لم يعرفها فالتمسها في كتابه فلم يجدها. فقال: لم يمت هذا الرجل بعد ولو مات لوجدت فريضته في كتابي. وعزى قوماً فقال: آجركم الله وأعظم أجوركم وأجركم. فقيل له في ذلك فقال مثل قول مروان بن الحكم: بارك الله فيكم وبارك لكم وبارك عليكم. وكان
أبو إدريس السمان يكتب: فلا أصحبك الله إلا بالعافية ولا حيا وجهك إلا بالكرامة. العتبي قال: بعث رجل وكيله إلى رجل من الوجوه يقتضيه ما عليه فرجع إليه مضروباً فقال: ما لك ويلك قال: سبك فسببته فضربني. قال: وبأي شيء سبني قال: هن الحمار في
حر أم الذي أرسلك. قال له: دعني من افترائه علي. أخبرني أنت كيف جعلت لأير الحمار من الحرمة ما لم تجعل لحر أمي هلا قلت: أير الحمار في هن أم من أرسلك وقال أبو نواس: قلت لأحد الوراقين الذين يكتبون بباب البطوني: أيما أسن أنت
أم أخوك قال: إذا جاء رمضان استوينا. قال ثمامة بن أشرس للمأمون: مررت في غب مطر والأرض ندية والسماء مغيمة والريح شمال وإذا بشخص أصفر كأنه جرادة وقد قعد على قارعة الطريق وحجام يحجمه على كاهله وأخدعيه بمحاجم كأنها قعاب وقد مص دمه حتى كاد
يستفرغه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد قال: لهذا الصفار الذي بي. وقيل لأبي عتاب: كيف برك بأمك قال: والله ما قرعتها بسوط قط. النوكى من نساء الأشراف دغة العجلية وجهيزة وشولة ودراعة وسارية الليل وريطة بنت كعب وهي التي نقضت غزلها أنكاثاً.
وفيها يقال في المثل: " خرقاء وجدت صوفة ". وقال عمرو بن عثمان: شيعت القاضي عبد العزيز بن المطلب المخزومي قاضي مكة إلى منزله وبباب المسجد حمقاء تصفق بيديها وتقول: أرق عيني ضراط القاضي. فقال لي: يا أبا حفص أتراها تعني قاضي مكة وقد يأتي
لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم لا يسمع بمثله كما قالوا: رب رمية من غير رام. قيل لدغة: أي بنيك أحب إليك قالت: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يفيق والغائب ومن أخبار أهل العي المشبهين بالمجانين: دخل أبو طالب صاحب الطعام على هاشمية جارية حمدونة بنت
الرشيد ليشتري طعاماً من طعامهم فقال لها: قد رأيت متاعك وقلبته. قالت له: هلا قلبت طعامك يا أبا طالب قال: وقد أدخلت يدي فيه فوجدته قد حمي وصار مثل الجيفة. قالت: يا أبا طالب ألست قد قلبت الشعير فأعطنا به ما شئت وإن كان فاسداً.
قال الأصمعي: كان بين رجلين من النوكى عبد فقام أحدهما يضربه فقال له شريكه: ما تصنع قال: أنا أضرب نصيبي منه. قال: وأنا أضرب حصتي فيه وقام فضربه. فكان من رأي العبد أن سلح عليهما وقال: اقتسما هذه على قدر الحصص. ومر بعضهم بامرأة قاعدة
على قبر وهي تبكي فقال لها: ما هذا الميت منك قالت: زوجي. قال: وما كان عمله قالت: كان يحفر القبور قال: أبعده الله أما علم أنه من حفر حفرة وقع فيها. وطلب رجل من النوكى من ثمامة بن أشرس أن يسلفه مالاً ويؤخره به. فقال:
هاتان حاجتان وأنا أقضي لك إحداهما. قال: رضيت. قال: أنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك. وكان أبو رافع مولى رسول الله ﷺ وآل أبي رافع من فضلاء أهل المدينة وخيارهم مع بله فيهم وعي شديد - فمن ذلك أن امرأة أبي رافع رأته في نومها
بعد موته فقال لها: أتعرفين فلاناً الصيرفي قالت له: نعم. قال: فإن لي عليه مائتي دينار. فلما انتبهت من نومها غدت إلى الصيرفي فأخبرته الخبر وسألته عن المائتي دينار. فقال: رحم الله أبا رافع والله ما جرت بيني وبينه معاملة قط. فأقبلت إلى مسجد المدينة
فوجدت مشايخ من آل أبي رافع كلهم مقبول القول جائز الشهادة فقصت عليهم الرؤيا وأخبرتهم خبرها مع الصيرفي وإنكاره لما ادعاه أبو رافع. قالوا: ما كان أبو رافع ليكذب في نوم ولا يقظة قومي بصاحبك إلى السلطان ونحن نشهد لك عليه. فلما رأى الصيرفي عزم
القوم على الشهادة لها وعلم أنهم إن شهدوا عليه لم يبرح حتى يؤديها قال لهم: إن رأيتم أن تصلحوا بيني وبين هذه المرأة على ما ترونه فافعلوا. قالوا: نعم والصلح خير ونعم الصلح الشطر فأد إليها مائة دينار من المائتين. فقال لهم: أفعل ولكن اكتبوا
بيني وبينها كتاباً يكون وثيقة لي. قالوا: وكيف تكون هذه الوثيقة قال: تكتبون لي عليها أنها قبضت مني مائة دينار صلحاً على المائتي دينار التي ادعاها أبو رافع علي في نومها وأنها قد أبرأتني منها وشرطت على نفسها ألا ترى أبا رافع في نومها مرة
أخرى فيدعي علي بغير هذه المائتين فتجيء بفلان وفلان يشهدان علي لها. فلما سمعوا الوثيقة فطن القوم لأنفسهم وقالوا: قبحك الله وقبح ما جئت به. ومنهم عامر بن عبد الله بن الزبير أتي بعطائه وهو في المسجد فقام ونسيه في موضعه فلما صار إلى بيته
ذكره فقال: يا غلام ائتني بعطائي الذي نسيت في المسجد. قال: وأين يوجد وقد دخل المسجد بعدك جماعة قال: وبقي أحد يأخذ ما ليس له وسرقت نعله مرة فلم يلبس نعلاً بعدها حتى مات وقال: أكره أن أتخذ نعلاً فيجيء من يسرقها فيأثم. وفي هذا
الضرب يقول أبو أيوب السختياني: في أصحابي من أرجو بركته ودعاءه ولا أقبل شهادته. قال الأصمعي: كان الشعبي يحدث أنه كان في بني إسرائيل عابد جاهل قد ترهب في صومعته وله حمار يرعى حول الصومعة فاطلع عليه من الصومعة فرآه يرعى فرفع يديه إلى السماء
فقال: يا رب لو كان لك حمار كنت أرعيه مع حماري وما كان يشق علي. فهم به نبي كان فيهم في ذلك الزمان فأوحى الله إليه دعه فإنا أثيب كل إنسان على قدر عقله. هشام بن حسان قال: أقبل رجل إلى محمد بن سيرين فقال:
ما تقول في رؤيا رأيتها قال: وما رأيت قال: كنت أرى أن لي غنماً فكنت أعطى بها ثمانية دراهم فأبيت من البيع ففتحت عيني فلم أر شيئاً فأغلقتهما ومددت يدي وقلت: هاتوا أربعة فلم أعط شيئاً. فقال له ابن سيرين: لعل القوم اطلعوا على عيب
في الغنم فكرهوها. قال: يمكن الذي ذكرت. منهم أبو ياسين الحاسب وجعيفران وجرتفش وأبو حية النميري وريسيموس وصالح بن شيرزاذ الكاتب. وكان أبو حية أجن الناس وأشعر الناس وهو القائل: ألا حي أطلال الرسوم البواليا لبسن البلى مما لبسن اللياليا إذا ما تقاضى المرء يوم
وليلةٌ تقاضاه أمر لا يمل التقاضيا وهو القائل أيضاً: فلأبعثن مع الرياح قصيدةً مني مغلغلةً إلى القعقاع ترد المناهل لا تزال غريبةً في القوم بين تمتعٍ وسماع وهو القائل أيضاً: فأبدت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كفٍ ومعصم وأما جعيفران الموسوس الشاعر وهو من
مجانين الكوفة فإنه لقي رجلاً فأعطاه درهماً وقال له: قل شعراً على الجيم. فقال: عادني الهم فاعتلج كل هم إلى فرج سل عنك الهموم بال كاس والراح تنفرج ما جعفرٌ لأبيه ولا له بشبيه أضحى لقوم كثير فكلهم يدعيه هذا يقول بنيي وذا يخاصم فيه
والأم تضحك منهم لعلمها بأبيه قال أبو الحسن: استأذن جعيفران على بعض الملوك فأذن له وحضر غداؤه فتغدى معه فلما كان من الغد استأذن فحجبه ثم أتاه في الثالثة فحجبه. فنادى بأعلى صوته: عليك إذنٌ فإنا قد تغدينا لسنا نعود وإن عدنا تعدينا يا أكلة
ذهبت أبقت حرارتها داءً بقلبك ما صمنا وصلينا العتبي قال: قال أبو وائل لأبي: إن في حماقةً ولكن إن طلبت الشعر وجدت عندي منه علما. قال: وهل تقول منه شيئاً قال: نعم أقول أجود من قولك وأنا الذي أقول: لو أن جومل كلمتني بعدما نسيت
نوائحي البكاء وأقبر لحسبت ميت أعظمي سيجيبها أو أن باليها الرميم سينشر قال له أبي: أما الشعر فحسن إلا أن اسم المرأة قبيح. قال: ألا إن اسم المرأة جمل ولكنني ملحته بجومل. فقال له: إن هذا من الحماقة التي برئ إلينا منها. ما أوجع البين
من غريب فكيف إن كان من حبيب يكاد من شوقه فؤادي إذا تذكرته يموت فقال له أبي: إن هذا باء وهذا تاء. قال: لا تنقط أنت شيئاً. قلت: يا هذا إن البيت الأول مخفوض وهذا مرفوع. قال: أنا أقول لا تنقط وهو يشكل. ولما توفيت
أم سليمان بن وهب الكاتب أخي الحسن بن وهب دخل عليه رجل من نوكى الكتاب يسمى صالح بن شيرزاذ بشعر يرثيها فيه فأنشده: لأم سليمان علينا مصيبةٌ مغلغلة مثل الحسام البواتر وكنت سراج البيت يا أم سالم فأمسى سراج البيت وسط المقابر فقال سليمان: ما
نزل بأحد من خلق الله ما نزل بي ماتت أمي ورثيت بمثل هذا الشعر ونقل اسمي من سليمان إلى سالم. ومن قول صالح بن شيرزاذ هذا: لا تعدلن دواء بالفساء فإن كان الضراط فذاك الآذريطوس ودخل بعض شعراء المجانين على أبي الواسع وحوله بنوه فاستأذنه
في الذنه في الإنشاد فاستعفى. فلم يزل به حتى أذن له. فأنشده شعراً فلما انتهى فيه إلى قوله: قال له: ليتك تركتنا رأساً برأس. وقيل: وفد أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر تغزل فيه بمائة بيت ومدحه ببيتين فقال له: والله ما
تركت قافيةً لطيفة ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك. قال: سأقول غير هذا. فغدا عليه بشعر يقول فيه: هل تعرف الدار لأم الغمر دع وحبر مدحةٌ في نصر فقال له نصر: لا ذا ولا ذاك. وقال بعض العلماء: ما شبهت تأويل الرافضة في
قبح مذهبهم إلا بتأويل رجل من المجانين مجانين أهل مكة في الشعر فإنه قال: ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل: بيتٌ زرارة محتبٍ بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل فزعموا أن هذه أسماء رجال منهم. قال بعض أهل الأدب: قلت له: وما
عندك أنت فيه قال: البيت بيت الله والزرارة الحجر زررت حول البيت ومجاشع زمزم تجشعت بالماء وأبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة. قلت له: فنهشل قال: نهشل وفكر فيه ساعة ثم قال: قد أصبته هو مصباح الكعبة طويل أسود فذاك النهشل. قال المبرد محمد
بن يزيد النحوي: خرجنا من بغداد نريد واسطا فملنا إلى دير هزقل ننظر في المجانين فإذا بالمجانين كلهم قد رأونا ونظرنا إلى فتى منهم قد غسل ثوبه ونظفه وجلس ناحية الله يعلم أنني كمد لا أستطيع أبث ما أجد نفسان لي نفس تضمنها بلد وأخرى
حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر وليس يفوقها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي بمكانها تجد الذي أجد فقلت له: أحسنت والله. فأوما بيده إلى شيء ليرمينا به. وقال: أمثلي يقال له أحسنت. قال: فولينا عنه هاربين. فقال: أسألكم بالله إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن
أحسنت قلتم لي: أحسنت وإن أسأت قلتم لي: أسأت. قال: فرجعنا ووقفنا وقلنا له: قل فأنشأ يقول: لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ورحلوها وسارت بالدجى الإبل وقلبت من خلال السجف ناظرها ترنو إلي ودمع العين ينهمل وودعت ببنان عقده عنم ناديت: لا حملت رجلاك يا
جمل ويلي من البين ما ذا حل بي وبها من نازل البين حل البين وارتحلوا يا راحل العيس عرج كي نودعهم يا راحل العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقض مودتهم يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا وقال محمد بن يزيد المبرد:
دخلنا دير هزقل فإذا بمجنون بيده حجر وقد تفرق الناس عنه وهو يقول: يا معشر إخواني اسمعوا مني. ثم أنشأ يقول: وذي نفس صاعد يئن بلا عائد يكر على جحفل ويضعف عن واحد وأنشد أبو العباس لماني الموسوس: له وجنات في بياض وحمرة فحافاتها بيض
وأوساطها حمر رقاق يجول الماء فيها كأنها زجاج أجيلت في جوانبها الخمر وقال محمد بن يزيد: أصابتنا سحابة جود ثم أقلعت سريعاً فمر بي ماني الموسوس فقال: لا تظن الذي جرى مطراً كان ممطراً إنما ذاك كله دمع عيني تحدرا وتوالت غيومها من همومي تفكرا
هكذا حال من يرى من حبيب تغيرا وقف ماني الموسوس على أبي دلف فأنشده: كرات عينك في العدا تغنيك عن سل السيوف وقال أبو دلف: والله ما مدحت قط بمثل هذا البيت وأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبضها وقال: نقنع من هذا بنصف