ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 71 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 71 من 721,798 كلمة في هذا الجزء

إلا أن توارى عني حتى ضرب بي وتأملت ما كنت فيه فإذا هو شيء لا يصبر عنه غلا جاهل ولو بزوال نعمته. قال: فنهضت فقال لي الغلمان: الله الله فإن البارحة قد أنكر علينا نخليتك وطالبنا بك وقال: لم تركتموه ولا نحسبك إلا تحب الإيقاع

بنا. فقلت: والله لا نال أحدكم بسببي مكروه أبداً ولكن أبادر الحاجة والله لا كان لي حبس ولا لبث وأمير المؤمنين أطال الله بقاءه إذا دخل أبطأ وأنا موافيكم قبل خروجه إن شاء الله. قال: فنهضت فما شعرت إلا وأنا في الزقاق فوافيت الزنبيل على

ما كان عليه فقعدت فيه وصعدت وصرت إلى الموضع الذي أعرف فلم ألبث إلا هنيهة وإذا بها قد طلعت فقالت: ضيفنا قلت: إي والله. قالت: أو قد عاودت قلت: نعم ولا أظن إلاأني قد ثقلت. فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام. فقلت: هفوة فمني بالصفح. قالت:

قد فعلنا فلا تعد. قلت: إن شاء الله. قال: ثم جلسنا وأخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة والإنشاد وأحضرنا النبيذ ولم نزل على تلك الحال وأفضل وقد أنست وانبسطت بعض الانبساط وهي مع ذلك لا تزال تقول لي: أوه لو كنت الآن على ما أنت

عليه وأحكمت من تلك الصنعة شيئاً لقد تناهيت وبرعت. فقلت: والله لقد حرصت على ذلك وجهدت فيه فما رزقته ولا قدرت عليه. ثم قلت: يا جعلت فداك لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة لا تخلينا منه. فتأخذ في الأغاني وكلما مر صوت حسن طيب

وجيد بالغ قالت: يا فتى أتدري لمن هذا فأقول: لا. فتقول: لإسحاق. فأقول وإسحاق هكذا جعلت فداك في الحذق فتقول: بخ إسحاق تاريخ هذا الشأن بديع الصوت وعتيق الغناء! فأقول: سبحانك الله لقد أعطى إسحاق ما لم يعطه أحد. فتقول: ولو سمعت هذا منه لكنت

أشد استحساناً له وبه أشد كلفاً. حتى إذا كان الوقت وجاءت العجوز نهضت وودعتها وبادرت بين يدي جارية ففتحت الباب فخرجت منه. وبادرت المنزل فتوضأت للصلاة وصليت الصبح ووضعت رأسي فنمت فما انتبهت إلا برسل الخليفة يطلبونني فقمت وقد أسرج لي فركبت إلى الدار فما

هو إلا أن مثلت بين يدي المأمون حتى قال: يا إسحاق أبيت إلا مكافأة لنا ومعاملة بمثل ما استعملناه معك! قلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما إلى ذلك ذهبت ولا إليه قصدت ولكني ظننت أن يكون أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذته وأغفل أمري.

وجاءني الشيطان فأذكرني أمر الجارية فبادرت إلى البيت. قال: وكان من أمرك ماذا قلت: قضيت الحاجة. وفرغ الأمر. فقال: قد انقضى ما كان بقلبك منها وواحدة بواحدة والبادي أظلم. فقلت: بل أنا يا أمير المؤمنين ألوم وأظلم وإليك المعذرة. فقال: لا تثريب عليك هل لك

في مثل حالنا الأول قلت: إي والله. قال: فانهض بنا. وقام وقمت حتى إذا صرنا إلى الموضع الذي كنا فيه أخذنا في لذتنا وشربنا حتى إذا كان في الوقت قال لي: يا إسحاق ما عزمك قتل: لا عزم لي يا أمير المؤمنين. قال: فعزمت إليك

لتجلسن حتى أخرج إليك لنصطبح فإني عازم على الصبوح وقد نغصت علي ذلك مذ يومان. قلت: فالليلة إن شاء الله. وطرحت الستارات ودخل إلى الحرم فما هو إلا أن توارى عني حتى ضرب بي وقمت وقعدت وجالت وساوسي وجعل أفكر في مجلس معها ومكانها ومحادثتها

والنظر إليها وفي الخروج عن طاعة المأمون وما يلحقني في ذلك من سخطه وموجدته فيسهل علي كل صعب إذا فكرت في أمرها. قال: فوثبت مبادراً فاجتمع علي جند الدار فقالوا لي: أين تريد فقلت: الله فإن لي قصة وأنا معلق القلب ببعض من في منزلي

وأحتاج إلى مطالعتهم في بعض الأمر. فقالوا: ليس إلى تركك من سبيل. قال: فلم أزل أرفق بهذا وأطلب إلى هذا وأقبل رأس هذا ووهبت خاتمي لواحد وردائي لآخر حتى تركوني فلما خرجت عن جملتهم وأنا لا أصدق فلم أزل أعدوا حاسراً حتى وافيت الزنبيل فجلست

فيه وصعدت السطح وصرت إلى الموضع وأقبل على مثل حالتها تلك فلما رأتني قالت: ضيفنا قلت: إيهاً لله. قالت: جعلتها دار مقام قلت: جعلت فداك حق الضيافة ثلاث ثم إن رجعت بعدها فأنت في حل من دمي. قالت: والله لقد أتيت بحجة. قال: ثم جلسنا

فأخذنا في مثل حالنا الأول من الشرب والإنشاد والمذاكرة والمحادثة والغناء حتى إذا علمت أن الوقت قد قارب فكرت في قضيتي وعلمت أن المأمون لا يقارني على هذا وأني لا أتخلص منه إلا بأن أشرح له قصتي وأكشف له عن حالي وعلمت أني إن قلت

له ذلك طالبني بمعرفة الموضع والمسير به إليه مع ما كان غلب عليه من الميل إلى النساء والاستهتار بهن. فقلت لها: أتأذنين في ذكر شيء خطر ببالي قالت: قل ما بدا لك. قلت: جعلت فداك إني أراك ممن يقول بالغناء ويعجب به وبالأدب ولي ابن

عم هو أحسن مني وجهاً وأظرف قداً وأكثر أدباً وأغزر معرفة وإنما أنا تلميذ من تلاميذه وحسنة من حسناته وهو أعرف الناس بغناء إسحاق وأحفظهم له. قالت: " طفيلي ويقترح " لم ترض أن أتيتنا ثلاثة أيام حتى احتجت أن تأتي معك بآخر. فقلت لها:

جعلت فداك ذكرته لتكوني أنت المحكمة فإن أذنت وأردت ذلك وإلا فلا إكراه. قالت: فإن كان ابن عمك هذا على ما ذكرت فما نكره أن نعرفه ونشاهده. فقلت: هو والله على أكثر مما وصفت. قالت: فإذا شئت. قلت: فالليلة. قالت: والليلة. ثم حضر الوقت فنهضت

وصرت إلى البيت فما وصلت حتى وافيت منزلي قد هجم عليه وإذا برسل الخليفة وأصحاب الشرط قد ركبوا إلى بابي فلما بصروا بي سحبت سحباً على حالتي تلك حتى انتهوا بي إلى الدار فإذا المأمون جالس وسط الدار على كرسي وإذا هو مغتاط حرد فقال:

يا إسحاق أخروجاً عن الطاعة قلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: فما قصتك وما الذي أظهر ما أرى من الانحراف وكثرة الخلاف فاصدقني حالك. قلت: يا أمير المؤمنين إنه كانت لي قصة أحتاج فيها إلى خلوة. فأومأ إلى من كان واقفاً بين يديه فتنحوا

حتى إذا خلونا قلت: كان من خبري كيت وكيت وفعلت وصنعت ورأيت كذا. فوالله ما فرغت من حديثها حتى قال: يا إسحاق أتدري ما تقول فقلت: إي والله إني لأدري. فقال: ويحك فكيف لي بمشاهدة ما شاهدت قلت: ما إلى ذلك من سبيل. قال: والله

لا بد تلطف لي وتوصلني إليها فهذا ما لا صبر لعاقل عنه. قلت: إي والله قد تفكرت في قصتي وفيما قدمت عليه من عصيانك وعلمت أنه لا ينجيني إلا الصدق والكشف الحال وعلمت أنك تطالبني به أشد المطالبة فقدمت إليها ذكراً من ذلك وقلت لها

كيت وكيت ووعدتها في أمرك كذا وكذا. قال: قد والله أحسنت ولولا ذلك لنلتك بكل مكروه. قلت: فالحمد لله الذي سلم. قال: ثم نهض ونهضت حتى صرنا إلى مجلسنا وأخذنا في لذتنا وشربنا وهو مع ذلك يقول: يا إسحاق حدثني عنها وصف لي حالها واشرح

لي أمرها. فوالله ما قطعنا يومنا ذلك إلا بذكرها وما وصلنا إلى آخر النهار إلا والمأمون لا يصدق من شدة تعلق قلبه بها وبما قربت عنده من حالها حتى إذا كان بعد هدأة من الليل وهو يقول في كل ساعة: ما جاء الوقت وأنا أقول:

بقي قليل والسعة. والقلق غالب عليه حتى إذا جاء الوقت نهضنا فخرجنا من بعض أبواب القصر ومعنا غلام وهو على حمار وأنا على حمار. فلما صرنا بالقرب من منزلها نزلنا ثم قلنا للغلام: يجب أن تظهر بري بحضرتها وإكرامي وتطرح نخوة الخلافة وتجبر الملك وكن

كأنك تبع لي. وهو يقول: نعم أوترى أني أجهل وتحتاج إلى أن توصيني قال لي: ويحك يا إسحاق فإن قالت لي: عن فكيف أصنع قال: قلت: أنا أكفيك وأدفعها عن ذلك وأصدها برفق وحسن مس. ثم صرنا إلى الزقاق فإذا بزنبيلين معلقين بثمانية أحبل. فقعد

في واحد وقعدت في آخر ثم جذب الجواري وإذا نحن في السطح وبادرن بين أيدينا حتى انتهين بنا إلى المجلس. قال: فأقبل المأمون يتأمل الفرش والدار والزي ويعجب بذلك إعجاباً شديداً وقعدت في موضعي الذي كنت أقعد فيه وقعد المأمون دوني في المرتبة. ثم أقبلت

فسلمت فما تمالك أن نظر إليها فبهت من حسنها فقالت: حيا الله ضيفنا بالسلام والله ما أنصفت ابن عمك ألا رفعت مجلسه فقلت: ذلك إليك جعلت فداءك. فقالت: ارتفع فديتك فأنت جديد وهذا قد صار من أهل البيت ولكل جديد لذة فنهض المأمون حتى قعد

في صدر المجلس ثم أقبلت عليه تذاكره وتناشده وتمازحه وهو آخذ معها في كل فن فكستها وأفحمها. قال: فالتفتت إلي وقالت: وفيت بوعدك وصدقت في قولك ووجب شكرك على صنيعك. قال: ثم أحضرنا النبيذ وأخذنا في الشراب وهي مع ذلك مقبلة عليه وهو مقبل عليها

ومسرورة به ومسرور بها. قال: فالتفتت إلي فقالت: وابن عمك هذا من أبناء التجار قلت لها: نعم فديتك نحن لا نعرف إلا التجارة. قالت: وإنكما فيها لغريبان. ثم قالت: موعدك. فقلت: لعمري إنه ليجب ولكن حتى يسمع شيئاً. قال: وذاك. وأخذت العود وغنت صوتاً فشربنا

عليه رطلاً ثم غنت بصوت كان المأمون يقترحه علي فشربنا عليه رطلاً قال: فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال وغلب عليه الفرح وتداخله السرور وارتاح وطرب قال: يا إسحاق فوالله لقد رأيته نظر إلي نظر الأسد إلى فريسته فنهضت وقلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: غنني

هذا الصوت. فلما رأتني أخذت العود ووقف بين يديه أغنيه علمت أنه الخليفة وأني إسحاق. فنهضت وقال: ها هنا. وأومأ إلى كل مضروبة فدخلتها ثم فرغت من ذلك الصوت وشرب رطلاً وقال لي: ويحك يا إسحاق انظر هذه الدار ومن ربها فخرجت فلقيت تلك العجوز

فقلت لها: من صاحب المنزل ومن مولاكم قالت: الحسن بن سهل. قلت: ومن هذه منه قالت: ابنته بوران. فرجعت وأعلمته فقال: علي به الساعة. قال: فقلت لها: امضي فأحضريه وأعلميه أن أمير المؤمنين يطلبه. قال: فغابت عني هنيهة ثم جاءت وهو في إثرها فوقف بين

يديه فقال: ألك بنت قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أزوجتها قال: لا والله. قال: وما اسمها قال: بوران. قال: فإني أخطبها إليك. قال: هي يا أمير المؤمنين أمتك وأمرها إليك. قال: فإني قد زوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار نحملها إليك في صبيحة ليلتنا

هذه فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتها. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ثم نهض وفتح لنا الباب وخرجنا فلما صرنا إلى الدار قال: يا إسحاق لا يقفن أحد على ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانة. قلت: يا أمير المؤمنين ومثلي يحتاج إلى وصية

بهذا الأمر. قال إسحاق: فما أصبحنا حتى أمر بحمل المال ونقلت إليه من يومها وكانت أحظى نسائه عنده وآثرهن لديه. وأقمت أستر هذا الحديث إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام التي كنت أنصرف من مجلس أمير المؤمنين

في خلافته إلى مجلسها. ووالله ما رأيت من الرجال في ملوكهم ولا خلفائهم ولا سوقهم أحداً يفي بالمأمون ولا شاهدت من النساء امرأة تقاربها فهماً وعقلاً وحلاوة وشكلاً وأما معرفتها وأدبها فما أظن أن في الأرض امرأة كان يتهيأ لها أن تقف من العلوم على

مثل ما وقفت عليه. ولقد سألت بعض من كان يتولى خدمتها من عجائزها فقلت لها: وما حملها على ما أرى فقالت: والله إنها لتفعل هذا منذ كذا وكذا سنة. ولقد عاشرة من الظرفاء والأدباء والملاح أكثر من أن يقع عليه إحصاء وما جرى بينها وبين

أحد مكروه ولا خناً ولا لفظة قبيحة ولم يكن مذهبها في ذلك إلا حب الأدب والمذاكرة لأهله والمعاشرة لأهل المروءة والأقدار وذوي النبل والأخطار لا لريبة تظهر ولا لحالة تنكر. قال: فوالله لقد تضاعف قدرها عندي وعظم خطرها في نفسي وعلمت شرف همتها وفضلها. فهذا

خبر بوران صحيحاً على الحقيقة والسبب الذي تزوجها المأمون به. قال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: إن ناساً من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم فرأى فتى منهم في طريقه جارية فرمقها فقال لأصحابه: لا أنصرف والله حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها.