ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 12 من 72

العقد الفريد — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 12 من 721,794 كلمة في هذا الجزء

كانت الألحان مكروهة فالقرآن والأذان أحق بالتنزيه عنه. وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وإخراجه عن حد الخبر. وما الفرق بين أن ينشد الرجل: أتعرف رسما كاطراد المذانب مترسلاً أم يرفع بها صوته مرتجلاً. وإنما جعلت العرب الشعر موزوناً لمد الصوت فيه

والدنانة. ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور. واحتجوا في إباحة الغناء واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة: أهديتم الفتاة إلى بعلها قالت: نعم. قال: ويعثتم معها من يغني قالت: لا قال: أو ما علمتم أن الأنصار قوم أتيناكم أتيناكم نحييكم نحييكم ولولا الحبة السمرا ء

لم نحلل بواديكم واحتجوا بحديث عبد الله بن أويس ابن عم مالك وكان من أفضل رجال الزهري قال: مر النبي ﷺ بجارية في ظل فارع وهي تغني: هل علي ويحكم إن لهوت من حرج فقال النبي ﷺ لا حرج إن شاء الله. والذي لا ينكره

أكثر الناس غناء النصب وهو غناء الركبان. حدث عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: مر بنا عمر بن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب فقال: أعيدا علي.

فأعدنا عليه. فقال: أنتما كحماري العبادي وقيل له: أي حماريك شر قال: هذا ثم هذا. وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني فقال: ما هذا قال: أبيات عربية أنصبها نصبا. ومن حديث الحماني عن حماد بن زيد بن يسار قال: رأيت سعد بن

أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقى له مصلي فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى. فقلت: سبحان الله أبا إسحاق أتفعل مثل هذا وأنت محرم فقال: يا بن أخي وهل تسمعني أقول هجرا ومن حديث المفضل عن قرة بن خالد

بن عبد الله بن يحيى قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك. فأسمعه كلمة له. قال: وإنك لقائلها قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب. عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قراءة

القرآن على ألحان الغناء والحداء. قال: وما بأس ذلك يا ابن أخي قال: وحدث عبيد بن عمير الليثي أن داود النبي عليه السلام كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور لتجتمع عليه الجن والإنس والطير فيبكي ويبكي من حوله. وأهل الكتاب يجدون هذا في

كتبهم. ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه ينفر القلوب ويستفز العقول ويستخف الحليم ويبعث على اللهو ويحض على الطرب وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله عز وجل: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم

ويتخذها هزوا ". وأخطأوا في التأويل. إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السمر والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه. وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا. وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر فحسنه

حسن وقبيحه قبيح. وقد حدث إبراهيم بن المنذر الحزامي أن ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير ففرقه في ضعفاء أهلها فقال سفيان بن عيينة: بلغني أن هذا السهمي قدم بمال كثير. قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء يغنيهم

قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول فقال له فتى من تلاميذه: يقول: أطوف بالبيت مع من يطوف وأرفع من مئزري المسبل قال: بارك الله عليه ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا قال: وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل قال: وأحسن أيضاً أحسن الله

إليه ثم ماذا قال: عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل قال: أمسك أمسك. أفسد آخراً ما أصلح أولاً. ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه الله حسن الحسن من قوله وقبح القبيح. وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها كما كره

بعضهم الملاذ ولبس العباء وكره الحوارى وأكل الكشكار وترك البر وأكل الشعير لا على طريق التحريم فإن ذلك وجه حسن ومذهب جميل. فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. يقول الله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام

لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ". وقد يكون الرجل أيضاً جاهلا بالغناء أو متجاهلاً به فلا يأمر به ولا ينكره. قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد قال: نعم العون على طاعة الله! يصل

الرجل به رحمه ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعم سألتني قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه. قال الحسن: والله يا بن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل هذا بنفسه أبداً. وإنما أنكر عليه

الحسن تشويه وتعويج فمه وإن كان أنكر الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق وقد ذكرنا أنهم يكرهونه. قال إسحاق بن عمارة: حدثني أبو المغلس عن أبي الحارث قال: اختلف في الغناء عند محمد بن إبراهيم والي مكة فأرسل إلى ابن جريج وإلى عمرو ابن

عبيد فأتياه فسألهما فقال ابن جريج: لا بأس به شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده وعنده ابن سريج المغني فكان إذا غنى لم يقل له: اسكت وإذا سكت لم يقل له: غن وإذا لحن رد عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول:

" ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ". فأيهما يكتب الغناء الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما لأنه لغو كحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم. وقال إسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزهري

قال: قال لي أبو يوسف القاضي: ما أعجب أمركم يأهل المدينة في هذه الأغاني! ما منكم من شريف ولا دنيء يتحاشى عنها. قال: فغضبت وقلت: قاتلكم الله يأهل العراق! ما أوضح جهلكم وأبعد من السداد رأيكم! متى رأيت أحدا سمع الغناء فظهر منه ما يظهر

من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته ويطلق امرأته ويقذف المحصنة من جاراته ويكفر بربه فأين هذا من هذا من اختار شعراً جيداً ثم اختار له جرماً حسناً فردده عليه فأطربه وأبهجه فعفا عن الجرائم وأعطى الرغائب. فقال أبو يوسف: قطعتني ولم يحر

جواباً. قال إسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزهري قال: قال لي الرشيد: من بالمدينة ممن يحرم الغناء قال: قلت: من أتبعه الله خزيته. قال: بلغني أن مالك بن أنس يحرمه. قلت: يا أمير المؤمنين أو لمالك أن يحرم ويحلل! والله ما كان ذلك لابن عمك

محمد ﷺ إلا بوحي من ربه فمن جعل هذا لمالك فشهادتي على أبي أنه سمع مالكا في عرس ابن حنظلة الغسيل يتغنى: سليمى أزمعت بينا فأين تظنها أينا ولو سمعت مالكا يحرمه ويدي تناله لأحسنت أدبه. قال فتبسم الرشيد. وعن أبي شعيب الحراني عن جعفر

بن صالح بن كيسان عن أبيه قال: كان عبد الله بن عمر يحب عبد الله بن جعفر حبا شديدا. فدخل عليه يوماً وبين يديه جارية في حجرها عود فقال: ما هذا يا أبا جعفر. قال: وما تظن به يا أبا عبد الرحمن فإن أصاب ظنك

فلك الجارية. قال: ما أراني إلا قد أخذتها هذا ميزان رومي. فضحك ابن جعفر وقال: صدقت. هذا ميزان يوزن به الكلام والجارية لك. ثم قال: هاتي. فغنت: أيا شوقا إلى البلد الأمين وحي بين زمزم والجحون ثم قال: هل ترى بأساً قال: لا. قال: فما

أرى بهذا بأساً. وسمع عبد الله بن عمر ابن محرز يغني: لو بدلت أعلى منازلها سفلاً وأصبح سفلها يعلو فقال عبد الله بن عمر: قل: إن شاء الله. قال: يفسد المعنى. قال: لا خير في كل معنى يفسده إن شاء الله. حدث محمد بن زكريا

الغلابي بالبصرة قال: حدثني الشرقي عن الأصمعي قال. سمع عمر بن عبد العزيز راكباً يغني في سفره: فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبق العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكري إذا نادى المضاف محنباً كسيد

الغضا في الطخية المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الطراف المدد فقال عمر بن عبد العزيز: وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عودي: لولا أن أنفر في السرية وأقسم بالسوية وأعدل في القضية. قال جرير المدني: مررت بالأسلمي العابد وهو في مسجد

رسول الله ﷺ لي فسلمت عليه فأوما إلى وأشار بالجلوس فجلست. فلما سلم أخذ بيدي وأشار إلى حلقي وقال: كيف هو قلت: أحسن ما كان قط. قال: أما والله لوددت أنه خلا لي وجهك وأنك أسمعتني: أصبح الربع من أمامة قفراً غير مغنى معارف ورسوم

قلت: إذا شئت. قال: في غير هذا الوقت إن شاء الله. وحدث أبو عبد الله المروزي بمكة في المسجد الحرام قال: حدثنا حبان بن موسى وسويد صاحبا ابن المبارك قالا: لما خرج ابن المبارك إلى الشام مرابطا خرجنا معه فلما نظر القوم إلى ما فيه

من النفير والغزو والسرايا في كل يوم التفت إلينا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها وأيام وليال قد قطعناها في علم الشعر وتركنا هاهنا أبواب الجنة مفتوحة. قال: فبينما هو يمشي ونحن معه في أرقة المصيصة إذا نحن بسكران قد رفع صوته

يغني: أذلني الهوى فأنا الذليل وليس إلى الذي أهوى سبيل فأخرج رزنامجا من كمه فكتب البيت. فقلنا له: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران قال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة قال: وولي الأوقص المخزومي قضاء مكة فما رئي مثله في العفاف والنبل. فبينما

هو نائم ذات ليلة في علية له إذ مر به سكران يتغنى ويلحن في غنائه. فأشرف المخزومي عليه فقال: يا هذا شربت حراماً وأيقظت نياماً وغنيت خطأ خذه عني فأصلحه عليه. قال: الأوقص المخزومي: قالت لي أمي: أي بني إنك خلقت في صورة لا تصلح

معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان فعليك بالدين فإن الله يرفع به الخسيسة ويتم به النقيصة. فنفعني الله بقولها. وحدث عباس بن المفضل قاضي المدينة قال: حدثني الزبير بن بكار: قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو

والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان وعنده جارية في حجرها عود. فلما دخل الشعبي أمرها فوضعت العود. فقال له الشعبي: لا ينبغي للأمير أن يستحي من عبده. قال: صدقتم. ثم قال للجارية: هاتي ما عندك فأخذت العود وغنت: ومما شجاني أنها يوم ودعت تولت

وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرة إلي التفاتاً أسلمته المحاجر فقال الشعبي: الصغير أكيسهما يريد الزير. ثم قال: يا هذه أرخي من بمك وشدي من زيرك. فقال له بشر بن مروان: وما علمك قال: أظن العمل فيهما. قال: صدقت ومن لم

ينفعه يقينه. وحدث عن أبي عبد الله البصري قال: غنى رجل في المسجد الحرام وهو مستلق على قفاه صوتا ورجل من قريش يصلي في جواره فسمعه خدام المسجد فقالوا: يا عدو الله أتغني في المسجد الحرام! ورفعوه إلى صاحب الشرطة. فتجوز القرشي في صلاته ثم

سلم وأتبعه فقال لصاحب الشرطة: كذبوا عليه أصلحك الله إنما كان يقرأ. فقال: يا فساق أتأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون أنه غنى! خلوا سبيله. فلما خلوه قال له القرشي: والله لولا أنك أحسنت وأجدت ما شهدت لك اذهب راشدا. وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين

مغرم بالشراب. وكان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام ويحييه جاره الكيال بالشراب ويغني على شرابه: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر فأخذه العسس ليلة فوقع في الحبس وفقد أبو حنيفة صوته واستوحش له. فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال قالوا: أخذه العسس فهو

الحبس. فلما أصبح أبو حنيفة وضع الطويلة على رأسه وخرج حتى أتى باب عيسى بن موسى فاستأذن عليه. فأسرع في إذنه. وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك. فأقبل عليه عيسى بوجهه وقال: أمر ما جاء بك يا أبا حنيفة قال: نعم أصلح الله الأمير