جالينوس تحت إبطه قال: يلقمه الجوارشن كلما خاف عليه التخمة يهضم بها طعامه. ومر طفيلي على الجماز فقال له: ما تأكل قال: كلب في قحف خنزير. ودخل طفيلي على قوم يأكلون فقال: ما تأكلون فقالوا من بغضه: سماً. فأدخل يده وقال: الحياة حرام بعدكم. ومر
طفيلي على قوم كانوا يأكلون وقد أغلقوا الباب دونه فتسور عليهم من الجدار وقال: منعتموني من الأرض فجئتكم من السماء. وقيل لطفيلي: كم اثنان في اثنين قال أربعة أرغفة. وقيل لآخر: كم كان أصحاب النبي ﷺ يوم بدر قال: كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر درهما. قال
محمد بن أحمد الكوفي حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له بالبصرة فجمعوا وأبصرهم طفيلي فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع فانسل فدخل وسطهم ومضى بهم المتوكلون حتى انتهوا بهم إلى زورق قد أعد
لهم فدخل الزورق فقال الطفيلي: هي نزهة. فدخل معهم فلم يكن بأسرع من أن قيدوا وقيد معهم الطفيلي ثم سير بهم إلى بغداد فأدخلوا على المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلاً فيأمر بضرب رقابهم حتى وصل إلى الطفيلي وقد استوفى العدة فقال للموكلين: ما هذا
قالوا: والله ما ندري غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به. فقال له المأمون: ما قصتك ويلك! قال: يا أمير المؤمنين. امرأته طالق إن كان يعرف من أحوالهم شيئاً ولا مما يدينون الله به إنما أنا رجل طفيلي رأيتهم مجتمعين فظننتهم ذاهبين لدعوة. فضحك المأمون
وقال: يؤدب. وكان إبراهيم بن المهدي قائماً على رأس المأمون فقال: يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه وأحدثك عن حديث عجيب عن نفسي. قال: قل يا إبراهيم. قال: خرجت يا أمير المؤمنين من عنك يوماً فطفت في سكك بغداد متطرباً فانتهيت إلى موضع فشممت روائح
أبازير قدور قد فاح طيبها فتاقت نفسي إليها وإلى طيب ريحها فوقفت على خياط فقلت: لمن هذه الدار قال: لرجل من التجار البزازين قلت: ما اسمه قال: فلان بن فلان فنظرت إلى الدار فإذا بشباك فيها مطل فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك قابضة
على عضد ومعصم فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور وبقيت باهتاً ساعة ثم أدركني ذهني فقلت للخياط: أهو ممن يشرب النبيذ قال: نعم وأحسب أن عنده اليوم دعوة وليس ينادم إلا تجاراً مثله مستورين فبينا أنا كذلك إذا أقبل رجلان نبيلان
راكبان من رأس الدرب فقال الخياط: هؤلاء منادموه. فقلت: ما اسماهما وما كناهما قال: فلان وفلان. فحركت دابتي وداخلتهما وقلت: جعلت فداكما. قد استبطأكم أبو فلان أعزه الله وسايرتهما حتى بلغا الباب فأجلاني وقدماني فدخلنا. فلما رآني صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو
قادم قدمت عليهما من موضع فرحب بي وأجلست في أفضل المواضع فجيء بالمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها فقلت في نفسي: هذه الألوان قد أكلتها وبقي الكف والمعصم كيف أصل إلى صاحبتهما ثم رفع الطعام وجاءونا بوضوء فتوضأنا وصرنا
إلى بيت المنادمة فإذا أشكل بيت يا أمير المؤمنين وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويميل علي بالحديث وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه على معرفة متقدمة حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية كأنها جان تثنى كالخيزران فأقبلت فسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة فجلست
وأتي بالعود فوضع في حجرها فجسته فاستبنت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني: توهمها طرفي فأصبح خدها وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها كفي فآلم كفها فمن مس كفي في أناملها عقر فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي وطربت لحسن شعرها ثم اندفعت تغني: فحدت
عن الإظهار عمداً لسرها وحادت عن الإظهار أيضاً على عمد فصحت: يا أمير المؤمنين: السلاح وجاءني من الطرب ما لم أملك نفسي ثم اندفعت فغنت الصوت الثالث: أليس عجيباً أن بيتاً يضمني وإياك لا نخلو ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها وتقطيع أنفاس على
النار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب وتكسير أجفان وكف تسلم فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء وإصابتها لمعنى الشعر وأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت به فقلت: بقي عليك يا جارية. فضربت بعودها الأرض وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء فندمت على
ما كان مني ورأيت القوم كأنهم تغيروا لي فقلت: أما عندكم عود غير هذا قالوا: بلى. فأتيت بعود فأصلحت من شأنه ثم غنيت: ما للمنازل لا يجبن حزيناً أصممن أم قدم المدى فبلينا راحوا العشية روحةً مذكورة إن متن متنا أو حيين حيينا فما أتممته
حتى قامت الجارية فأكبت على رجلي تقبلها وقالت: معذرةً إليك فوالله ما سمعت أحد يغني هذا الصوت عناءك وقام مولاها وأهل المجلس ففعلوا كفعلها وطرب القوم أفي الحق أن تمسي ولا تذكرينني وقد سفحت عيناي من ذكرك الدما فردي مصاب القلب أنت قتلته ولا تتركيه
ذاهل العقل مغرما إلى الله أشكو بخلها وسماحتي لها عسل مني وتبذل علقما إلى الله أشكو أنها مادرية وأني لها بالود ما عشت مكرما فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ثم اندفعت أغني الثالث: هذا محبك مطويٌ على كمده حرى
مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته مما جنى ويد أخرى على كبده فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدي لا ما كنا فيه وسكر القوم. وكان صاحب المنزل حسن الشرب الصحيح العقل فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم وخلوت معه
فلما شربنا أقداحاً قال: يا هذا ذهب ما مضى من أيامي ضياعاً إذ كنت لا أعرفك فمن أنت يا مولي ولم يزل يلح حتى أخبرته الخبر فقام وقبل رأسي وقال: وأنا أعجب يا سيدي أن يكون هذا الأدب إلا لمثلك وأني لجالس مع الخلافة ولا
أشعر ثم سألني عن قصتي فأخبرته حتى بلغت خبر الكف والمعصم فقال للجارية: قومي فقولي لفلانة تنزل ثم لم يزل ينزل جواريه واحدةً بعد أخرى وأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول: ليست هي حتى قال: والله ما بقي غير زوجتي وأختي ووالله لأنزلنهما إليك فعجبت من
كرمه وسعة صدره فقلت: جعلت فداءك ابدأ بالأخت قبل الزوجة فعساها هي فبرزت فلما رأيت كفها ومعصمها قلت: هي هذه فأمر غلمانه فمضوا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه فأقبلوا بهم وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم فقال للمشايخ: هذه أختي فلانة أشهدكم أني زوجتها
من سيدي إبراهيم بن المهدي وأمهرتها عنه عشرين ألفاً فرضيت النكاح. فدفع إليها البدرة وفرق الأخرى على المشايخ وقال لهم: انصرفوا. ثم قال: يا سيدي أمهد لك بعض البيوت فتنام مع أهلك. فأحشمني ما رأيت من كرمه فقلت: بل أحضر عمارية وأحملها إلى منزلي. قال:
ما شئت فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي فوالله يا أمير المؤمنين لقد أتبعها من الجهاز ما ضاق عنه بعض بيوتنا فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين. فعجب المأمون من كرم الرجل وأطلق الطفيلي وأجازه وألحق الرجل في أهل خاصته. ومر طفيلي بقوم يتغدون فقال:
سلام عليكم معشر اللئام. فقالوا: لا والله بل كرام. فثنى رجله وجلس وقال: اللهم اجعلهم من الصادقين واجعلني من الكاذبين. ودخل طفيلي من أهل المدينة على الفضل بن يحيى وبيده تفاحة فألقاها إليه وقال: حياك الله يا مدني فلزمها وأكلها. فقال له: شؤم عليك يا
مدني أتأكل التحيات قال: إي والله والزاكيات الطيبات كنت آكلها. وقال إبراهيم الموصلي في طفيلي كان يصحبه: نعم النديم نديم لا يكلفني ذبح الدجاج ولا ذبح الفراريج يكفيه لونان من كشك ومن عدس ولو يشاء فزيتون بطسوج وقال طفيلي في نفسه: نحن قوم إذا دعينا
أجبنا ومتى ننس يدعنا التطفيل ونقل علنا دعينا فغبنا وأتانا فلم يجدنا الرسول وقال آخر وأتى طعاماً لم يدع إليه فقيل له: من دعاك فأنشأ: دعوت نفسي حين لم تدعني فالحمد لي لا لك في الدعوة وكان ذا أحسن من موعد مخلفه يدعو إلى الجفوة
ودخل طفيلي في صنيع رجل من القبط فقال له: من أرسل لك فأنشأ: أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم إن المحب إذا ما لم يزر زارا فقال له القبطي: زر زارا ليس ندري من هو اخرج من بيتي. ونظر رجل من الطفيليين إلى قوم من الزنادقة يسار
بهم إلى القتل فرأى لهم هيئة حسنة وثياباً نقية فظنهم يدعون إلى وليمة فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار واحداً منهم فلما بلغ صاحب الشرطة قال: أصلحك الله لست والله منهم وإنما أنا طفيلي ظننتهم يدعون إلى صنيع فدخلت في جملتهم. فقال: ليس هذا مما
ينجيك مني اضربوا عنقه. فقال: أصلحك الله إن كنت ولا بد فاعلاً فأمر السياف أن يضرب بطني بالسيف فإنه هو الذي ورطني هذه الورطة. فضحك صاحب الشرطة وكشف عنه فأخبروه أنه طفيلي معروف فخلى سبيله. وقال طفيلي: ألا ليت لي خبزاً تسربل رائباً وخيلاً من
البرني فرسانها الزبد فأطلب فيما بينهن شهادةً بموت كريم لا يشق له لحد وكان أشعب يختلف إلى ينة بالمدينة يطارحها الغناء فلما أراد الخروج إلى مكة قال لها: ناوليني هذا الخاتم الذي في إصبعك لأذكرك به. قالت: إنه ذهب وأخاف أن تذهب ولكن خذ هذا
العود لعلك تعود. اصطحب شيخ وحدث من الأعراب فكان لهما قرص في كل يوم وكان الشيخ متخلع الأضراس بطيء الأكل فكان الحدث يبطش بالقرص ثم يقعد يشتكي العشق ويتضور الشيخ لقد رابني من جعفر أن جعفراً يطيش بقرصي ثم يبكي على جمل فقلت له لو
مسك الحب لم تبت سميناً وأنساك الهوى شدة الأكل وقال الحدث: إذا كان في بطني طعامٌ ذكرتها وإن جعت يوماً لم تكن لي على ذكر ويزداد حبي إن شبعت تجدداً وإن جعت غابت عن فؤادي وعن فكري وكان أشعب يختلف إلى جارية في المدينة ويظهر
لها التعاشق إلى أن سألته سلفة نصف درهم فانقطع عنها وكان إذا لقيها في طريق سلك طريقاً أخرى فصنعت له نشوقاً وأقبلت به إليه فقال لها: ما هذا قالت: نشوق عملته لك لهذا الفزع الذي بك. فقال: اشربيه أنت للطمع فلو انقطع طمعك انقطع فزعي
وأنشأ يقول: أخلفي ما شئت وعدي وامنحيني كل صدِّ قد سلا بعدك قلبي فاعشق من شئت بعدي إنني آليت لا أع شق من يعشق نقدي وقيل لأشعب: ما أحسن الغناء قال: نشيش المقلي. قيل له: فما أطيب الزمان قال: إذا كان عندك ما تنفق. وكان
أشعب يغني: وكان الحب في القلب فصار الحب في المعده وقال آخر في طفيلي من أهل الكوفة: زرعنا فلما تمم الله زرعنا وأوفى عليه منجل بحصاد بلينا بكوفي حليف مجاعة أضرّ بزرع من دبي وجراد وقال هشام أخو ذي الرُّمة لرجل أراد سفراً: إن لكل
رفقة كلباً يشركهم في فضلة الزاد فإن استطعت أن تكون كلب الرفاق فافعل. وخرج أبو نواس متنزهاً مع شطار من أصحابه فنزلوا روضة ووضعوا شراباً فمر بهم طفيلي فتطارح عليهم فقال أبو نواس: ما اسمك قال: أبو الخير. فرحب به وقعد معهم. ثم مرت بهم
جارية فسلمت فرد عليها وقال لها: ما اسمك قالت: زانة. قال أبو نواس لأصحابه: اسرقوا الياء من أبي الخير فأعطوها زانة فتكون زانية ويكون أبو الخير أبا الخرء كما هو. ففعلوا. الجاحظ قال: دعي أبو عبد الله الواسطي إلى صنيع فدعاني فدعوت أبا الفلوسكي. فلما
كان من الغد صبح الفلوسكي الجاحظ فقال له: أما تذهب بنا هناك يا أبا عثمان قال: نعم. قال: فذهبنا حتى أتينا دار صاحب الصنيع فلم يكن علينا كسوة رائعة ولا تحتنا دواب فتدخل تجاهنا فوجدنا البواب ذا غلظ وجفا فمنعنا فانحدرنا في جانب الإيوان ننتظر
أحداً يعلم أبا عبد الله الواسطي بحالنا. فمكثنا حيناً حتى أتى من نعرفه فسألناه أن يعلم أبا عبد الله الواسطي بنا فلما أخبر خرج إلينا يتلقانا فتقدمني الفلوسكي وتقدمه حتى أتى صدر المجلس فقعد فيه ثم قال لي: ها هنا عندنا يا أبا عثمان. فلما