قعدت أتاني لا يُعَنّيني قال: بلى. قال: فما أراك إلا قد سَعيت له. قال: سأنظر في أمري يا أمير المؤمنين وخَرج عنه قولهم في المدح قال شَراحيل بن مَعْن بن زائدة: حجّ الرشيد وزميلُه أبو يوسف القاضي وكنت كثيراً ما أسايره: فبينما أنا أسايره إذ
عرض له أعرابيّ من بني أسد فأنشده شعراً مدحه فيه وقَرّظه. فقال له الرشيد: ألم أَنْهك عن مثل هذا في شِعْرك يا أخا بني أسد إذا أنت قلت فقل كما قال مَروان بن أبي حَفصة في أبي هذا وأشار إليّ يقول: بنوِ مَطر يوم اللِّقاء
كأنهم أُسود لها في غِيل خِفَّان أَشْبُلُ همً يمنعون الجار حتى كأنما لجارهمُ بين السِّماكين منزل بها ليلُ في الإسلام سادُوا ولم يكُن كأوِّلهم في الجاهليّة أول هم القومُ إن قالوا أصابُواو إن دُعوا أجابُواو إنْ أَعطوا أَطابوا وأَجْزلوا وما يَستطيع الفاعلون فَعالَهم وإنْ أَحسنوا
في النائبات وأَجملوا وقال عُتبة بن شمَّاس يَمدح عُمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: إنّ أولى بالحقّ في كل حَقٍّ ثُمّ أحرى بأن يكون حَقِيقَا مَن أبوه عبدُ العزيز بنُ مَرْوا ن ومَن كان جَدُّه الفَاروقا مَدحٍ عبّاس بن مِرْداس رسولَ الله ﷺ فكَساه
حُلَّة. ومَدحه كَعب بن زهير كَساه بُردا اشتراه منه معاويةُ بعشرين ألف درهم وإن ذلك البُرد لعند الخلفاء إلى اليوم. وقال ابنُ عبّاس: قال لي عُمر بن الخطّاب: أنشدني قول زُهير. فأنشدتُه قولَه في هَرِم بن سِنَان بن حارثة حيثُ يقول: قومٌ أبوهم سِنان حين
تَنْسبهم طابُوا وطابَ من الأفلاذ ما ولَدوا لو كان يُعقد فوق الشّمس من كَرم قوم بأولهم أو مَجْدهم قَعدوا جِنّ إذا فَزِعوا إنْس إذا أمنوا مُرَزَّءون بهاليل إذا احتَشدوا مُحسَّدون على ما كان مِن نِعم لا يَنزع الله منهم مالَه حُسدوا فقال له عمر: ما
كان أحبَّ إليّ لو كان هذا الشِّعر في أهل بيت رسول الله ﷺ . انظُر إلى ضنانة عُمر بالشعر كيف يرَ أحداً يَستحق مثل هذا المدح إلا أهلَ بيت محمد عليه الصلاة والسلام. وأسمع رجل عبد الله بنِ عمر بيتَ الحُطيئة: مَتى تَأْتِه تَعْشو إلى
ضوْء ناره تَجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِد فقال ذلك رسولُ الله ﷺ . فلم ير أحداً يَستحق هذا المدح غير رسول الله ﷺ واستأذن نُصيب بن رَبَاح على عمر بن عبد العزيز فلم يأذن له فقال: أعْلموا أميرَ المؤمنين أنِّي قلتُ شعراً أوله الحمد
للّه. فأعلموه. فأَذِن له فأُدخل عليه وهو يقول: الحمدُ لله أما بعدُ يا عُمر فقد أتتْنا بك الحاجاتُ والقَدرُ فأَنت رأسُ قريش وابنُ سيِّدها والرأسُ فيه يكون السمع والبَصر فأَمر له بحلْية سَيفه. ومدَحه جرير بشعره الذي يقول فيه: هذِي الأراملُ قد قَضِّيت حاجتَها فَمَنْ
لحاجةِ هذا الأرمل الذكرِ فأَمر له بثلثمائة دِرْهم. ومدحه دُكين الرَّاجز فأَمر له بخَمس عشر ناقة. ومَدح نُصيب بن ربَاح عبد الله بن جعفر فأَمر له بمال كثير وكُسوة ورَواحل. فقيل له: تَفعل هذا بمثل هذا العَبدِ الأسود فقال: أمَا والله لئن كان عبداً إنّ
شعره لحُر وان كان أسودَ إن ثناءه لأبيض. وإنما أخذ مالاً يفَنى وثياباً تَبلى ورواحل تَنضى فأعطى مديحا يُروى وثَناءه يَبقى. ودخل ابن هَرِم بن سِنان على عمرَ بن الخطاب فقال له: مَن أنت قال: أنا ابنُ هرم بن سنان. قال: صاحب زهير قال: نعم.
قال: أما إنه كان يقول فيكم فيُحسن. قال: كذلك كنا وكان طُريح الثًقفي ناسكاً شاعراً فلما قال في أبي جعفر المَنصور قولَه: أنت ابنُ مُسْلنِطح البِطاح ولم تَعْطِف عليك الحني والولُجُ لو قلت للسيل دَعْ طريقَك والمو جُ عليه كالليل يَعتلج لهمَّ أو كاد أو
لكان له في سائر الأرض عنك مُنعرج طُوبىَ لفرعَيْك من هُنا وهُنا طوبَى لأعراقك التي تَشج قال أبو جعفر: بلغني عن هذا الرجل أنه يتأله فكيف يقول للسّيل: دع طريقك. فبلغ ذلك طريحاً فقال: الله يعلم أني إنما أردت: يا رب لو قلت للسيل دع
طريقك. وقال الحطيئة لمّا حَبسه عمرُ بن الخطاب في هجائه للزّبرقان بنَ بدر أبياتاً يمدح فيها عُمر ويسَتعطفه. فلما قرأها عمرُ عَطف له وأمر بإطلاقه وعفا عما سلف منه. والأبيات: ماذا تقول لأَفراح بذي مَرَخ زُغْبٍ الحَواصل لا ماء ولا شَجَرُ ألقيت كاسبَهم في قَعر
مُظلمة فاغفر عليك سلامُ الله يا عمر أنت الإمام الذي من بعد صاحِبه ألقَى إليك مقاليد النًّهى البَشر ما آثروك بها إذ قدّموك لها لكنْ لأنفسهم كانت بها الإثر ودخل ابن دارَة على عديّ بن حاتم صاحب رسول الله ﷺ فقال: إني مدحتُك. قال: أمسك
حتى آتيك بمالي ثم امدحني على حَسبه فإنّي أكره ألا أعطيك ثمن ما تقول لي ألفُ شاة وألفُ دِرْهم وثلاثة أَعبد وثلاث إماء وفرسي هذا حَبيس في سبيل الله فامدَحْني على حَسب ما أخبرتك. فقال: تحِنّ قَلوصي في مَعدٍّ وإنما تُلاقيِ الربيعُ في ديار بني
ثُعَلْ وأبْقى الليالي مِن عَديّ بن حاتم حُساماً كنَصل السِّيف سُلَّ من الخِلَل أبوك جواد لا يُشق غُباره وأنت جواد ليس يُعذِر بالعِلل فإنْ تَفعلوا شرّاً فمثلكُم اتَّقى وإنْ تَفعلوا خيراً فمثلكُم فعل قال عديّ: أمسك لا يبلغ مالي إلى أكثر من هذا. قولهم في
الهجاء قال الله تبارك وتعالى في هجو المشركين: " والشَعَراءُ يَتبِعُهم الغَاوون. آَلمْ تَرَ أَنّهم في كُلِّ وادٍ يَهيمون. وأَنّهم يَقُولون ما لا يفعلونْ. إلا الذين آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحات وذَكَرُوا الله كَثيراً وانتصروا مِن بَعد ما ظُلموا وسَيَعْلَم الذين ظَلَموا أيَّ مُنْقَلب يَنْقَلبون " فأرْخَص
الله للشعراء بهذه الآية في هِجائهم لمن تعرّض لهم يزيد بن عمرو بن تميم الخُزاعيّ عن أبيه عن جدّه: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال. يا رسول الله إن أبا سفيان يهجوك. فقال رسولُ الله ﷺ : اللهم إنه هَجاني وإني لا أقول الشعر فاهجُه
عني. فقام إليه عبد الله بن رَواحة فقال: يا رسول الله إيذن لي فيه. قال: أنت القائل: قثبّت الله ما آتاك من حسن. قال: نعم. قال: وإياك فثبت الله. ثم قام إليه كعب بن مالك فقال: يا رسول الله إيذن لي فيه. فقال: أنت القائل
هممت قال: نعم. قال: لستَ له. ثم قام حسَّان بن ثابت فقال: يا رسول الله إيذن لي فيه وأخرج لسانه فضَرب به أَرْنبة أنفه وقال: والله يا رسول الله إنه ليخيَّل لي أني لو وضعتُه على حجر لفَلقه أو على شَعر لحَلقه. فقال: أنت له
اذهب إلى أبي بكر يُخبرك بمثالب القوم ثم اهجهم وجبريل معك. فقال يرد على أبي سفيان: ألا أبلِغ أبا سفيان عَنِّي مغلغَلةً فقد برح الخَفاءُ هجوت محمداً وأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجَزاء أتهجوه ولست له بندٍّ فشركما لخير كما الفداء أمن يهجو رسوله
الله منكم ويطريه ويمدحه سواء لنا في كُل يوم من مَعدٍّ سِباب أو قِتال أو هِجَاء لساني صارمٌ لا عيبَ فيه وبَحْري لا تُكدِّره الدِّلاء فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضى لِعْرض محمد منكم وِقَاء وقال رجل من أهل اليمن: دخلتُ الكوفة فأتيتُ المسجد فإذا بعَمار بن
ياسر ورجل يُنشده هِجاء معاوية وعمرو بن العاص وهو يقول: ألصق بالعجوزَيْن. قلت له: سبحان الله!. أتقول هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ قال: إن شئت فاجلس وإن شئت فاذهب. فجلست فقال. أتدري ما كان يقول لنا رسول الله ﷺ لما هجانا أهلُ مكة قلت: لا
أدري. قال: كان يقول لنا: قولوا لهم مثل ما يقولون لكم. وقال النبيّ صلى الله عليه زعمتْ سَخينة أنْ ستغلب ربَّها وليُغلبنّ مُغالب الغلاّب وسألت هُذيل رسولَ الله ﷺ أن يُحل لها الزِّنا. فقال حسان في ذلك: سالت هذيل رسولَ الله فاحشةً ضلّت هذيل بما
سالت ولم تصب وقال عبد الملك بن مروان: ما هجاني أحدٌ بأوجع من بيت هُجي به ابن الزُّبَير وهو: فإن تُصِبْك مِن الأيام جائحة لم نَبك منك على دُنيا ولا دين وقيل لعَقيل بن علَّقة: ما لك لا تُطيل الهجاء قال: يَكفيك من القِلاَدة ما
أحاط بالعنق. وقال رجل من ثَقيف لمحمد بن مُناذر: ما بالُ هجائك أكثر من مَدْحك قال: ذلك مما أغراني به قومُك واضطرني إليه لؤمك. وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لجرير: إنك لعَفيف الفَرج كثيرُ الصَّدقة فَلِم تَسُب الناس قال: يبدءوني ثم لا أغفر لهم.
وكان جرير يقول: لست بمُبتدئ ولكنني مُعتدٍ - يريد أنه يُسْرفِ في القِصاص. ومثله قوله الشاعر: بني عمّنا لا تَنْطقوا الشعرَ بعدما دَفنتم بأفناء العُذَيب القَوافِيا فَلَسنا كَمن قد كنتمُ تَظْلِمونه فيقبل ضَيماً أو يحكم قاضيا ولكنّ حكم الصيف فيكم مُسلَط فنرضى إذا ما اصبح
السيفُ راضيا فإن قلتُم إنّا ظَلمنا فلم نكُن ظَلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا أبو الحسن المدائني قال: وفد جرير على عبد الملك بن مروان فقال عبد الملك للأخطل: أتعرف هذا قال: لا. قال: هذا جرير قال الأخطل: والذي أعمى رأيك يا جرير ما عرفتُك. قال له
جرير: والذي أعمى بصيرتك وأدام خِزيتك لقد عرفتُك لَسِيماك سِيما أهل النار. ابنُ الأعرابيّ قال: دَخل كُثيّر عَزّة على عبد الملك فانشده وعنده رجل لا يعرفه. فقال عبدُ الملك للرجل: كيف تَرى هذا الشعر قال. هذا شعر حِجازيّ دعني أضغَمه لك ضَغْمه. قال كُثِّير: مَن