18
فغضب القومُ وقالوا: لقد أسأتَ تُرْذل لنا ولدك وتسومنا اللبنَ من دم كُليب. ووقعت الحربُ بينهم. ولحقت جليلةُ زوجةُ بأبيها وقومها. ودعت تغلب النمرَ بن قاسط فانضمّت إلى بني كُليب وصاروا يداً معهم على بكر ولحقت بهم غُفَيلة ابن قاسط واعتزلت قبائل بكر بن وائلِ
وكَرِهوا مُجامعة بني شَيبان ومُساعدتهم على قتال إخوتهم وأعظموا قتلَ جسّاس كُليباً رئيسهم بناب من الإبل. فظَعنت لجيم عنهم وكفّت يَشْكر عن نُصرتهم وأنقبض الحارث بن عُباد في أهل بيته. وهو أبو بُجير وفارس النَّعامة. وقال المُهلهل يرثي كُليباً: بِت ليلي بالأنْعَمين طويلاً أرقب النجم
سهراً أن يزولا كيف أهَدَأ ولا يزال قَتيلٌ من بني وائل ينسي قتيلا غَنِيت دارنا تهامة في الده ر وفيها بنو معد حلولا فتساقَوْا كأساً أمرت عليهم بينهم بقتل العزيز الذليلا فَصَبحْنا بني لُجيم بضَرب يترك الهم وقعه مفلولا لم يُطيقوا أن يَنْزلوا ونزَلناً وأخو
الحرب من أطاق النزولا انتضَوْا مَعْجِس القسي وأبْرق نا كما توعد الفحولا قَتلوا ربَّهم كُلباً سَفاهاً ثم قالوا ما نخاف عويلا كَذبوا والحرام والحِلِّ حتى نسلب الخدر بيضة المحجولا كُليبُ لا خيرَ في الدنيا ومَن فيها إذ أنت خليتها فيمن يخلبها كُليب أيّ فتَى عزٍّ
ومَكْرُمة تحت السّقائف إذ يعلوك سافيها نَعى النُعاةُ كُليباً لي فقلتُ لهم مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها الحَزم والعَزْمُ كانا من صَنيعته ما كل آلائه يا قوم أحصيها القائدُ الخَيْل تَرْدَى في أعنَتها زهواً إذا الخيل لجت في تعاديها مِن خيل تَغْلبَ ما تلقي
أسنَّتها إلا وقد خضبوها من أعاديها يُهَزْهِزُون من الخَطّيّ مُدْمَجة كمتاً أنابيبها زرقاً عواليها تَرى الرِّماحَ بأيدينا فنُوردها بيضاً ونصدرها حمراً أعاليها ليت السماء على مَن تّحتها وقعتْ وانشقت الأرض فانجابت بمن فيها لا أصلح الله منِّا من يُصالحكم ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها
يوم النهِّي قال أبو المُنذر: أخبرني خِرَاش أن أوَل وَقعة كانت بينهم بالنهي يوم النهِّى. فالتقوا بماء يقال له النَهي كانت بنو شَيبان نازله عليه. ورئيسُ تَغلب المهلهل ورئيس شَيبان الحارثُ بن مُرًة. فكانت الدائرةُ لبني تَغلب وكان الشَّوكة في شَيبان واستحرّ القتل فيهم إلا
أنه لم يُقتل في ذلك اليوم أحد من بني مَرَة. يوم الذنَّائب ثم التقوا بالذنائاب وهي أعظم وَقعة كانت لهم فظفرت بنو تَغلب وقُتلت بكر مقتلة عظيمة. وفيها قُتل شرَاحيل بن مرة بن هَمام بن مُرة بن ذُهل بن شَيبان وهو جدّ الحَوْفزان وهو جد
مَعْن بن زائدة. والحَوْفزان هو الحارث ابن شريك بن عمروِ بن قيس بن شَراحيل قتله عتاب بن سَعد بن زُهير بن جُشَم. وقُتل الحارث بن مُرة بن ذُهل بن شَيبان قتله كعب بن ذُهل بن ثعلبة. وقُتل من بني ذهل ثَعلبة: عمرو بنُ سَدوس بن
شَيبان بن ذُهل بن ثعلبة. وقتل مِن بني تَيم الله. جميلُ بن مالك بن تَيم الله وعبد الله بن مالك بن تَيم الله. وقُتل من بني قيس ابن ثعلبة: سعدُ بن ضُبيعة بن قيس وتميم بن قيس بن ثعلبة وهو أحد الخَرِفين. وكان شيخاً كبيراً
فحُمل في هودج فلَحِقه عمرو بن مالك بن الفَدَوْكس بن جُشم وهو جدّ الأخطل فقَتله. هؤلاء مَن أصيب من رؤساء بكر يوم الذنائب. يوم واردات ثم التقوا بواردات وعلى الناس رؤساؤهم الذين سمَينا. فظفرت بنو تغلب وأستحر القتلُ في بني بكر فيومئذ قتل الشعثمان شَعثم
وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذُهل بن ثعلبة وسيار بن الحارث بن سيار. وفيه قُتل همام ابن مرة بن ذُهل بن شَيبان أخو جساس لأمه وأبيه فمرْ به مُهلهل مقتولاً فقال: والله ما قُتل بعد كُليب قَتيل أعز علي فقداً منك وقتله ناشرة.
وكان همَام رَباه وكَفله كما كان ربى حُذيفةُ بن بَدْر قِرْواشاً فقتله يومَ الهَباءة. يوم عُنيزة ثم التقوا بعُنيزة فظَفِرت بنو تَغلب. ثم كانت بينهم مُعاودة ووقائع كثيرة كُل ذلك كانت الدائرة فيه لبني تَغلب على بني بكر. فمنها: يوم الحِنو ويوم عُويْرضات ويوم أنيق
ويوم ضَرِيّة ويوم القُصيبات. هذه الأيام لتغلب على بكر. أُصيبت فيها بكر حتى ظنّوا أن ليس يَسْتقبلون أمرهم. وقال مُهلهل يصف هذه الأيّام ويَنعاها على بكر في قَصيدة طويلة أولها: أليلَتنا بذي حُسُم أَنِيري إذا أنت انقضَيت فلا تَحُورِي فإن يكُ بالذّنائب طال ليلي فقد
أَبكي من اللّيل القَصير وفيها يقول: كأنّا غدوةً وبني أَبينا بجَنب عُنَيزة رَحَيا مُدِير وإنّي قد تركتُ بوارداتٍ بجُيراً في دَم مِثل العَبير أكثرت قتلَ بني بكر بِربّهم حتى بكيتُ وما يَبْكي لهم أحدُ آليتُ بالله لا أرضىَ بِقَتْلهمِ حتى أبهرج بكراً أينما وُجدوا قال
أبو حاتم: أُبهرج: أدعهم بهرجاً لا يُقتل بهم قتيل ولا تُؤخذ لهم دية. قال: والبَهْرج من الدراهم مِن هذا. وقال المُهلهل: يا لبَكر انشروا لي كُلَيباً يا لبَكر أينَ الفِرارُ تلك شيبان تقول لبكر صرِّح الشرُّ وبان السِّرار وبنو عِجْل تقول لقَيس ولتَيْم اللات سِيرُوا
فسارُوا وقال: حتى تبيدَ قبائلٌ وقبيلةٌ ويَعض كلُ مثقف بالهَامَ حتى تبيدَ قبائلٌ وقبيلةٌ ويَعض كلُ مثقف بالهَامَ وتقومَ ربَّاتُ الخُدور حواسراً يَمْسحن عُرْض ذَوائب الأيتام حتى يَعضّ الشيخُ بعدَ حَمِيمه مما يرَى نَدماً على الإيهام يوم قِضَة ثم إنّ مُهلهلاً أسرف في القتل ولم
يُبال بأيّ قبيلة من قبائل بكر أوقع وكان أكثرُ بكر قعدت عن نُصرة بني شَيبان لقَتْلهم كُليب بن وائل فكان الحارث بن عُباد قد اعتزل تلك الحُروب. حتى قُتل ابنُه بُجير بن الحارث. ويقال إنه كان ابنَ أخيه فلما بلغ الحارثَ قتلُه قال: نِعْم القتيلُ
قتيلٌ اصلح بين ابني وائل وظنّ أنّ المُهلهل قد أدرك به ثأر كُليب وجعله كُفئاً له. فقيل له: إنما قتله بشِسْع نَعْل كُليب. وذلك أن المهلهل لما قَتل بُجيراً قال: بُؤ بشِسْع كُليب. فغضب الحارثُ بن عُباد وكان له فرس يقال لها النَّعامة فَركبها وتولَّى
أمرَ بكر فقَتل تَغلب حتى هَرب المُهلهل وتفرقت قبائل تغلب فقال في ذلك الحارث بن عُباد: قربا مَرْبط النًّعامة مِنّي لَقحتْ حربُ وائل عَن حِيالي لم أكُن من جُناتها علم اللهُ وإنّي بحِرّها اليومَ صَالي الكلاب الأول قال أبو عُبيدة: لما تَسافهت بكرُ بن وائل
وغَلبها سفهاؤها وتقاطعت أرحامُها ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إنّ سُفهاءنا قد غَلبوا على أمرنا فأكل القويُ الضعيفَ ولا نَستطيع تغييرَ ذلك فنرى أن نُملَك علينا ملكاً نُعطيه الشاةَ والبعير فيأخذ للضّعيف من القوي ويردُّ على المظلوم من الظالم ولا يُمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه
الآخرون فتفسُد ذاتُ بيننا ولكنّا نأتي تُبعَاً فنُملَكه علينا. فأتوه فذكروا له أمرهم فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكِنديّ فقَدِم فنزل عاقل ثم غزَا ببكر بن وائل حتى أنتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللَّخميَين وملوك الشام الغسانيين وردّهم إلى أقاصي أعمالهم.
ثم طُعن في نَيْطه أي مات فدُفن ببطن عاقل. واختلف أبناه شُرَحْبِيل وسَلَمة في المُهلك فتواعد الكُلاب. فأقبل شُرَحبيل في ضَبة والرباب كُلها وبني يَربوع وبكر بن وائل. وأقبل سَلَمة في تَغلب والنمر وبَهراء ومَن تَبعه مِن بني مالك بن حَنظلة وعليهم سُفيان بن مُجاشع
وعلى تغلب السفَاح - إنما قيل له السفاح لأنه سَفح أوعية قَومه - وقال لهم: أبدرُوا إلى ماء الكلاب فسبقوا ونزلوا عليه. وإنما خرجتْ بكرُ بن وائل مع شُرحبيل لعداوتها لبني تغلب. فالتقوا على الكُلاب واستحر القتلُ في بني يَربوع وشد أبو حَنَش على شُرحبيل
فقتله وكان شرُحبيل قتل ابنه حَنَشاً فأراد أبو حَنَش أن يأتي برأسه إلى سَلمة فخافه فبعثه مع عَسيف له. فلما رآه سَلمة دَمعت عيناه وقال له: أنت قتلتَه قال: لا ولكنه قتله أبو حَنش. فقال: إنما أدفع الثوابَ إلى قاتله. وهَرب أبو حَنش عنه. فقال
سَلَمة: ألا أبْلغ حَنَش رسولاً فما لك لا تجيء إلى الثوابِ تعلم أن خير الناس مَيْتاً قَتِيلٌ بَين أحجار الكُلاب تداعت حَوله جُشَمِ بن بَكر وأسلمه جَعاسيسُ الرباب ومما يَدُل على أن بكراً كانت مع شرُحبيل قولُ الأخطل: أبا غسان إنّك لم تُهني ولكن قد
أهنتَ بني شِهاب تَرقَّوا في النَخيل وأنسِئونا دِماءَ سرَاتكم يومُ الكُلاب يوم الصفقة ويوم الكلاب الثاني قال أبو عُبيدة: أخبرنا أبو عمرو بن العَلاء قال: كان يوم الكُلاب مُتصِلاً بيوم الصَفْقة وكان من حديث الصَفقة أن كِسرى الملك كان قد أوقع ببني تميم فأخذ الأموالَ
وسَبى الذَّراري بمدينة هَجر وذلك أنّهم أغاروا على لَطيمة له فيها مِسك وعَنبر وجَوهر كثير فسُمِّيت تلك الوَقعة يوم الصَّفقة ثم إنّ بني تميم أداروا أمرهم وقال ذو الحِجا منهم: إنكم قد أغضبتم الملك وقد أوقع بكم حتى وَهنتم وتسامعتْ بما لقيتُم القبائل فلا تَأْمنون
دَوران العرب. فجَمعوا سَبعة رؤساء منهم وشاوروهمِ في أمرهم وهم: أكثم بن صيفيّ الأسيِّديّ والأُعيمر بن يَزيد بن مُرة المازنيّ وقيس بن عاصم المِنْقريّ وأُبير بن عِصْمة التَّيميّ والنُّعمان ابن الحَسْحاس التَّيمي وأُبَيْر بن عمرو السَّعدي والزِّبْرقان بن بَدر السعديّ. فقالوا لهم: ماذا تَروْن فقال