ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 58 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 58 من 721,692 كلمة في هذا الجزء

عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " كل مسكر حرام وكل مسكر خمر ". وحديثٍ رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن ميمون بن مهدي عن أبي عثمان الأنصاري عن القاسم عن عائشة أن النبي ﷺ

قال: " كل مسكر حرام. وما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام ". والفرق: ستة عشر رطلاً. وللعرب أربعة مكاييل مشهورة: فأصغرها المد وهو رطل وثلث في قول الحجازيين ورطلان في قول العراقيين. وكان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد. والصاع: أربعة أمداد خمسة أرطال وثلث

في قول الحجازيين وثمانية أرطال في قول العراقيين. وكان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع. والقسط وهو رطلان وثلثان في قول الناس جميعاً. والفرق وهو ستة عشر رطلاً ستة أقساط في قول الناس جميعاً. وذهبوا إلى حديثٍ رواه ابن قتيبة عن محمد بن عبيد عن ابن

عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن اعائشة أن رسول الله ﷺ قال: " كل شراب أسكر فهو حرام " مع أشباهٍ لهذا من الحديث يطول الكتاب باستقصائها إلا أن هذه أغلظها في التحريم وأبعدها من حيلة المتأول. قالوا: والشاهد على ذلك من النظر: أن

الخمر إنما حرمت لإسكارها وجنايتها على شاربها ولأنها رجس كما قال الله. ثم ذكروا من جنايات الخمر ما قد ذكرناه في صدر كتابنا هذا في باب آفات الخمر وجناياتها. ثم قالوا: فالعلة التي لها حرمت الخمر من الإسكار ومن الصداع والصد عن ذكر الله وعن

الصلاة قائمة بعينها في النبيذ كله المسكر. فسبيله الخمر لا فرق بينهما في الدليل الواضح والقياس الصحيح. كما أن حديث النبي ﷺ في الفأرة إذا وقعت في السمن إنه كان جامداً ألقيت وألقي ما حولها وإن كان ذائباً أريق السمن. فحملت العلماء الزيت وغيره محمل

السمن بالدليل الواضح. وعلمت أن النبي ﷺ لم يقصد إلى السمن خاصة بنجس الفأرة وإنما سئل عن الفأرة تقع في السمن فأفتى به فقاس العلماء الزيت وغيره بالسمن. وكما أمر في الاستنجاء بثلاثة أحجار فعلم أهل العلم أنه إنما أراد ﷺ بالثلاثة الأحجار للتنقية من

الأذى فأجازوا كل ما أنقى: من الخزف والخرق وغير ذلك وحملوه محمل ثلاثة الأحجار. ولما حرمت الخمر لعلةٍ قائمة في النبيذ المسكر حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم. قالوا: ووجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث النفس وصداع الرأس من الخمر: مخمور وبه خمار. ويقولون مثل

ذلك في شارب النبيذ ولا يقولون: منبوذ ولا به نباذ. والخمار مأخود من الخمر كما يقال: الكباد في وجع الكبد والصدار في وجع الصدر. وذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ " أنه نهى عن أن ينبذ في الدباء والمزفت "

وقالوا: لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره: إنه ليس بين شارب المسكر وموافقته السكر حد ينتهى إليه ولا يوقف عنده ولا يعلم شارب من شاربي المسكر متى يسكر حتى يسكر كما لا يعلم الناعس متى يرقد حتى يرقد. وقد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين

وثلاثة أقداح ولا يسكر. ويشرب من غيره قدحاً واحداً فيسكر لا بل قد يختلف طبع الرجل في نفسه فيسكر مرة من القدحين ويشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر. " أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرم أمر ساءت فيه رغبة كثير

منهم حتى سفه أحلامهم وأذهب عقولهم فاستحل به الدم الحرام والفرج الحرام وإن رجالاً منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون: شربنا طلاء فلا بأس علينا في شربه. ولعمري إن فيما قرب مما حرم الله بأساً وإن في الأشربة التي أحل الله: من العسل والسويق والنيذ

من الزبيب والتمر لمندوحةً عن الأشربة الحرام غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها ولا يشرب منها ما يسكر فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن شرب ما جعل في الجرار

والدباء والظروف المزفتة. وقال: " كل مسكر حرام ". فاستغنوا بما أحل الله لكم عما حرم عليكم. وقد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر وما ضارع الخمر من الطلاء وما جعل في الدباء والجرار والظروف المزفتة وكل مسكر - اتخاذ الحجة عليكم. فمن يطع

منكم فهو خير له. ومن يخالف إلى ما نهي عنه نعاقبه على العلانية ويكفنا الله ما أسر. فإنه على كل شيء رقيب. ومن استخفى بذلك عنا فإن الله أشد بأساً وأشد تنكيلاً ". احتجاج المحللين للنبيذ قال المحللون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ: إنما

حرمت الخمر بعينها خمر العنب خاصةً بالكتاب وهي معقولة مفهومة لا يمتري فيها أحدٌ من المسلمين وإنما حرمها الله تعبداً لا لعلة الإسكار كما ذكرتم ولا لأنها رجس كما زعمتم. ولو كان ذلك كذلك لما أحلها الله للأنبياء المتقدمين والأمم السالفين ولا شربها نوحٌ بعد

خروجه من السفينة ولا عيسى ليلة رفع ولا شربها أصحاب محمد ﷺ في صدر الإسلام. وأما قولكم: إنها رجس فقد صدقتم في اللفظ وغلطتم في المعنى إذ كنتم أردتم أنه منتنة فإن الخمر ليست بمنتنة ولا قذرة ولا وصفها أحد بنتن ولا قذر وإنما جعلها

الله رجساً بالتحريم كما جعل الزنا فاحشة ومقتاً أي معصية وإثماً بالتحريم وإنما هو جماع كجماع النكاح وهو عن تراضٍ وبذل كما أن النكاح عن تراضٍ وبذل. وقد يبذل في السفاح ما يبذل في النكاح ولذلك سمى الله تبارك وتعالى المحرمات كلها خباثث. فقال تعالى:

" ويحرم عليهم الخبائث ". وسمى المحللات كلها طيبات فقال: " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " وسمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفاً وإن اقتصد فيه. وقد ذكر الخمر فيما امتن به على عباده قبل تحريمها فقال تعالى: "

ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ". ولو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها الله في جنته وسماها لذة للشاربين. وإن قلتم: إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا لأن الله نفى عنها عيوب خمر الدنيا فقال تعالى: " لا يصدعون عنها

ولا ينزفون " وكذلك قوله في فاكهة الجنة: " لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة " فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا لأنها تأتي في وقتٍ وتنقطع في وقت ولأنها ممنوعة إلا بالثمن ولها آفات كثيرة وليس في فواكه الجنة آفة. وما سمعنا أحداً وصف الخمر إلا بضد

ما ذكرتم من طيب النسيم وذكاء الرائحة. قال الأخطل: كأنما المسك نهبى بين أرحلنا وقد تضوع من ناجودها الجاري وقال آخر: فتنفست في البيت إذ مزجت كتنفس الريحان في الأنف وقال أبو نواس: نحن نخفيها ويأبى طيب ريحٍ فتفوح وإنما قوله فيها " رجس "

كقوله تعالى: " وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ". أي كفراً إلى كفرهم. وأما منافعها التي ذكرها الله تعالى في قوله: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " فإنها كثيرةٌ لا تحصى:

فمنها أنها تدر الدم وتقوي المنة وتصفي اللون وتبعث النشاط وتفتق اللسان ما أخذ منها بقدر الحاجة ولم يحاوز المقدار. فإذا جاوز ذلك عاد نفعها ضراً. وقال ابن قتيبة في كتاب الأشربة: كانت الأوائل تقول: الخمر حبيبة الروح ولذلك اشتق لها اسم من الروح فسميت

راحاً وربما سميت روحاً. وقال إبراهيم النظام: ما زلت آخذ روح الزق في لطفٍ وأستبيح دماً من غير مذبوح حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والزق مطرح جسم بلا روح وقد تسمى دماً لأنها تزيد في الدم. قال مسلم بن الوليد الأنصاري: مزجنا دماً من

كرمة بدمائنا فأظهر في الألوان منا الدم الدم وسلافةٍ مما تعتق بابل كدم الذبيح سلبتها جريالها فقال: " شربتها حمراء وبلتها بيضاء ". يريد أن حمرتها صارت دماً. ومن منافع الخمر أنها تزيد في الهمة وتولد الجرأة وتهيج الأنفة وتسخي البخيل وتشجع الجبان. قال حسان

بن ثابت: ونشر بها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا اللقاء وقال طرفة: فإذا ما شربوها وانتشوا وهبوا كل أمون وطمر ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هداب الأزر وقال مسلم بن الوليد: تصد بنفس المرء عماً يغمه وتنطق بالمعروف ألسنة البخل وقال الحسن بن

هانئ: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه من صدره برحيل ومن تسخيتها للبخيل على البذل قول بعض المحدثين: كساني قميصاً مرتين إذا انتشى وينزعه مني إذا كان صاحيا فياليت حظي من سروري وترحتي ومن جوده ألا علي ولا ليا قالوا: ولولا أن

الله تعالى حرم الخمر في كتابه لكانت سيدة الأشربة. وما ظنك بشراب الشربة الثانية منه أطيب من الأولى والثالثة أطيب من الثانية حتى يؤديك إلى أرفق الأشياء وهو النوم. وكل شراب سواها فالشربة الأولى أطيب من الثانية والثانية أطيب من الثالثة حتى تمله وتكرهه. وسقى

قومٌ أعرابياً كؤوساً ثم قالوا: كيف تجدك قال أجدني أبشر وأجدكم تحببون إلي. وقالوا: ما حرم الله شيئاً إلا عوضنا ما هو خير منه أو مثله وقد جعل الله النبيذ عوضاً عن الخمر نأخذ منه ما يطيب النفس ويصفي اللون ويهضم الطعام ولا نبلغ منه

إلى ما يذهب العقل ويصدع الرأس ويغثي النفس ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم جناياتها. قالوا: وأما قولكم: إن الخمر كل ما خمر والنبيذ كله يخمر فهو خمر - فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني فتسمى ببعضها لعلةٍ فيها وهي في آخر ولا يطلق ذلك

الاسم على الآخر. ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبةٍ تلقى فيه ولا يسمى خمراً وأن العجين قد يخمر فيسمى خميراً ولا يسمى خمراً وأن نقيع التمر يسمى سكراً لإسكاره ولا يسمى غيره من النبيذ سكراً وإن كان مسكراً. وهذا أكثر في كلام العرب من

أن يحاط به. ورائب اللبن يسكر إسكاراً كسكر النبيذ.

العقد الفريد - الجزء الخامس

لابن عبد ربه

العقد الفريد/الجزء الخامس/1

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/2

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/3

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/4

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/5

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/6

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/7

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/8

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/9

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/10

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/11

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/12

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/13

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/14

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/15

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/16

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/17

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/18

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/19

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/20

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/21

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/22

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/23

|

العقد الفريد/الجزء الخامس/24

NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐74cd59995f‐778j9 Cached time: 20260826091446 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.020 seconds Real time usage: 0.028 seconds Preprocessor visited node count: 15/1000000 Revision size: 57439/2097152 bytes Post‐expand include size: 2821/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152

bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 6.332 1 -total 47.90% 3.033 11 قالب:صل 43.81% 2.774 1 قالب:العقد_الفريد/الجزء_الخامس

Render ID 94ab0ab9-a12e-11f1-ae89-f73bb1d605da

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:17926:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260826091446 and revision id 278332. Rendering was triggered because: page_view