ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 24 من 86

العقد الفريد — الجزء الرابع

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 24 من 861,769 كلمة في هذا الجزء

9

كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبين والبرامكة

فرش كتاب أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة قال الفقيهَ أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمد بنِ عبدِ ربّه رضي الله تعالى عنه: قد مضى قولُنا في أخبار الخُلفاء وتواريخهم وأيامهم وما تَصرّفت به دولهم ونحن قائلون بعون الله في أخبار زياد والحجَّاج والطالبيين والبرامكة وماسِحون على

شيء من أخبار الدولة إذ كان هؤلاء الذين جرّدنا لهم كتابَنا هذا قُطبَ المُلك الذي عليه مدار السياسة ومعادنَ التَّدبير ويَنابيعَ البلاغة وجوامعَ البيان. هم راضوا الصِّعاب حتى لانت مقاردُها وخَزموا الأنوف حتى سكنتْ شواردُها ومارسوا الأمور وجرّبوا اَلدُّهُور فاحتملوا أعباءَها واستفتحوا مغالقها حتى استقرت

قواعدُ الملك وانتظمت قلائدُ الحكم ونَفذت عزائم السلطان. أخبار زياد كانت سُميَّة أُمّ زياد قد وَهبها أبو الخَير بن عمرو الكِنْدي للحارث بن كَلَدة وكان طبيباً يعالجه فولدت له على فِراشه نافعاً ثم ولدتْ أبا بَكْرة فأنكر لونَه. وقيل له: إن جاريتك بَغيّ. فَانْتِفِى من

أبي بَكْرة ومن نافع وَزَوْجهَا عُبيداً عبداً لابنته. فولدتْ على فراشه زياداً. فلما كان يومُ الطائف نادَى مُنادي رسول الله ﷺ : أيما عبدٍ نزل فهو حر وولاؤه لله ورسوله. فنزل أبو بكرة واسلم ولحق بالنبيّ ﷺ . فقال الحارث بن كلَدة لنافع: أنت ابني

فلا تَفعل كما فَعل هذا يريد أبا بكرة. فلَحِق به فهو ينتسب إلى الحارث بن كلَدة. وكانت البَغايا في الجاهليّة لهن راياتٌ يُعرفن بها ويِنَتْحَيْهَا الفِتْيان. وكان أكثرُ الناس يُكْرهون إماءَهم على البِغاء والخُروج إلى تلك الرايات يبتغون بذلك عَرضَ الحياة الدنيا. فَنَهَى الله تَعَالَى

في كتابه عن ذلك بقوله جل وعز: " ولا تُكرِهُوا فَتَياتِكم على البِغَاء إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًاً لِتَبْتَغوا عَرِضَ الحَياة الدُّنيا. ومَنْ يُكْرِهْهن " يريد في الجاهلية " فإنّ الله مِن بَعْد إكراههنّ غفُورٌ رَحِيم " يريد في الإسلام. فيقال: إن أبا سفيان خَرج يوما وهو

ثَمِل إلى تلك الرايات فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بَغِيّ فقالت: ما عندي إلا سُمية. قال: هاتها على نَتن إبطيها فوقع بها. فولدت له زياداً على فراش عُبيد. ووجه عاملٌ من عُمّال عمرَ بن الخطّاب زياداً إلى عمرَ بفَتح فَتحه الله على المسلمين. فأمره

عمرُ أن يَخطب الناسَ به على المنبر. فاحسن في خطبته وجَوّد وعند أصل المِنبر أبو سفيان بن حَرْب وعليّ بن أبي طالب. فقال أبو سفيان لعليِّ: أيُعجبك ما سمعتَ من هذا الفتى قال: نعم. قال: أما إنه ابنُ عمّك. قال: وكيف ذلك قال: أنا قذفتُه

في رَحم أمه سُميَّة. قال: فما يَمنعك أن تدعِيهِ قال: أخشى هذا القاعدَ على المِنبر - يعني عُمَر بن الخطاب - أن يُفسد عليّ إهابي. فبهذا الخبر استلحق معاويةً زياداً وشَهد له الشُّهود بذلك. وهذا خلافٌ حُكم رسول الله ﷺ في قوله: الولدُ للفراش وللعاهر

الحَجَر. اَلْعَتَبَي عن أبيه قال: لما شَهِد الشهود لزياد قام في أَعْقَابهمْ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: هذا أمرٌ لم أشهد أولَه ولا عِلْم لي بآخره وقد قال أميرُ المؤمنين ما بَلغكم وشهد الشهودُ بما سَمعتم. فالحمدَ لله الذي رفع منا

ما وضع الناس وحَفظ منّا ما ضَيّعوا. وأما عُبيد فإنما هو والدٌ مَبْرور أو رَبِيب مَشْكور. ثم جلس. وقال زياد: ما هُجيت ببيت قطّ أشدَّ عليَّ من قول الشاعر: فكَّر ففي ذاك إن فَكَّرتَ مُعْتَبر هل نِلتَ مَكرُمةً إلا بِتَأْمِير عاشتْ سُميَّة ما عاشت وما

عَلِمتْ أنّ ابنَها من قريش في الجَماهير سُبحان مَن مُلْك عباد بقُدرته لا يَدفع الناسُ أسبابَ المقادير وكان زياد عاملاً لعليّ بن أبي طالب على فارس: فلما مات عليّ رضي الله عنه وبايع الحسنُ معاويةَ عامَ الجماعة بقي زيادٌ بفارس وقد مَلكها وضَبط قَلاعها فاغتمّ

به معاوية فأرسل إلى المُغيرة بنُ شعبة. فلما دخل عليه قال: لكُل نبأ مُستقر ولكُل سر مسَتودِع وأنت موضعُ سري وغاية ثِقَتي. فقال: المغيرة: يا أمير المؤمنين إنْ تستودعني سرك تستودعه نَاصِحاً شَفيقاً ووَرِعا رفيقاً فلا ذاك يا أمير المؤمنين قال: ذكرتُ زياداً واعتصامَه بأرض

فارس ومُقامه بها وهو داهية العرَب ومعه الأحوالُ وقد تحصّن بأرض فارس وقِلاعها يُدبّر الأمور فما يُؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو أعاد جَذَعه. قال له المُغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه قال: نعم. فخرَج إليه. فلما دخل عليه

وجده وهو قاعد في بيت له مُستقبلٌ الشمسَ. فقام إليه زياد ورحِّب به سرُّ بقدومه وكان له صديقاً - وذلك أنّ زياداً كان أحدَ الشُهود الأربعة الذين شَهدوا على المُغيرة وهو الذي تَلجج في شهادته عند عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه فنجا المغيرة وجُلد

الثلاثةُ من الشهود وفيهم أبو بكرة أخو زياد فحلف أن لا يكلمٍ زياداً أبداً - فلَما تَفاوضا في الحديث قال له المغيرة: أعلمتَ أنّ معاوية استخف الوجل حتى بعثتي إليك ولا نَعلم أحداً يَمد يَده إلى هذا الأمر غيرَ الحسن وقد بايع معاويةَ فخُذ لنفسك

قبل التَوطين فيَستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ وارم الغرضَ الأقصى فإنّ المُستشار مُؤتَمن. قال: أرى أن تَصل حبلَك بحَبْله وتسيرَ إلَيه وتعير الناسَ أذناً صماء وعَينْاً عمياء. قال يا بن شُعبة لقد قلتَ قولاً لا يكون غَرْسُه في غير منبته ولا مَدَرة تغذية ولا

ماء يَسْقيه قال زهير: ثمِ قال: أرى ويقضي الله. وذكر عمر بن عبد العزيز زِيَاداً فقال: سَعي لأهل العِراق سَعْيَ الأم البرّة وجَمع لهم جَمْعَ الذَّرة. وقال غيره: تَشبَّه زيادٌ بعمرَ فأفرط وتشبه الحجّاج بزياد فأَهلك الناس. وقالوا: الدُّهاة أربعة: معاوية للرويّة وعمرو بن اَلْعاصّ

للبَديهة والمُغيرة للمعضلات وزياد لكُل صَغيرة وكبيرة. ولما قَدم زيادٌ العراق قال: مَن على حَرَسكم قالوا: بَلَج. قال: إنما يُحترس من مثل بَلَج فكيف يكون حَارِساً! أخذه الشاعر فقال: وحارس من مثله يُحْترس العَتَبَيْ قال: كان في مجلس زياد مكتوب: الشِّدة في غير عُنف واللّين

في غير ضَعف. المُحسن يُجازَى بإحسانه وَالْمُسِيء يعاقَب بإساءته. الأعطيات في أيامها. لا احتجابَ عن طارق لَيْل ولا صاحب ثغر. وبَعث زيادٌ إلى رجال من بني تَميم ورجال من بني بَكْر وقال: دُلّوني على صُلَحاء كل ناحية ومن يُطاع فيها. فدلوه فضمّنهم الطريق وحَدّ لكُل

رجل منهم حَدا. فكان يقول: لو ضاع حَبل بيني وبين خُراسان عرفتُ من أخذ به وكان زياد يقول: من سَقَى صبياً خمراً حددناه ومن نَقب بيتاً نَقبناً عن قلبه ومن نَبش قبراً دفّناه حيّاً. وكان يقول: اثنان لا تُقاتِلوا فيهما: الشتاء وبُطون الأودية. وأول من

جُمعت له العراق زياد ثم ابنُه عبيد الله بن زياد لم تجتمع لقرشيّ قط غيرَهما. وعُبيد الله بن زياد أول من جُمع له العراق وسجستان وخراسان والبحران وعُمان وإنما كان البحران وعُمان إلى عُمال أهل الحجاز وهو أول من عرف العُرفاء ودعا النقباء ونَكَبالمناكب وحصل

الدواوين ومُشي بين يديه بالعَمد ووَضع الكراسي وعمل المَقصورة ولَبس الزيادي ورَبعَ الأرباع بالكوفة وخمسَ الأخماس بالبصرة وأعطى في يوم واحد للمُقاتلة والذرية من أهل البصرة وأهل الكوفة وبلغ بالمُقاتلة من أهل الكوفة ستّين ألفاً ومقاتلة البصرة ثمانين ألفاً والذرية مائة ألف وعشرين ألفاً. وضَبط

زياد وابنهُ عُبيد الله العراقَ بأهل العراق. قال عبدُ الملك بن مروان لعبَّاد بنِ زياد: أين كانت سيرةُ زياد من سيرة الحجاج قال: يا أمير المؤمنين إنّ زياداً قَدِم العراقَ وهي جَمْرة تشتعل فسَلَّ أحقادَهم وداوَى أدواءهم وضَبط أهلَ العراق بأهل العراق. وقَدمها الحجاجُ فكسر

الخراج وأفسد قلوبَ الناس ولم يَضْبطهم بأهل الشام فضلاً عن أهل العراق ولو رام منهم ما رامَه زياد لم يَفْجأك إلا على قَعود يُوجف به. وقال نافعٌ لزِياد: استعملتَ أولادَ بَكْرة وتركت أولادي قال: إني رأيتُ أولادك كُزْماً قصاراً ورأيت أولاد أبي بكرة نُجباء طوالاً.

ودخل عبد الله بن عامر على مُعاوية فقال له: حتى متى تذهب بخراج العراق فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول هذا لمن هو أبعدُ منِّي رَحماً! ثم خرج. فدخل على يزيد فاخبره وشكا إليه. فقال له: لعلك أغضبتَ زياداً قال: قد فعلتُ. قال: فإنه لا

يَرضى حتى تُرضي زياداً عنك. فانطلق ابنُ عامر فاستأذن على زياد فأذن له وألطفه. فقال ابنُ عامر: إن شئْت فصُلح بعتاب وإن شئتَ فصُلح بغير عتاب. " قال زياد: بل صُلْحٌ بغيرِ عِتاب " فإنه أسلم للصَّدر. ثم راح زيادٌ إلى مُعاوية فأخبره وأصبح ابنُ

عامر غادياً على مُعاوية. فلما دخل عليه قال: مرحباً بأبي عبد الرحمن ها هنا وأجلسه إلى جَنْبه فقال له: يا أبا عبد الرحمن: لنا سياق ولكم سياق قد علمتْ ذلكمُ الرفاق الحسن بنُ أبي الحسن قال: ثَقُل أبو بكرة فأرسل زياد إليه أنسَ بن مالك

ليصالحَه ويُكلّمه فانطلقتُ معه. فإذا هو مُول وجهَه إلى الجدار فلما قَعد قال له: كيف تجدك أبا بكرة فقال صالحا كيف أنتَ أبا حَمْزة فقال له أنس: اتق الله أبا بكرة في زياد أخيك فإنّ الحياة يكون فيها ما يكون فأمّا عند فراق الدُّنيا فلَيستغفر

الله أحدُ كما لصاحبه فوالله ما علمتُ إنه لوَصول للرَحم هذا عبدُ الرحمن ابنُك على الأبلة وهذا داود على مدينة الرِّزْق وهذا عبدُ الله على فارس كلها. والله ما اعلمه إلا مُجتهداً: قال: أقعدوني. فأقعدوه فقالت: أخبرني ما قلتَ في أخر كلامك فأعاد عليه القولَ.