تشرب بلا لهوٍ فإني رأيت الخيل تشرب بالصفير ويقال إنه حضر مجلساً لرجل من الأشراف إلى أن دخل عليهم صاحب المدينة. فقيل له: غن فغنى: ويلي من الحية ويل ليه قد عشش الحية في بيتيه فضحك صاحب المدينة ووصله. ومنهم: حكم الوادي وكان في صحبة
الوليد بن يزيد ويغني بشعره ومن غنائه: خف من دار جيرتي باين داود أنسها قد دنا الصبح أو بدا وهي لم يقض لبسها فمتى تخرج العرو س لقد طال حبسها خرجت بين نسوةٍ أكرم الجنس جنسها وكان بالشام أيام الوليد بن يزيد مغن يقال له
الغزيل ويكنى أبا كامل وفيه يقول الوليد بن من مبلغ عني أبا كامل أني إذا ما غاب كالهامل ومن غنائه: أمدح الكأس ومن أعملها واهج قوماً قتلونا بالعطش إنما الكأس ربيع باكر فإذا ما لم نذقها لم نعش وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين منهم
إبراهيم الموصلي وابن جامع السهمي ومخارق وطبقة أخرى دونهم منهم: زلزل وعمرو الغزال وعلوية. وكان له زامر يقال له برصوما. وكان إبراهيم أشدهم تصرفاً في الغناء. وابن جامع أحلاهم نغمة. فقال الرشيد يوماً لبرصوما: ما تقول في ابن جامع فقال: يا أمير المؤمنين وما أقول
في العسل الذي حيثما ذقته فهو طيب قال: فإبراهيم الموصلي قال: هو بستان فيه جميع الثمار والرياحين. قال: فعمرو الغزال قال: هو حسن الوجه يا أمير المؤمنين. قال إسحاق: قلت ليوسف: من أحسن الناس غناء قال: ابن محرز. قلت: وكيف ذلك قال: إن شئت أجملت
وإن شئت فصلت. قلت: أجمل قال: كان يغني كل إنسان بما يشتهي كأنه خلق من قلب كل إنسان. وكان إبراهيم أول من وقع بالقضيب. وحديث يحيى بن محمد قال: بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن إذ خرج الآذن فقال لنا: أمير المؤمنين يقرئكم السلام.
قال: فانصرفنا. فقال لنا إبراهيم: تصيرون إلى منزلي قال: فانصرفنا معه. قال: فدخلت دارا لم أر أشرف منها ولا أوسع وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب. قال: فقعدنا ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ وقال: اسقني بالكبير إني كبير إنما يشرب الصغير صغير ثم قال:
اسقني قهوة بكوب كبير ودع الماء كله للحمير ثم شرب به وأمر به فملئ وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير. ثم أمر بجوارٍ فأحطن بالدار. فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير من أجمة يتجاوبن. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى
المأمون أقام عشرين شهراً لم يسمع حرفاً من الغناء ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى. ثم واظب على السماع وسأل عني فجرحني عنده بعض من حسدني فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة. فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئاً وأمسك عن ذكري.
وجفاني كل من كان يصلني لما ظهر من سوء رأيه. فأضر ذلك بي حتى جاءني يوماً علوية فقال لي: أتأذن لي اليوم في ذكرك فإني اليوم عنده. فقلت: لا ولكن غنه بهذا الشعر فإنه سيبعثه على أن يسألك: من أين هذا فينفتح لك ما تريد
ويكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية. فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به وهو: يا مشرع الماء قد سدت مسالكه أما إليك سبيلٌ غير مسدود لحائمٍ حار حتى لا حياة به مشرد عن طريق الماء مطرود فلما سمعه المأمون قال: ويلك!
لمن هذا قال: يا سيدي لعبد من عبيدك جفوته واطرحته قال: إسحاق قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول فسرت إليه. فلما دخلت قال: ادن فدنوت. فرفع يديه مادهما فاتكأت عليه فاحتضنني بيديه وأظهر من إكرامي وبري ما لو أظهره صديقٌ لي مواس
لسرني. قال: وحدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد الله قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضرت مسامرة الرشيد ليلةً عبثراً المغنى وكان فصيحاً متأدباً وكان مع ذلك يغني الشعر بصوت حسن. فتذاكروا رقة شعر المدنيين فأنشد بعض جلسائه أبياتاً لابن الدمينة حيث
يقول: وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا فأعجب الرشيد برقة الأبيات. فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين إن هذا الشعر مدني رقيق قد غذي بماء العقيق حتى رق وصفا
فصار أصفى من الهوا ولكن إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى وأصلب وأقوى لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين قال: وذلك لك. فغنى لجرير: إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلا بعينك لا يزال
معينا غيضن من عبراتهم وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا روحوا العشية روحة ًمذكورة إن حرن حرنا أو هدينا هدينا فرموا بهن سواهماً عرض الفلا إن متن متنا أو حيين حيينا قال: صدقت يا عبثر وخلع عليه وأجازه. وكان لإبراهيم الموصلي عبدٌ أسود يقال
له زرياب وكان مطبوعا على الغناء علمه إبراهيم فدخل على زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب فغناه بأبيات عنترة الفوارس حيث يقول: فإن تك أمي غرابيةً من أبناء حامٍ بها عبتني فإني لطيفٌ ببيض الظبا وسمر العوالي إذا جئتني فغضب زيادة الله فأمر بصفع قفاه
وإخراجه وقال له: إن وجدتك في شيء من بلدي بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك. فجاز البحر إلى الأندلس فكان عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم. وكان في المدينة في الصدر الأول مغن يقال له: قند وهو مولى سعد بن أبي وقاص. وكانت أم المؤمنين رضي
الله عنها تستظرفه فضربه سعد فحلفت عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه فاسترضاه فرضي عنه وكلمته عائشة. وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة يستعمل هذا سنةً وهذا سنة وكانت في مروان
شدة وغلظة وفي سعد لين عريكة وحلم وصفح. فلقي مروان بن الحكم قنداً المغنى وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة فلما رآه قال: قل لقند يشيع الأظعانا ربما سر عيننا وكفانا قال له قند: لا إله إلا الله ما أسمجك والياً ومعزولاً. وروى ابن الكلي
عن أبيه قال: كان ابن عائشة من أحسن الناس غناء وأنبههم فيه وأضيقهم خلقاً إذا قيل له عن يقول: أو لمثلي يقال هذا علي عتق رقبة إت غنيت يومي هذا. فإن غنى وقيل له: أحسنت. قال: لمثلي يقال أحسنت علي عتق رقبة إن غنيت سائر
يومي هذا. فلما كان في بعض الأيان سال وادي العقيق فجاء بالعجب فلم يبق بالمدينة مخبأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني وهو معتجر بفضل ردائه فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
عليهم السلام وكان فيمن خرج إلى العقيق وبين يديه أسودان كأنهما ساريتان يمشيان بين يديه أمام دابته فقال لهما: أنتما حران لوجه الله. إن تفعلا ما آمركما به وإلا أقطعكما إربا إرباً اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه فخذا بضبعيه فإن فعل ما آمره
به وإلا فاقذفا به في العقيق. قال: فمضيا والحسن يقفوهما. فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه. فقال: من هذا فقال له الحسن: أنا هذا يا بن عائشة. قال: لبيك وسعديك وبأبي أنت وأمي. قال: اسمع مني ما أقول واعلم أنك مأسور في أيديهما
هما حران أن لم تغن مائة صوت أن يطرحاك في العقيق ولئن لم يفعلا ذلك لأقطعن أيديهما. فصاح ابن عائشة: يا ويلاه! واعظيم مصيبتاه! قال: دع من صياحك وخذ فيما ينفعنا. قال: اقترح وأقم من يحصي وأقبل يغني. فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه. فلما تمت
أصواته مائة كبر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة ارتجت لها أقطار المدينة وقالوا للحسن: صلى الله على روحك حيا وميتاً فما اجتمع لأهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت. فقال له الحسن: إنما فعلت هذا بك يا بن عائشة لأخلاقك الشكسة. قال له ابن
عائشة: والله ما مرت علي مصيبة أعظم منها. لقد بلغت أطراف أعضائي. فكان بعد ذلك إذا قيل له: وكان إبراهيم بن المهدي وهو الذي يقال به ابن شكلة داهياً عاقلاً عالماً بأيام الناس شاعراً مفلقاً وكان يصوغ فيجيد. ويروى عن إبراهيم أنه قد كان خالف
على المأمون ودعا إلى نفسه فظفر به المأمون فعفا عنه وقال لما ظفر به المأمون: ذهبت من الدنيا كما ذهبت مني هوى الدهر بي عنها وأهوى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفساً عزيزةً وإن أحتسبها أحتسبها على ضن فلما فتحت له أبواب الرضا من
المأمون غنى بهما بين يديه. فقال له المأمون: أحسنت والله يا أمير المؤمنين. فقام إبراهيم رهبةً من ذلك وقال: قتلتني والله يا أمير المؤمنين لا والله لا أجلس حتى تسميني باسمي. قال: اجلس بإبراهيم. فكان بعد ذلك آثر الناس عند المأمون ينادمه ويسامره ويغنيه فحدثه
يوما فقال: بينا أنا مع أبيك يوماً يا أمير المؤمنين بطريق مكة إذ تخلفت عن الرفقة وانفردت وحدي وعطشت وجعلت أطلب الرفقة فأتيت إلى بئر فإذا حبشي نائم عندها فقلت له: يا نائم قم فاسقني. فقال: إن كنت عطشان فانزل واستق لنفسك. فخطر صوتٌ ببالي
فترنمت به وهو: كفناني إن مت في درع أروى واسقياني من بئر عروة مائي فلما سمعني قام نشيطاً مسروراً وقال: والله هذه بئر عروة وهذا قبره. فعجبت يا أمير المؤمنين لما خطر ببالي في ذلك الموضع. ثم قال: أسقيك على أن تغنيني قلت: نعم. فلم
أزل أغنيه وهو يجبذ الحبل حتى سقاني وأروى دابتي ثم قال: أدلك على موضع العسكر على أن تغنيني قلت: نم. فلم يزل يعدو بين يدي وأنا أغنيه حتى أشرفنا على العسكر فانصرف. وأتيت الرشيد فحدثته بذلك فضحك. ثم رجعنا من حجنا فإذا هو قد تلقاني
وأنا عديل الرشيد فلما رآني قال: مغن والله! قيل له: أتقول هذا لأخي أمير المؤمنين قال: إي لعمر الله لقد غناني وأهدى إلي أقطاً وتمراً. فأمرت له بصلة وكسوة وأمر له الرشيد بكسوة أيضاً. فضحك المأمون وقال: غنني الصوت فغنيته فافتتن به. فكان لا يقترح
علي غيره. وكان مخارق وعلوية قد حرفا القديم كله وصيرا فيه نغماً فارسية فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الأول الثقيل قالا: يحتاج غناؤك إلى قصار. واسم علوية علي بن عبد الله بن سيف بن يوسف مولى لبني أمية. وكان زلزل أضرب الناس بوتر لم يكن قبله
ولا بعده مثله. ولم يكن يغني وإنما كان يضرب على إبراهيم وابن جامع وبرصوما. ومن غنائه في المأمون: رأى الله عبد الله خير عباده فملكه والله أعلم بالعبد حدث سعيد بن محمد العجلي عن الأصمعي قال: كان أبو الطمحان القيني حنظلة بن الشرقي شاعراً مجيداً
وكان مع ذلك فاسقاً وكان قد انتجع يزيد بن عبد الملك فطلب الإذن عليه أياماً فلم يصل فقال لبعض المغنين: ألا أعطيك بيتين من شعري تغني بهما أمير المؤمنين فإن سألك من قائلهما فأخبره أني بالباب وما رزقني الله منه فهو بيني وبينك. قال: هات.
فأعطاه هذين البيتين: يكاد الغمام الغر يرعد إن رأى محيا ابن مروان وينهل بارقه يظل فتيت المسك في رونق الضحى تسيل به أصداغه ومفارقه قال: فغني بهما في وقت أريحية فطرب لهما طرباً شديداً وقال: لله در قائلهما من هو قال: أبو الطمحان القيني وهو
بالباب يا أمير المؤمنين.
العقد الفريد - الجزء الخامس
لابن عبد ربه
العقد الفريد/الجزء الخامس/1
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/2
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/3
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/4
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/5
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/6
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/7
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/8
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/9
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/10
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/11
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/12
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/13
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/14
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/15
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/16
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/17
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/18
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/19
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/20
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/21
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/22
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/23
|
العقد الفريد/الجزء الخامس/24