ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 56 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 56 من 721,787 كلمة في هذا الجزء

قد خرب آفات الخمر وجناياتها أول ذلك أنها تذهب العقل - وأفضل ما في الإنسان عقله - وتحسن القبيح وتقبح الحسن. قال أبو نواس: اسقني حتى تراني حسنٌ عندي القبيح وقال أيضاً: اسقني صرفاً حمياً تترك الشيخ صبيا وتريه الغي رشداً وتريه الرشد غيا وقال

أيضاً: عتقت في الدن حولاً فهي في رقة ديني وقال الناطق بالحق: تركت النبيذ وشرابه وصرت خدينا لمن عابه شراب يضل سبيل الرشاد ويفتح للشر أبوابه وإنما قيل لمشارب الرجل " نديم " من الندامة لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه وفعل

ما يندم عليه فقيل لمن شاربه نادمه لأنه فعل مثل ما فعله فهو نديم له كما يقال جالسه فهو جليس له. والمعاقر: المدمن كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه. وقال أبو الأسود الدؤلي: دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنياً بمكانها فإلا يكنها أو

تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العهد وقلة الحفاظ وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر وما عوفيت حتى تنكب وما غلت ذنانك حتى تنزف وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. قال الشاعر: أرى كل قومٍ يحفظون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم

إذا جئتهم حيوك ألفاً ورحبوا وإن غبت عنهم ساعة فذميم إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم وكلهم رث الوصال سئوم فهذا ثنائي لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقال قصي بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر فإنها تصلح الأبدان وتفسد الأذهان. وقيل لعدي بن حاتم: مالك لا

تشرب الخمر قال: لا أشرب ما يشرب عقلي. وقيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي. وقال يزيد بن الوليد: النشوة تحل الحبوة. وقيل لعثمانبن عفان رضي الله عنه: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك فيها قال:

إني رأيتها تذهب العقل جملة وما رأيت شيئاً يذهب جملةً ويعود جملة. وقال أيضاً: ما تغنيت ولا تفتيت ولا شربت خمراً ولا مسست فرجي بيدي بعد أن خططت بها المفصل. وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة ثريد المنادمة

قال: أصلح الله الأمير الشعر مفلفل واللون مرمد ولم أقعد إليك بكرم عنصر ولا بحسن منظر وإنما هو عقلي ولساني فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل. وربما أذهبت الكأس البيان وغيرت الخلقة فيعظم أنف الرجل ويحمر ويترهل. وقال جرير في الأخطل: وشربت بعد أبي ظهير

وابنه سكر الدنان كأن أنفك دمل شبه أنفه بالدمل في ورمه وحمرته. وقال آخر في حماد الراوية: هدلت مشافره الدنان فأنفه مثل القدوم يسنها الحداد وأبيض من شرب المدامة وجهه فبياضه يوم الحساب سواد ودخل أمية بن عبد الله بن أسيد على عبد الملك بن

مروان وبوجهه أثر فقال: ما هذا فقال: قمت بالليل فأصاب الباب وجهي. فقال عبد الملك: رأتني صريع الخمر يوماً فسؤتها وللشاربيها المدمنيها مصارع فقلت: لا واخذك الله يا أمير المؤمنين بسوء ظنك. فقال: بل واخذك الله بسوء مصرعك. وقال حسان بن ثابت. تقول شعثاء لو

صحوت عن ال كأس لأصبحت مثري العدد أنسى حديث الندمان في فلق ال صبح وصوت المسامر الغرد لا أخدش الخدش بالجليس ولا يخشى نديمي إذا انتشيت يدي يأبى لي السيف واللسان وقو م لم يساموا كلبدة الأسد وقال ابن الموصلي: سلام على سير القلاص مع

الركب ووصل الغواني والمدامة والشرب سلام أمئ لم تبق منه بقية سوى نظر العينين أو شهوة القلب ليالي أمشي بين بردي لاهباً أميس كغصن البانة الناعم الرطب ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لإبراهيم بن هرمة: لا تحسبني كمن باع لك دينه

رجاء مدحك وخوف ذمك فقد رزقني الله بولادة نبيه الممادح وجنبني المقابح وإن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حقه وإني أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدين: حد الخمر وحد السكر ولأزيدنك لموضع حرمتك فليكن تركك لها لله تعن عليه ولا تدعها

للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول: نهاني ابن الرسول عن المدام وأدبني بآداب الكرام وقال لي اصطبر عنها ودعها لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبرني عنها وحبي لها حب تمكن في العظام أرى طيب الحلال علي خبثاً وطيب النفس في خبث الحرام

وذكروا أن حارثة بن بدر الغداني كان فارس بني تميم وشريفها وكان قد غلب على زياد وكان الشراب قد غلب عليه فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك وهو رجل مستهتر بالشراب. فقال لهم: كيف باطراح رجلٍ ما راكبني قط فمست ركبتي ركبته ولا تقدمني

فنظرت إلى قفاه ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي ولا سألته عن شيء قط إلا وجدت علمه عنده. فلما مات زياد جفاه ولده عبيد الله بن زياد فقال له حارثة: أيها الأمير: ما هذا الجفاء مع معرفتك بحالي عند أبي المغيرة فقال له عبيد الله:

إن أبا المغيرة قد برع بروعاً لم يلحقه معه عيب وأنا حدث وإنما أنسب إلى من تغلب علي وأنت رجل نديم الشراب فدع النبيذ وكن أول داخلٍ وآخر خارج. فقال حارثة: أنا لا أدعه لله أفادعه لك قال: فاختر من عملي ما شئت! قال: ولني

رامهرمز فإنها عذبة وسرق فإن بها شراباً وصف لي عنه فولاه إياها فلما خرج شيعه الناس. وكتب إليه أنس بن أبي أنيس: أحار بن بدر قد وليت ولايةً فكن جرذاً فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئاً تخونه فحظك من ملك العراقين سرق وبادر

تميماً بالغنى إن للغنى لساناً به المرء الهيوبة ينطق فإن جميع الناس إما مكذب يقول بما تهوي وإما مصدق يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ولو قيل يوماً حققوا لم يحققوا فوقع حارثة في أسفل كتابه " لا بعد عنك الرشد ". ولما خرجت الأزارقة على أهل

البصرة لاقاهم حارثة بن بدر وتولى حربهم في أصحابه في فرسانٍ من بني يربوع حتى أصيب في تلك الحروب. وقال فيه الشاعر: إذا قيل من حامي الحقيقة أو مأت إليه معد بالأكف وقحطان وقال الشاعر: شربنا من الداذي حتى كأننا ملوك لهم في كل ناحية

وفر فلما علت شمس النهار رأيتنا تخلى الغنى عنا وعاودنا الفقر وكان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعي الرياحي من بني يربوع وكان قد غلب عليه الشراب على كريم منصبه حتى كاد يبطله وكان قد ضاف إلى راعٍ يسمى سالماً فسقاه قدحاً من لبن

فكرهه وقال: سيغني أبا الهندي عن وطب سالم أباريق كالغزلان بيض نحورها مفدمة قزاً كأن رقابها رقاب كراكٍ أفزعتها صقورها فما ذر قرن الشمس حتى كأنما أرى قريةً حولي تزلزل دورها ولقيه نصر بن سيار والي خراسان وهو يميد سكراً فقال له: أفسدت مروءتك وشرفك.

قال: لو لم أفسد مروءتي لم تكن أنت والي خراسان. ومرض أبو الهندي فلما وجد فقد الشراب جعل يبكي ويقول: رضيع المدام فارق الراح روحه فظل عليها مستهل المدامع وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني وكان أبو الوليد ناسكاً فاستعدى عليه وعلى ابنه

فهرب معه وقال فيه أبو الهندي: قل للسري أبي قيس أتوعدنا ودارنا أصبحت من داركم صددا أبا الوليد أما والله لو علمت فيك الشمول لما حرمتها أبدا ولا نسيت حمياها ولذتها ولا عدلت بها مالاً ولا ولدا وشرب أبو الهندي في غرفة مع نديمٍ له

فاطلع منها فإذا بميت يزف به على شرجع فالتفت إلى صاحبه فقال: اصبب على قلبك من بردها إني أرى الناس يموتونا فكان هذا القول منه " دليلاً " على " عدم " اتعاظه بالموت. وكان أبو الهندي عجيب الجواب وجلس إليه رجل كان صلب أبوه

في جناية فجعل يعرض له بالشراب فقال أبو الهندي: أحدهم يبصر القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع المعترض في أست أبيه! وقال عبد الرحمن بن أم الحكم: وكأس ترى بين الإناء وبينها قذى العين قد نازعت أم أبان فما ظن ذا الواشي بأروع ماجد

وعذراء خود حين يلتقيان دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن أخاها ولم أرضع لها بلبان دعتني أخاها بعد ما كان بيننا من الأمر ما لا يفعل الأخوان وقال: لا هنيئاً بما شربت مريئاً ثم قم صاغراً وغير كريم لا أحب النديم يومض بالعي ن إذا

ما انتشى لعرس النديم وقال أبو العباس المبرد: ودخل عمرو بن مسعدة على المأمون وبين يديه جام زجاج فيه سكر طبرزذ وملح جريش قال: فسلمت عليه فرد وعرض علي الأكل فقلت: ما أريد شيئاً. هنأك الله يا أمير المؤمنين فلقد باكرت الغداء. قال: بت جائعاً!

ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول: اعرض طعامك وابذله لمن دخلا واعزم على من أبى واشكر لمن أكلا ولا تكن سابري العرض محتشماً من القليل فلست الدهر محتفلا ودعا برطل ودخل شيخ من جلة الفقهاء فمد يده إليه فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها

ناشئاً فلا تسقينها شيخاً. فرد يده إلى عمرو بن مسعدة فأخذها منه وقال: يا أمير المؤمنين فإني عاهدت الله في الكعبة ألا أشربها أيضاً. ففكر طويلاً والكأس في يد عمرو بن مسعدة فقال: ردا علي الكأس إنكما لا تعلمان الكأس ما تجدي لو ذقتما ما

ذقت ما امتزجت إلا بدمعكما من الوجد خوفتماني الله ربكما وكخيفتيه رجاؤه عندي إن كنتما لا تشربان معي خوف العقاب شربتها وحدي شرب المأمون ويحيى بن أكثم القاضي وعبد الله بن طاهر فتغامز المأمون وعبد الله على سكر يحيى فغمز يد الساقي فأسكره وكان بين

أيديهم رزم من ورد ورياحين فأمر المأمون فشق له لحد في الورد والرياحين وصيروه فيه وعمل بيتي شعر ودعا قينة فجلست عند رأسه وحركت العود وغنت: دعوته وهو حي لا حراك به مكفنٌ في ثياب من رياحين فقلت قم قال رجلي لا تطاوعني فقلت خذ

قال كفي لا تواتيني فانتبه يحيى لرنة العود وقال مجيباً لها: يا سيدي وأمير الناس كلهم قد جار في حكمه من كان يسقيني لا أستطيع نهوضاً قد وهى جسدي ولا أجيب المنادي حين يدعوني فاختر لبغداد قاضٍ إنني رجلٌ الراح تقتلني والعود يحييني حدثنا أبو

جعفر البغدادي قال: كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذاً في ماخورٍ له وكان بيته من قصب وكان يأتيه قوم يشربون عنده فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض: أما ترون بيت هذا النباذ من قصب فيقول بعضهم: علي الآجر ويقول الآخر: علي الجص ويقول الآخر: علي

أجرة العامل. فإذا أصبحوا لم يعملوا شيئاً فلما طال ذلك على النباذ قال فيهم: لنا بيت يهدم كل يوم ويصبح حين يصبح جذم خص إذا ما دارت الأقداح قالوا غداً نبني بآجر وجص وكيف يشيد البنيان قومٌ يمرون الشتاء بغير قمص ودخل حارثة بن بدر

على زياد وبوجهه أثر فقال: ما هذا قال: ركبت فرسي الأشقر فصرعني. قال: أما إنك لو ركبت الأشهب ما صرعك. أراد حارثة بالأشقر النبيذ وأراد زياد بالأشهب اللبن. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى

ينفذ ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكراً قبيحاً فجذب ابنته وتناول قرنها ورأى من تاجر فاجر جاء الإله به كأن لحيته أذناب أجمال جاء الخبيث ببيسانيةٍ تركت صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال فلما صحا أخبر بما صنع وما قال فآلى ألا يذوق

خمراً أبداً. - وربما بلغت جناية الكأس إلى عقب الرجل ونجله. قال المأمون: " يا نطف الخمار ونزائع الظؤور وأشباه الخؤولة ". وقال الشاعر: لما رأيت الحظ حظ الجاهل ولم أر المغبون غير العاقل رحلت عنساً من كروم بابل فبت من عقلي على مراحل وقال

آخر يصف السكر: أقبلت من عند زيادٍ كالخرف أجر رجلي بخطٍ مختلف كأنما يكتبان لام ألف وقال آخر يصف السكر: شربنا شربةً من ذات عرقٍ بأطراف الزجاج من العصير وأخرى بالمروح ثم رحنا نرى العصفور أعظم من بعير كأن الديك ديك بني تميم أمير المؤمنين

على السرير فبت أرى الكواكب دانياتٍ ينلن أنامل الرجل القصير أدافعهن بالكفين مني وألثم لبة القمر المنير وقال الشاعر: دع النبيذ تكن عدلاً وإن كثرت فيك العيوب وقل ما شئت يحتمل هو المشيد بأخبار الرجال فما يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا كم زلةٍ