ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 57 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 57 من 721,794 كلمة في هذا الجزء

من كريم ظل يسترها من دونها ستر الأبواب والكلل أضحت كنارٍ على علياء موقدةٍ ما يستسر لها سهل ولا جبل والعقل علق مصونٌ لو يباع لقد ألفيت بياعه يعطون ما سألوا فاعجب لقوم مناهم في عقولهم أن يذهبوها بعل بعده نهل قد عقدت بخمار الكأس

ألسنهم عن الصواب ولم يصبح بها علل وزررت بسنات النوم أعينهم كأن أحداقها حول وما حولوا تخال رائحهم من بعد غدوته حبلى أضر بها في مشيها الحبل وحاله من أقبح الحالات في نفسه والعرس والبنات أف له أفٍ إلى أفات خمسة آلافٍ مؤلفاتٍ من حد

من الأشراف في الخمر وشهر بها منهم يزيد بن معاوية وكان يقال له: يزيد الخمور وبلغه أن مسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر فكتب إلى عامله بالمدينة: أن يجلد مسوراً حد القذف ففعل. فقال مسور: أيشربها صرفاً بطين دنانها أبو خالدٍ ويضرب الحد مسور وممن

حد في لشراب الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان بن عفان لأمه. شهد أهل الكوفة عليه أنه صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران. ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زذتكم! فجلده علي بن أبي طالب بين يدي عثمان. وفيه يقول الحطيئة وكان

نديمه أبو زبيد الطائي: شهدت الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم ليزيدهم خيراً ولا يدري ليزيدهم خيراً ولو قبلوا لقرنت بين الشفع والوتر كبحوا عنانك إذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري ومنهم عبيد الله بن عمر بن

الخطاب شرب بمصر فحده هناك عمرو بن العاص سراً. فلما قدم إلى عمر جلده حداً آخر علانية. ومنهم العباس بن عبد الله بن عباس كان ممن شهر بالشراب ومنادمة الأخطل الشاعر. وفيه يقول الأخطل: ولقد غدوت على التجار بمسمحٍ هرت عواذله هرير الأكلب لباس أردية

الملوك تروقه من كل مرتقبٍ عيون الربرب ومنهم قدامة بن مظعون من أصحاب رسول الله )حده عمر بن الخطاب بهشادة علقمة الخصي وغيره في الشراب. ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شحمة حده أبوه في الشراب وفي أمر أنكره عليه. ومنهم عبد

الله بن عروة بن الزبير حده هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب. ومنهم عاصم بن عمر بن الخطاب حده بعض ولاة المدينة في الشراب. ومنهم عبد العزيز بن مروان حده عمرو الأشدق. وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة الأشعري وفيه يقول يحيى ابن نوفل

الحميري: يبيت يمص عتيق الشراب كمص الوليد يخاف الفصالا ويصبح مضطرباً ناعساً تخال من السكر فيه احولالاً ويمشي ضعيفاً كمشي النزيف تخال به حين يمشي شكالا وممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي القاضي بالكوفة. وفضح بمنادمة سعد بن هبار. وفيه يقول حارثة

بن بدر: نهاره في قضايا غير عادلة وليله في هوى سعد بن هبار ما يسمع الناس أصواتاً لهم عرضت إلا دوياً دوي النحل في الغار يدين أصحابه فيما يدينهم كأساً بكأس وتكراراً بتكرار فأصبح الناس أطلاحاً أضربهم حث المطي وما كانوا بسفار ومنهم أبو محجن

الثقفي وكان مغرماً بالشراب وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مراراً. وشهد القادسية مع سعد وأبلى فيها بلاء حسناء. وهو القائل: إذا مت فادفني إلى ظل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا مامت ألا أذوقها فقد أباكرها

صهباء صافيةً طوراً وأشربها صرفاً وأمتزج وقد تقوم على رأسي مغنية فيها إذا رفعت من صوتها غنج فتخفض الصوت أحياناً وترفعه كما يطن ذباب الروضة الهزج ومنهم عبد الملك بن مروان وكان يسمى " حمامة المسجد " لاجتهاده في العبادة قبل الخلافة. فلما أفضت إليه

الخلافة شرب الطلاء وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت بعدي الطلاء فقال: إي والله والدماء! ومنهم الوليد بن يزيد ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل. وهو القائل: خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ثباتاً يساوي ما حييت عقالا

دعوا لي سلمى والنبيذ وقينة وكأساً ألا حسبي بذلك مالا أبالملك أرجو أن أخلد فيكم ألا رب ملك قد أزيل فزالا وسقى قوم أعرابية مسكراً فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب قالوا: نعم. قالت: فما يدري أحدكم من أبوه! ومنهم إبراهيم بن هرمة وكان مغرماً بالشراب

وحده عليه جماعة من عمال المدينة فلما ألحوا عليه وضاق ذرعه بهم دخل إلى المهدي بشعره الذي يقول فيه: لهم طينة بيضاء من آل هاشم إذا اسود من لؤم التراب القبائل إذا ما أتى شيئاً مضى كالذي أتى وإن قال إني فاعل فهو فاعل فأعجب

المهدي بشعره وقال له: سل حاجتك. قال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة أن لا يحدني على شراب. فقال له: ويلك كيف نأمر بذلك لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت. قال: يا أمير المؤمنين: ولو عزلت عامل المدينة ووليتني مكانه أما كنت تعزلني

أيضاً وتولي غيري قال: بلى. قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الأولى. فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطف قالوا: يا أمير المؤمنين إنه يطلب مالا سبيل إليه: إسقاط حد من حدود الله. قال المهدي: إن عندي له حيلةً

إذ أعيتكم الحيل فيه اكتبوا له إلى عامل المدينة: من أتاك بابن هرمة سكران فيضرب ابن هرمة ثمانين ويضرب الذي يأتيك به مائة. فكان ابن هرمة إذا مشى في أزقة المدينة يقول: من يشتري مائه بثمانين وكان بأمج رجل يقال له: حميد وكان مفتوناً بالخمر

فهجاه ابن عم له وقال فيه: حميد الذي أمج داره أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع علاه المشيب على شربها وكان كريماً فما ينزع ودخل حميد يوماً على عمر بن عبد العزيز فقال له: من أنت قال: أنا حميد. قال: " حميد الذي " قال: والله

يا أمير المؤمنين ما شربت مسكراً منذ عشرين سنة. فصدقه بعض جلسائه فقال له: إنما داعبناك. الفرق بين الخمر والنبيذ أول ذلك أن تحريم الخمر مجمع عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الأئمة والعلماء. وتحريم النبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب النبي )والتابعين

بإحسان. حتى لقد اضطر محمد بن سيرين في علمه وورعه أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ. فقال له عبيدة: اختلف علينا في النبيذ. وعبيدة ممن أدرك أبا بكر وعمر. فما ظنك بشيء اختلف فيه الناس وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام متوافرون فمن بين كطلق له

ومحظر عليه وكل واحدٍ منهم يقيم الحجج لمذهبه والشواهد على قوله. والنبيذ كل ما نبذ في الدباء والمزفت فاشتد حتى يسكر كثيره. وما لم يشتد فليس يسمى نبيذا كما أنه ما لم يغل من عصير العنب حتى يشتد فليس يسمى خمراً كمال قال الشاعر: نبيذ

إذا مر الذباب بدنه تقطر أو خر الذباب وقيذا وقيل لسفيان الثوري وقد دعا بنبيذٍ فشرب منه ووضعه بين يديه: يا أبا عبد الله أخشى الذباب أن يقع في النبيذ. قال: قبحه الله إذا لم يذب عن نفسه. وقال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش

وبين يديه نبيذ فاستأذن عليه قومٌ من طلبة الحديث فسترته فقال لي: لم سترته فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات إنه أمنع من ذلك جانباً. ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها الله في كتابه

ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة. حدث محمد بن وضاح قال: سألت سحنون فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته إن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها الله في كتابه قال: بانت زوجته منه. وذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة: إن الله

تعالى حرم علينا الخمر بالكتاب والمسكر بالسنة فكان فيه فسحة فما كان محرماً بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير وما كان محرماً بالسنة فإن فيه فسحةً أو في بعضه كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب والحرير محرم بالسنة. وكالتفريط في صلاة الوتر

وركعتي الفجر وهما سنة. فلا تقول: إن تاركهما كتارك الفرائض من الظهر والعصر. وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول الله )في لباس الحرير لبلية كانت به وأذن لعرفجة بن سعد وكان أصيب أنفه يوم الكلاب باتخاذ أنفٍ من الذهب. وقد جعل الله فيما أحل

عوضاً مما حرم فحرم الربا وأحل البيع وحرم السفاح وأحل النكاح وحرم الديباج وأحل الوشي وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر. والمسكر منه ما أسكرك. قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هو الشربة المسكرة أكذبه النظر. لأن القدح الأخير إنما أسكر بالأول وكذلك

اللقمة الأخيرة إنما أشبعت بالأولى. ومن قال: السكر حرام فإنما ذلك مجازٌ من القول وإنما يريد ما يكون منه السكر حرام. وكذلك التخمة حرام. وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه " قليل ما أسكره كثيره " وتشبيهه ذلك بالتخمة شاهد عليه لا شاهد له

لأن الناس مجمعون أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة حلال وكثيره حرام. وكذلك ينبغي أن يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالاً وكثيره حرام وأن الشربة الآخرة المسكرة هي المحرمة. ومثل الأربعة الأقداح التي يسكر منها القدح الرابع مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل

فشجه أحدهم موضحة ثم شجه الثاني منقلة ثم شجه الثالث مأمومة ثم أقبل الرابع فأجهز عليه. فلا نقول: إن الأول هو قاتله ولا الثاني ولا الثالث وإنما قتله الرابع الذي أجهز عليه. وعليه القود. وذكر ابن قتيبة في كتابه بعد أن ذكر اختلاف الناس في

النبيذ وما أدلى به كل قومٍ من الحجة. فقال: وأعدل القول عندي أن تحريم الخمر بالكتاب وتحريم النبيذ بالسنة وكراهية ما أفتر وأخدر من الأشربة تأديب. ثم زعم في هذا الباب بعينه أن الخمر نوعان: فنوع منهما مجتمع على تحريمه وهو خمر العنب من غير

أن تمسه نار لا يحل منه لا قليل ولا كثير. ونوع آخر مختلف فيه وهو نبيذ الزبيب إذا اشتد ونبيذ التمر إذا صلب وهو يسمى السكر ولا يسمى السكر إلا نبيذ التمر خاصةً. وقال بعض الناس: ليس نبيذ التمر خمراً. ويحتجون بقول عمر: ما انتزع

بالماء فهو حلال وما انتزع بغير الماء فهو حرام. وقال ابن قتيبة: وقال آخرون: هو خمر حرام كله. وهذا هو القول عندي لأن تحريم الخمر نزل وجمهور الناس مختلفة وكلها يقع عليها هذا الاسم في ذلك الوقت. وذكر أن أبا موسى قال: خمر المدينة من

البسر والتمر وخمر أهل فارس من العنب وخمر أهل اليمن من البتع وهو نبيذ العسل. وخمر الحبشة السكركة وهي من الذرة وخمرة التمر يقال له: البتع والفضيخ. وذكر أن عمر قال: الخمر من خمسة أشياء: من البر والشعير والتمر والزبيب والعسل. والخمر ما خامر العقل.

ولأهل اليمن أيضاً شراب من الشعير يقال له المزر. فزعم ها هنا ابن قتيبة أن هذه الأشربة كلها خمر. وقال: هذا هو القول وقد تقدم له في صدر الكتاب أن النبيذ لا يسمى نبيذاً حتى يشتد ويسكر كثيره كما أن عصير العنب لا يسمى خمراً

ثم قال فيما حكم به بين الفريقين: أما الذين يذهبون إلى تحريمه كله ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر وبين ما طبخ وبين ما نقع فإنهم غلوا في القول جداً ونحلوا قوماً من أصحاب رسول الله )البدريين وقوماً من خيار التابعين وأئمة من السلف

المتقدمين شرب الخمر. وزينوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل. وغلطوا في ذلك فأتهموا القوم ولم يتهموا نظرهم ونحلوهم الخطأ وبرءوا أنفسهم منه. فعجبت منه كيف يعيب هذا المذهب ثم يتقلده ويطعن على قائله ثم يقول به. إلا أني نظرت في كتابه فرأيته قد طال

جداً فأحسبه أنسي في آخره ما ذهب إليه في أوله. والقول الأول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب وتقبله العقول لا قوله الآخر الذي غلط فيه. احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره ذهبوا أجمعوا أن جميع ما أسكر كثيره من الشراب فقليله حرام

كتحريم الخمر. وقال بعضهم: بل هو الخمر بعينها ولم يفرقوا بين ما طبخ وبين ما نقع. وقضوا عليه كله أنه حرام. وذهبوا من الأثر إلى حديثٍ رواه عبد الله ابن قتيبة عن محمد بن خالد بن خداش عن أبيه عن حماد بن زيد عن أيوب