7
فقاموا سِماطين في مجلسه ثم أذن لبني أمية فأخذت سيوفُهم ودخلوا عليه. قال أبو محمد العَبْدي الشاعر: وخَرج الحاجبُ فأدخلني فسلمتُ عليه فردّ عليّ السلام ثم قال أنشدني قولك: وَقَف المُتَيّم في رُسوم دِيار فأنشدتُه حتى انتهيت إلى قولي: أما الدعاةُ إلى الجنان فهاشمٌ وبنو
أمية من دُعاة النارِ مَن كان يَفْخر بالمكارم والعُلا فلَها يَتمُّ المجد غيرَ فَخَارِ والغَمْرُ بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على المُصَلى وبنو أمية على الكَراسي فألقى إليّ صُرة حرير خَضراء فيها خَمسُمائة دينار فقال: لك عندنا عَشرة آلاف درهم وجارية وبرْذون وغلامٌ
وتخت ثياب. قال: فوفّى واللهّ بذلك كُلّهُ. ثم انشأ عبدُ اللهّ بن علي يقول: حسِبتْ أمية أنْ سَيرضى هاشم عنها ويَذهب زيدُها وحُسينُها كلا وربِّ محمدٍ وإِلهِه حتى تُباح سهولُها وحُزونها ثم أخذ قَلنسوته من رأسه فضَرب بها الأرض فأقبل أولئك الجند على بني أمية
فخَبطوهم بالسّيوف والعَمد. وقال الكلْبي الذي كان بينهم وكان من أتباعهم: أيها الأمير إني والله ما أنا منهم. فقال عبدُ الله بن علي: ومُدْخلٍ رأسَه لم يَدْعُه أحد بين العرينَيْن حتى لَزَه القَرَنُ اضربوا عُنقه ثم أقبل على الغَمْر فقال: ما أحسبُ لك في الحياة
بعد هؤلاء خيرا. فقال: أجل. قال: يا غلام اضرب عُنقه فأقيم مِن المُصلى فضرُب عنقه. ثم أمر ببساط فطُرح عليهم ودعا بالطعام فجعل يأكل وانين بعضهم تحت البِساط. وفي رواية أخرى قال: لما قَدم الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في
ثمانين رجلاً من بني أمية فوُضعت لهم الكراسي ووُضعت لهم نمارق وأجْلسوا عليها وأجلس الغمرَ مع نَفْسه في المُصلى ثم أذن لشِيعته فدخلوا ودخل فيهم سُديف بن مَيمون وكان مُتوشِّحاً سيفاً متنكّباً قوساً وكان طويَلاً آدم فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيزعُم
الضُلال بما حَبِطت أعمالُهم أنّ غَير آل محمد ﷺ أولى بالخلافة فلِم وبم أيها الناس ألكم الفَضل بالصَحابة دون ذوي القرابة والشُرِكاء في النسب الأكفاء في الحسب الخاصَّة في الحياة الوُفاة عند الوفاة مع ضربهم على الأمر جاهلكم وإطعامهم في الَّلأواء جائعكم فلكم قَصم الله
بهم من جبّار باغ وفاسِقٍ ظالم. لم يسمع بمثل العباس لم تَخضع له الأمة بواجب حق الحُرمة أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه وجِلْده ما بينَ عيْنيه أمنيةُ ليلة العقبة ورسولُه إلى أهل مكة وحاميه يوم حُنين لا يَردّ له رأياً ولا يُخالف له قَسَمِا.
إنكم والله معاشرَ قُريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار الله لكم تيميّ مرةَ وعدويّ مرة وكُنتم بين ظَهْراني قوم قد اثروا العاجلَ على الآجل والفاني على الباقي وجَعلوا الصدقاتِ في الشهوات والفَيءَ في اللّذات والمغانم في المحارم إذا ذُكِّروا بالله لم يذكروا وإذا قُدِّمُوا
بالحق أدبروا فذلك كان زمانُهم وبذلك كان يَعمل سلطانهم. فلما كان الغد أذن لهم فدَخلوا ودخل فيهم شبِل فلما جلسوا قام شِبْل فاستأذن في الإنشاد فأذِن له فأنشد: طَلبوا وِتْر هاشمٍ فَلَقُوها بعد مَيْل من الزَمان وباس لا تُقِيلن عبدَ شمس عِثاراً اقطعُوا كل نخلة
وغِراس ولقد غاظَني وغاظَ سَوائِي قُرْبُهم من مَنابر وكَراسي واذكُروا مَصْرع الحُسين وزيداً وقَتيلاً بجانب المهرَاس وقتيلاً بجَوْف حَرَّان أضحَى تَحْجُل الطيرُ حوله في الكِناس نِعم شبْل الهراش مولاك شِبْل لو نجا من حَبائل الإفلاس ثم قام وقاموا. ثم أذن لهم بعد فدخلوا ودخل الشَيعة.
فلما جلسوا قام سُديف بن ميمون فأنشد: قد أتتك الوُفود من عبد شَمْس مستعدين يُوجعون المِطيا عَنوِة أيها الخليفة لا عَن طاعةٍ بل تَخوَفوا المَشرفيّا لا يَغرَنْك ما. ترى من رجالٍ إن تحتَ الضلوع داءً دَوِيّا فضَع السيفَ وارفع السَّوط حتى لا ترى فوقَ ظَهْرها
أمويا ثم قام خَلَف بن خَليفة الأقطع فأنشد: فالتفت أبو العباس إلى الغَمر فقال: كيف ترى هذا الشعر قال: والله إن هذا لشاعر ولقد قال شاعرنا ما هو أشعر من هذا. قال: وما قال فأنشده: شَمس العَداوة حتى يستقادَ لهم وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قَدَروا
فشرَق وجهُ أبي العباس بالدم وقال: كذبتَ يا بن اللَخناء إني لا أرى الخُيلاء في رأسك بعد ثم قاموا. وأمر بهم فدُفعوا إلى الشَيعة فاقتَسموهم فضربوا أعناقَهم ثم جَزوا بأرجلهم حتى ألقوها في الصحراء بالأنبار وعليهم سراويلاتُ الوَشيْ فوقف عليهم سُديف مع الشِّيعة وقال: طَمِعتْ
أمية أنْ سيرضى هاشمٌ عنها ويَذهب زيدُها وحُسينُها كلا ورب محمد وإلهه حتى يباد كَفُورها وخَؤُونها وكان أشدَ الناس على بني أمية عبدُ الله بن علي وأحنهم عليهم سليمان بن علي. وهو الذي كان يسميه أبو مُسلم كَنف الأمان وكان يُجير كل من استجار به
وكتب أبي العباس: يا أمير المؤمنين إنَا لم نُحارب بني أمية على أرْحامهمِ وإنما حار بناهم على عُقوقهم وقد دافت إلي منهم دافّة لم يَشْهروا سلاحاً ولم يُكَثروا جَمْعا فأحبّ أن تكتب لهم منشورَ أمان. فكتب لهم منشورَ أمان وأنفذه إليهم. فمات سليمانُ بن علي
وعنده بِضْع وثمانون حُرمة لبني أمية. خلفاء بني أمية بالأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام أول خلفاء الأندلس من بني أمية عبدُ الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك. وَلي الملكُ يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذي الحجة سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة وهو
ابن ثمانٍ وعشرين سنة. وتوفي في عَشرة من جُمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة. فكان مُلْكه اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر. وكان يقال له صَقْر قُريش وذلك أن أبا جعفر المنصور قال لأصحابه: أخْبروني عن صَقْر قُريش. من هو قالوا: أمير المؤمنين الذي راضَ المُلك
وسَكَّن الزَّلازل وحَسم الأدواء وأباد الأعداء. قال: ما صنعتم شيئاً. قالوا: فمعاوية. قال: ولا هذا. قالوا: فعبدُ الملك بن مروان. قال: ولا هذا. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين قال: عبدُ الرحمن بن معاوية الذي عَبر البحر وقَطع القَفز ودَخل بلداً أعجمياً مُفْرداً فمصر الأمصار وجَنَّد
الأجناد ودَوّن الدَواوين وأقام مُلكاً بعد انقطاعه بحُسن تدبيره وشِدة شَكيمته. إنَّ معاوية نَهض بمَرْكب حَمله عليه عمر وعثمان وذلّلا له صعبه وعبدَ الملك ببَيعةٍ تقدَم له عَقْدُها وأمير المؤمنين بطلب عشيرته واجتماع شيعته وعبدَ الرحمن منفرد بنفسه مؤيَّد برأيه مُسْتصحب لعَزْمه. وقالوا: لما توطَّد
مُلْك عبد الرحمن بن مُعاوية عَمِل هذه الأبيات وأخْرجها إلى وزرائه فاستَغربتُ من قوله إذ صدَقها فعلُه وهي: ما حَق مَن قام ذا امتعاض بِمُنْتَضى الشَّفرتَين نَصلاَ فبزّ مُلكاً وشاد عِزَا ومِنْبراً للخِطاب فَمصلا فجاز قفراً وشَقَّ بَحْراً مُسامِياً لُجَّة ومَحْلَا وجَنَّد الجُنْدَ حين أوْدَى
ومَصَّر المِصْر حين أجْلى ثم دَعا أهلَه جميعاً حيثُ انتأوا أن هَلمَ أهْلا فجاء هذا طَريد َجُوع شريد َسَيْف أبيد قَتْلا فَحلّ أمناً ونال شِبْعاً وحاز مالاً وضَمّ شَملا ألم يَكُن حق ذا على ذا أوجبَ من مُنْعم. ومَوْلى وكتب أميّة بن يزيد عنه كتاباً
إلى بعض عُمَّاله يَسْتقصره فيما فَرّط فيه من عمله فأكثر وأطال الكتاب فلما لَحظه عبدُ الرحمن أمر بقَطْعه وكتب: أما بعد فإنْ يكن التَقصير منك مُقدَّما. فحَرِيّ أن يكون الاكتفاءُ عنك مُؤَخَراً وقد علمتَ بما تقَدَمت فاعتمد على أيّهما أحْببت. وكان ثار عليه ثائرٌ بغربي
بَلْدة فغزاه فظَفِر به وأسره فبينما هو مُنْصَرِف وقد حُمل الثائرُ على بغل مَكْبولاً نظر إليه عبدُ الرحمن بني مُعاوية وتحته فرس له فقنع رأسَه بالقناة وقال: يا بغل ماذا تحمل من الشَقاق والنًفاق قال الثائر: يا فَرس ماذا تحمل من العَفو والرحمة فقال له
عبدُ الرحمن: والله لا تذوق موتاً على يدي أبداً. هشام بن عبد الرحمن ثم وَلي هشامُ بن عبد الرَّحمن لسبع خَلَون من جُمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين ومائة ومات في صَفَر سنة ثمانين ومائة. فكانت ولايتُه سبعَ سنين وعشرةَ أشهرِ. ومات وهو ابنُ إحدى وثلاثين
سنة. وهو أحسنُ الناس وجهاً وأشرفهم نفساً الكامل المُروءة الحاكم بالكتاب والسنة الذي أخذ الزكاة على حِلِّها ووَضعها في حَقها لم يُعرف منه هفوة في حداثته ولا زَلة في أيام صِباه. ورآه يوماً أبوه وهو مُقبل مُمتلىء شباباً فأعجبه فقال: يا ليتَ نساء بني هاشم
أبصرنه حتى يَعُدن فواركَ. وكان هشامَ يصرِّر الصُّرر بالأموال في ليالي المَطر والظلْمة ويَبعث بها إلى المساجد. فيُعطي مَن وُجد فيها. يريد بذلك عمارة المساجد وأوصى رجلٌ في زمن هشام بمال في فكّ سَبَّيه من أرْض العدو فطُلبت فلم توجد احتراساً منه للثغر واستنقاذاً لأهل
الحكم بن هشام ثم وَلي الخلافة الحكمُ بنِ هشام في صَفر سنة ثمانين ومائة وكانت ولايتُه ستا وعشرين سنة وأحد عشر شهراَ. ومات يومَ الخميس لثلاث بَقِين من ذي الحجّة سنة ست ومائتين. وهو ابنُ اثنتين وخمسين سنة. وكانت فيه بَطالهّ إلا أنه كان شُجاعَ
النفس باسطَ الكَف عظيم العَفْو متخيراً لأهلٍ عمله ولأحكام رعيته أورعَ من يقدر عليهم وأفضلَهم فيسلطهم. على نَفسه فضلاً عن ولده وسائر خاصّته. وكان له قاض قد كَفاه أمورَ رعيّته بفَضْله وعَدله ووَرعه وزُهده فمرض مرضاً شديداً واغتمَ له الحَكَم غمًّا شديداً. فذكر يزيدُ فتاه