ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 70 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 70 من 721,799 كلمة في هذا الجزء

وقد تبين الجذل فيه فقلت: كيف كنت بعدي أبا مسهر قال: أبدت لي كثيراً مما كانت أخفته يوم رأيتها فقلت: أقم على أهلك بارك الله لك. ثم انطلقت إلى أهلي وأنا أقول: كفيت الفتى العذري ما كان نابه ومثلي لأثقال النوائب أحمل أما استحسنت مني

المكارم والعلا إذا صرحت أني أقول وأفعل حدث أبو محمد الشعبي الوراق وكان عند باب خراسان على رأس الجسر الأول عن حماد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن إبراهيم من ميمون الموصلي قال: بينا أنا ذات يوم عند المأمون وقد خلال وجهه وطابت نفسه إذ

قال لي: يا إسحاق هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيب الله عيش أمير المؤمنين وأدام سروره وفرحه. فقال: يا غلمان خذوا علينا الباب وأحضروا الشراب. قال: ثم أخذ بيدي وأدخلني في مجالس غير المجالس التي كنا فيها وإذا قد نصبت الموائد وأصلح كل ما كان

يحتاج إليه الحال حتى كأنه شيء قد كان تقدم فيه. قال: فأكلنا وأخذنا في لذتنا وشربنا فأقبلت الستيرات من كل ناحية بضروب من الغناء وصنوف من اللهو فلم نزل على ذلك إلى آخر النهار فلما غربت الشمس قال لي: يا إسحاق خير أيام الفتي أيام

الطرب. قلت: هو والله ذاك يا أمير المؤمنين. قال: فإني قد فكرت في شيء فهل لك فيه قلت: يا سيدي أو أتأخر عن رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. قال: لعلنا نباكر الصبوح في غدوتنا هذه وقد عزمت على دخلة إلى دار الحرم فكن بمكانك

ولا ترم فإني أوافيك عن قريب. قال: قلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين. ثم نهض إلى دار النساء فما عرفت له خبراً إلى أن ذهب من الليل عامته. قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق الله بالنساء وأشدهم ميلاً إليهن واستهتاراً بهن وعلمت أن النبيذ

قد غلب عليه وأنهن قد أنسينه أمري وما كان تقدم إلي ووعدني من سرعة رجوعه فقلت في نفسي: هو أعزه الله في لذته وأنا هنا هنا في يغير شيء وفي بقية وعندي صبية كنت قد اشتريتها وكانت نفسي متطلعة إلى افتضاضها فنهضت مسرعاً عند ذكرها

فقال الخادم: على أي شيء عزمت وإلى أين تريد قلت: أريد الانصراف. قالوا: فإن طلبك أمير المؤمنين قلت: إنه أدام الله سروره قد شغله الطرب ولذة ما هو فيه عن طلبه وقد كان بيني وبينه موعد قد جاوز وقته ولا وجه لجلوسي. قال إسحاق: وكنت

مقدم الأمر في دار المأمون مقبول القول فيه لا أعارض في الشيء إذا أومأت إليه فخرجت مبادراً إلى باب الدار فلقيني غلمان الدار وأصحاب النوبة. فقالوا: يا سيدنا إن غلمانك قد انصرفوا وكانوا قد جاءوك بدابة فلما علموا بمبيتك انصرفوا. قلت: لا ضير فأنا أتمشى

إلى البيت وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة. قلت: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: فنمضي بين يديك بمشعل. قلت: لا ولا أريد أيضاً ذلك. وأقبلت وحدي نحو البيت حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحركة البول فعدلت إلى بعض الأزقة لئلا يجوز بي

أحد منن العوام فيراني أبول على الطريق فبلت حتى إذا قمت للتمسح ببعض الحيطان إذا أنا بشيء معلق من تلك الدور إلى الزقاق فما تمالك أن تمسحت حتى دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو فإذا بزنبيل كبير معلق بأربع آذان وإذا هو ملبس ديباجاً

وفيه أربعة أحبل إبريسم فلما نظرت إليه وتبينته قلت: والله إن لهذا لسبباً وإن له لأمراً. فأمت ساعة أروي في أمره وأفكر فيه حتى إذا طال ذلك بي قلت: والله لأتجاسرن ولأجلسن فيه كائناً في ذلك ما كان. ثم لففت رأسي بردائي وجلست في جوف

الزنبيل فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله جذبوا الزنبيل إليهم حتى انتهوا إلى رأس الحائط فإذا بأربع جوار وإذا هن يقلن: انزل بالحرب والسعة أصديق أم جديد فقلت: لا بل جديد. فقلت: أنت يا جرية بين يديه الشمعة. فابتدرت إحداهن إلى طست فيه

شمعة وأقبلت بين يدي حتى نزلت إلى دار نظيفة بها من الحسن والظرف والنظافة ما حرت له ثم أدخلتني إلى مجالس مفروضة ومناص مرصوص بصنوف من الفرش الذي لم أر مثله إلا في دار ملك أو خليفة فجلست في أدني مجلس من تلك المجالس فما

شعرت بعد ساعة إلا بضجة وجلبة وستور قد رفعت من ناحية من نواحي الدار وإذا بوصائف يتساعين في أيدي بعضهن الشمع وبعضهن المجامر يسجر فيها العود والند وإذا بينهن جارية كأنها تمثال عاج تتهادى بينهم كالبدر الطالع بقد يزرى على الغصون ودل وشكل فما تمالكت

عند رؤيتها أن نهضت فقالت: مرحباً بك من زائر أتى وليست تلك عادته. وجلست ورفعت مجلس عن الموضع الذي كنت فيه. فقالت: كيف كان ذا والله لي ولك ولا علم كان وقع لي فما السبب قال: قلت: انصرفت من عند بعض إخواني وظننت أني على

وقت فخرجت في وقت ضيق وأخذني البول فأخذت إلى هذا الطريق فعدلت إلى هذا الزقاق فوجدت زنبيلاً معلقاً فحملني النبيذ على أن جلست فيه فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه وإن كان صواباً فوالله ألهمنيه. قالت: لا ضير إن شاء الله وأرجوا أن تحمد عواقب أمرك

فما صناعتك قلت: بزاز. قالت: وأين مولدك قلت: بغداد. قالت: ومن أي الناس أنت قلت: من أفنائهم وأوساطهم. قالت: حياك الله وقرب دارك فهل رويت من الأشعار شيئاً قلت: شيئاً يسيراً. قالت: فذاكرنا بشيء مما حفظت. قلت: جعلت فداك إن للداخل دهشة وفي انقباض ولكن

تبتدئي بشيء من ذلك فالشيء يأتي بالمذاكرة. قالت: لعمري لقد صدقت فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا ثم أنشدتني لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين من أحسن أشعارهم وأجود أقاويلهم وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب: من ضبطها أم من حسن لفظها

أم من حسن أدبها أم من حسن جودة ضبطها للغريب أم من اقتدارها على النحو معرفة أوزان الشعر ثم قالت: أرجو أن يكون ذهب عنك بعض ما كان من الحصر والانقباض والحشمة. فقلت: إن شاء الله لقد كان ذلك. قالت: فإن رأيت أن تنشدنا من

بعض ما تحفظ فافعل. قال: فاندفعت أنشد لجماعة من الشعراء فاستحسنت نشيدي وأقبلت تسألني عن أشياء تمر في شعري كالمختبرة لي وأنا أجيبها بما أعرف في ذلك وهي مصغية إلي ومستحسنة لما آتي به حتى إذا أتيت على ما فيه مقنع قالت: والله ما قصرت

وما توهمت فيك ما ألفيت وما رأيت في أبناء التجار وأبناء السوقة مثل ما معك فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس قلت: قد نظرت في شيء من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما عندك. فما غابت عنا شيئاً حتى قدمت إلينا مائدة لطيفة قد جمع عليها

غرائب الطعام السري فقالت: إن الممالحة أول الرضاع فدونك. فتقدمت فأقبلت أعتذر بعض الاعتذار وهي مع ذلك تحثني وتضع بين يدي وإن لمتقسم القلب لما أرى من ظرفها وعقلها وحسن خفرها وكثرة أدبها حتى رفعت المائدة وأحضرت آنية النبيذ فوضعت بين يدي صينية وقنينة وقدح

ومغسل وبين يديها مثل ذلك وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه ما لم أره اجتمع لأحد إلا لولي عهد أو سلطان قد عبئ أحسن تعبئة وهيء بأحسن تهيئة. قال إسحاق: فتثاقلت عن الشرب لتكون هي التي تبتدئ. فقالت: ما لي أراك متوقفاً عن

الشرب قلت: انتظاراً لك. جعلت فداك. فسكبت قدحاً فشربت ثم سكبت قدحا آخر فشرب ثم قالت: هذا أوان المذاكرة فإن المذاكرة بالأخبار وذكر أيام الناس مما يطرب. قلت: لعمري أن هذا لمن أوقاته. فاندفعت فقلت: بلغني أنه كان كذا وكذا وكان رجل من الملوك يقال

له فلان بن فلان وكان من قصته كذا وكذا حتى مررت بعد أخبار حسان من أخبار الملك وما لا يتحدث به إلا عند ملك أو خليفة فسرت بذلك سروراً شديداً ثم قالت: والله لقد حدثتني بأحاديث حسان ولقد كثر تعجبي من أن يكون أحد من

التجار يحفظ مثلها وإنما هي من أحاديث الملوك وما لا يتحدث به إلا عن ملك أو خليفة. فقلت لها: جعلت فداك إنه كان لي جار ينادم بعض الملوك وكان حسن المعرفة كثير الحفظ فكان ربما تعطل عن نوبته التي كان يذهب فيها إلى دار صاحبه

لشغل يمنعه من ذلك أو لأمر يقطع فأمضي إليه وأعزم عليه وأصير به إلى منزلي فربما أخبرني من هذه الأحاديث شيئاً إلى أن صرت من خاصة أخدانه وممن كان لا يفارقه. ما سمعت مني فمنه أخذته وعنه استفدته. فقالت: يجب أن يكون هذا كذا. ولعمري

لقد حفظت فأحسنت الحفظ وما هذا إلا لقريحة جيدة وطبع كريم. قال إسحاق: وأخذنا في شيء من الشراب والمذاكرة ابتدئ الحديث فإذا فرغت ابتدأت هي في آخر أحسن به حتى قطعنا بذلك عامة الليل والند والعود وفائق البخور في المجلس يجدد ويسجر وأنا في حالة

لو توهمها المأمون وتأملها لاستطار فرحاً وسروراً. ثم قالت لي: يا أبا فلان - وكنت قد غيرت عليها اسمي وكنيتي - والله إني لأراك كاملاً وفي الرجال فاضلاًن وإنك لوضئ الوجه مليح الشكل بارع الأدب وما كان بقي عليك إلا شيء واحد حتى تكون قد

برعت وبرزت. فقلت: وما هو يا سيدتي دفع الله عنك الأسواء قالت: لو كنت تحرك بعض الملاهي أو تترنم ببعض الأشعار. فقلت: والله لقدماً اشتهيته وطالما كلفت به وحرصت عليه فلم أرزقه ولا وجدتني ممن تعلق بشيء منه فلما طال عنائي به وكلما تقدمت في

طلبه كنت منه أبعد وعنه أذهب تركته وأعرضت عنه وإن في قلبي من ذلك لحرقة وحرارة وإني لمستهتر به مائل إليه وما أكره أن أسمع في مجلسي هذا من جيده شيئاً لتكمل ليلتي ويطيب عيشي. قالت: كأنك قد عرضت بنا. فقلت: لا والله ما هو

تعريض ولا هو إلا تصريح وقد بدأت بالفضل وأنت حرية باستتمام ما بدأت به فقالت: يا جارية عود. فأحضرت العود فأخذته فما هو إلا أن جسته حتى ظننت أن الدار قد سارت بي وبمن فيها واندفعت تغني بصوت ما ظننت أحداً يغني به مع صحة

إيماء وجودة ضرب فقلت: والله لقد أكمل الله فيك خلال الفضل وحباك بالكمال الرائع والعقل الوافر والأخلاق المرضية والأفعال السنية فقالت: هل تعرف لمن هذا الصوت ومن غنى به فقلت: لا والله. قالت: الغناء لفلان والشعر لفلان وكان من سببه كذا وكذا. فقلت: هذا والله

أحسن من الغناء. فلم تزل تلك حالها في كل صوت تغنيه وهي مع ذلك تشرب وأشرب حتى إذا كان عند انشقاق الفجر أو قبله جاءت عجوز كأنها داية لها فقالت: أي بنية إن الوقت قد حضر فإذا شئت فانهضي. قال: فلما سمعت مقالها نهضت فقالت:

عزمت قلت: إي والله. فقالت: مصاحباً عليك بستر ما كنت فيه فإن المجالس بالأمانة. فقلت: جعلت فداك أو أحتاج إلى وصية في ذلك فودعتها وودعتني وقالت: يا جارية بين يديه. فأتي بي باب في ناحية الدار ففتح لي وخرجت منه إلى طريق مختصرة وبادرت البيت

فصليت الصبح ووضعت رأسي فما انتبهت إلا برسل الخليفة على الباب فقمت وقد أسرج لي فركبت إلى الدار فسرت إليه فلما مثلت بين يدي المأمون قال لي: يا إسحاق جفوناك ما كنا ضمناه لك وتشاغلنا عنك. فقلت: يا سيدي ليس شيء آثر عندي ولا أسر

إلا قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين فإذا كمل سروره وطاب عيشه فعيشنا طيب وسرورنا بسروره متصل. ثم قال: ما كانت حالك قلت: يا سيدي كنت قد اشتريت صبية من السوق وكنت معلق القلب بها فلما تشاغل أمير المؤمنين أطال الله بقاء وخلوت وقد

كانت في بقية طالبتني نفسي بها فمضيت مسرعاً فأحضرتها وأحضرت نبيذاً فسقيتها وشربت معها وغلب علي السكر فقطعني عما أردت وذهب بي النوم إلى أن أصبحت. فقال: لي: ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس فقلت:

يا أمير المؤمنين وهل أحد يمتنع من ذلك قال: فإذا شئت. فنهض ونهضت فصرنا إلى المجلس الذي كنا فيه بالأمس على مثل حالنا تلك وأفضل حتى إذا كان في الوقت وثب قائماً فقال: يا إسحاق لا ترم فإني أجيئك وقد عزمت على الصبحة فما هو