمر. فخرج إلى الناس فسألهم فأخبروه أن رسول الله ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام فكلوا وادخروا وتصدقوا. وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء والمزفت فانتبذوا وكل مسكرٍ حرام. وكنت نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً ". والحديثان صحيحان رواهما مالك بن أنس وأثبتهما في موطئه وإنما هو ناسخ ومنسوخ وإنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء والمزفت نهياً عن النبيذ الشديد لأن الأشربة التي تعتمل فيها تشتد. ولا معنى للدباء والمزفت غير هذا.
وقوله بعد هذا: " كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام " إباحةٌ لما كان حظر عليه من النبيذ الشديد. وقوله ﷺ : " كل مسكر حرام " فنهاهم بذلك أن يشربوا حتى يسكروا. وإنما المسكر ما أسكر ولا يسمى القليل الذي لا يسكر
مسكرا. ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا ما أباح لنا منه شيئاً. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ إذ شرب من سقاية العباس فوجده شديداً. قطب بين حاجبيه ثم دعا بذنوب من ماء زمزم فصب عليه ثم قال: " إذا اغتلمت أشربتكم فاكسروها
بالماء ". ولو كان حراماً لأراقه وما صب عليه ماء ثم شربه. واحتجوا: في قول رسول الله ﷺ : " كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف حرام فإن هذا كله منسوخ نسخه شربه للصلب يوم حجة الوداع. قالوا: ومن الدليل على ذلك
أنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر ثم وفدوا إليه بعد فرآهم مصفرة ألوانهم سيئة حالهم فسألهم عن قصتهم فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك فأذن لهم في شربه. وأن ابن مسعودٍ قال: " شهدنا التحريم وشهدتم وشهدنا
التحليل وغبتم ". وأنه كان يشرب الصلب من نبيذ الجر حتى كثرت الروايات به عنه وشهرت وأذيعت واتبعه عليه عامة التابعين من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم وقال في ذلك شاعرهم: من ذا يحرم ماء المزن خالطه في جوف خابيةٍ ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة
لنا فيه ويعجبني قول ابن مسعود وإنما أراد: أنهم كانوا يعمدون إلى الرب الذي قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فيردون عليه من الماء قدر ما ذهب منه ثم يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ثم يشربونه. وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ويقول: يقطع هذا اللحم
في بطوننا. واحتجوا بحديث زيد بن أخزم عن أبي داود عن شعبة عن مسعر بن كدام عن ابن عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس أنه قال: " حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب ". وبحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان
عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ طاف وهو شاكٍ على بعير ومعه محجن كلما مر بالحجر استلمه بالمحجن حتى إذا انقضى طوافه نزل فصلى ركعتين ثم أتى السقاية فقال: " اسقوني من هذا ". فقال له العباس
" ألا نسقيك مما يصنع في البيوت قال: " لا ولكن اسقوني مما يشرب الناس ". فأتي بقدح من نبيذ فذاقه فقطب وقال: " هلموا فصبوا فيه الماء ". ثم قال: " زد فيه " مرة أو مرتين أو ثلاثة. ثم قال: " إذا صنع
بكم هذا فاصنعوا به هكذا ". وبحديث رواه يحيى بن اليمان عن الثوري عن منصور بن خالد عن سعيد بن مسعود الأنصاري: أن النبي ﷺ عطش وهو يطوف بالبيت فأتي بنبيذٍ من السقاية فشمه فقطب ثم دعا بذنوب من ماء زمزم فصب عليه وشرب فقال
له رجل: أحرام هو يا رسول الله فقال: " لا ". وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة عمر فانتشى فحده عمر. وإنما حده للسكر لا للشراب. ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يشربون ويوقدون في الأخصاص فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم
وعن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم ". وهم بتأديبهم فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين نهاك الله عن التجسس ونهاك عن الدخول بغير إذنٍ فدخلت فقال: هاتان بهاتين. وانصرف وهو يقول: " كل الناس أفقه منك يا عمر ". وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو مقام الشاربة.
ولو كان عنده ما شربوا خمراً لحدهم. وبلغه عن عامل بميسان أنه قال: ألا أبلغ الحسناء أن حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ وصناجةٌ تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين
يسوؤه تنادمنا في الجوسق المتهدم فقال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك. فعزله وقال: والله لا عمل لي عملاً أبداً. وإنما أنكر عليه المدام وشربه بالكبير والصنج والرقص وشغله باللهو عما فوض إليه من أمور الرعية. ولو كان ما شرب عنده خمراً لحده. حدث محمد بن
داود عن سعيد بن نصير عن يسار عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار وسئل عن النبيذ أحرام هو فقال: انظر ثمن التمر من أين هو ولا تسل عن النبيذ أحلالٌ هو أم حرام وعوتب سعيد بن زيد في النبيذ فقال: أما أنا فلا أدعه
حتى يكون شر عملي. وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ قال: نعم. فقيل: وكيف تشربه فقال: على غدائي وعشائي وعند ظمئي. قيل: فما تركت منه قال: التكأة ومحادثة الإخوان. قال المأمون: " اشرب النبيذ ما استبشعته فإذا سهل عليك فدعه ". وإنما أراد به أنه
يسهل على شاربه إذا أخذ في الإسكار. وقيل لسعيد بن أسلم: أتشرب النبيذ فقال: لا. قيل: ولم قال: تركت كثيره لله وقليله للناس. وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها مباحة إلا حرم الله قالوا:
فلا نزيل نفس الحلال بالاختلاف ولو كان المحللون فرقة من الناس فكيف وهم أكثر الفرق وأهل الكوفة أجمعون على التحليل لا يختلفون فيه. وتلوا قول الله عز وجل: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم
أم على الله تفترون ". حدث إسحاق بن راهويه قال: سمعت وكيعاً يقول: " النبيذ أحل من الماء ". وعابه بعض الناس في ذلك وقالوا: كيف يكون أحل من الماء وهو وإن كان حلالاً فهو بمنزلة الماء. وليس على وكيع في هذا الموضع عيب ولا
يرجع عليه فيه كذب لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم كما يقولون: " هو أشهر من الصباح " و " أسرع من البرق " و " أبعد من النجم " و " أحلى من العسل " و " أحر من النار ". ولم
يكن أحدٌ من الكوفيين يحرم النبيذ غير عبد الله بن إدريس. وكان بذلك معيباً. وقيل لابن إدريس: من خيار أهل الكوفة فقال: هؤلاء الذين يشربون النبيذ. قيل: وكيف وهم يشربون ما يحرم عندك قال: ذلك مبلغهم من العلم. وكان ابن المبارك يكره شرب النبيذ ويخالف
فيه رأي المشايخ وأهل البصرة. قال أبو بكر بن عياش: من أين جئت بهذا القول في كراهيتك النبيذ ومخالفتك أهل بلدك قال: هو شيء اخترته لنفسي قلت: فتعيب من شربه قال: لا. قلت: فأنت وما اخترت. وكان عبد الله بن داود يقول: ما هو عندي
وماء الفرات إلا سواء. وكان يقول: أكره إدارة القدح وأكره نقيع الزبيب وأكره المعتق. وقال: من أدار القدح لم تجز شهادته. وشهد رجل عند سوار القاضي فرد شهادته لأنه كان يشرب النبيذ. فقال: أما النبيذ فإني غير تاركه ولا شهادة لي ما عاش سوار حدث
شبابة قال: حدثني غسان بن أبي الصباح الكوفي عن أبي سلمة يحيى بن دينار عن أبي المطهر الوراق قال: بينما زيد بن علي في بعض أزقة الكوفة إذ بصر به رجل من الشيعة فدعاه إلى منزله فأحضره طعاماً فتسامعت به الشيعة فدخلوا عليه حتى غص
المجلس بهم فأكملوا معه ثم استسقى فقيل له: أي الشراب نسقيك يا ابن رسول الله قال: أصلبه أو أشده. فأتوه بعس من نبيذ فشرب ودار العس عليهم فشربوا. ثم قالوا: يا ابن رسول الله لو حدثتنا في هذا النبيذ بحديثٍ رويته عن أبيك عن جدك
فإن العلماء يختلفون فيه قال: نعم حدثني أبي عن جدي أن النبي ﷺ قال: " لتركبن طبقة بني إسرائيل خذو القذة بالقذة والنعل بالنعل. ألا وإن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت أحل منه الغرفة والغرفتين وحرم منه الري وقد ابتلاكم بهذا النبيذ أحل منه
القليل وحرم منه الكثير ". وكان أهل الكوفة يسمون النبيذ " نهر طالوت ". وقال فيه شاعرهم: اشرب على طرب من نهر طالوت حمراء صافيةً في لون ياقوت من كف ساحرة العينين شاطرةٍ تربي على سحر هاروتٍ وماروت لها تماوت ألحاظ إذا نظرت فنار قلبك
من تلك التماويت قصة الحارث بن كلدة طبيب العرب مع كسرى أنوشروان الفارسي حكى الفرغاني عن بعض رجاله قال: وفد على كسرى ملك الفرس الحارث بن كلدة طبيب العرب فأذن له بالدخول فمثل بين يديه فقال له كسرى: من أنت قال: أنا الحارث بن كلدة.
قال: أعرابي أنت قال: نعم من صميمها. قال: فما صناعتك قال: طبيب. قال: فما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها وضعف عقولها وقلة قبولها وسوء غذائها فقال: ذلك أجدر أيها الملك إذ كانت بهذه الصفة ان تحتاج إلى من يصلح جهلها ويقيم عوجها ويسوس أبدانها ويعدل
أمشاجها. قال الملك: كيف لها أن تعرف ما نزوره عليها لو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال الحارث: أيها الملك إن الله جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق وأخذ القوم نصيبهم ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم وعاجز وحازم. قال
الملك: فما الذي يحمد من أخلاقهم ويحفظ من مذاهبهم قال الحارث: لهم أنفس سخية وقلوب جرية وعقول صحيحة مرضية وأحساب نقية يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر ألين من الماء وأعذب من الهواء يطعمون الطعام ويضربون الهام وعزهم لا يرام وجارهم لا يضام ولا