20
كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر
قال الفتيه أبو عمر أحمدُ بن محمد بن عبد ربّه رحمه الله: قد مَضى قولُنا في أيام العرب ووقائعها وأخبارها ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في فضائل الشعر ومَقاطعه ومَخارجه إذ كان الشعر ديوانَ العرب خاصة والمنظومَ من كلامها والمقيِّدَ لأيامها والشاهد على أحكامها. حتى
لقد بلغ من كَلَف العرب به وتَفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تَخيَّرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب في القبَاطيّ المُدرجة وعَلِّقتها بين أستار الكعبة. فمنه يقال: مذهَّبة امرئ القيس ومُذَهَّبة زُهير. والمذَهبات سبع وقد يقال لها المُعَلقات. قال بعضُ المحدثين يصف قصيدةً
له ويُشبهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت: بَرْزة تُذكر في الحُس ن من الشعر المعلق كل حَرْف نادرٍ من ها له وجهٌ معشق المعلقات لامرئ القَيس: قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل. أمن أم أوفى دِمْنة لم تكلم ولطَرَفة: لِخَوْلة أطلالٌ ببرقة ثَهمد ولعَنترة: يا
دارَ عَبلة بالجواء تكلمي ولعمرو بن كُلْثوم ألا هُبِّي بصحنك فاصْبحينا وللَبيد: عفَت الدِّيار محلها فمقامها وللحارث بن حِلَّزة: آذَنَتْنا ببَيْنها أسماء اختلاف الناس في أشعر الشعراء قال النبيُّ ﷺ وذُكر عنه امرؤ القيس بن حُجْر: هو قائد الشعراء وصاحبُ حلفتُ فلم اتركْ لنَفْسك رِيبةً
وليس وراء الله للمرءِ مَذْهَبُ قالوا: نابغة بني ذُبيان. قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر: أتيتُك عارياً خَلَقاً ثِيابي على وَجَل تُطَنُّ بيَ الظُنونُ فألفيت الأَمانةَ لم نَخنها كذلك كَان نُوح لا يَخون قالوا: هو النابغة. قال: هو أشعرُ شُعرائكم. وما أحسب عُمر ذهب
إلا إلى أنه أشعرُ شُعراء غَطفان: ويَدُل على ذلك قوله: هو أشعرُ شُعرائكم. وقد قال عمر لابن عَباس: أنشدني لأشعر الناس الذي لا يُعاظِل بين القوافي ولا يَتَتَبَّع حُوشيّ الكلام. قال: مَن ذلك يا أمير المؤمنين قال: زُهير بن أبي سُلْمى. فلم يَزل يُنشده من
شعره حتى أصبح. وكان زُهير لا يَمدح إلا مُستحقّاً كمدحه لِسنان بن أبي حارثة وهَرِم بن سِنان وهو القائِل: وانّ أشعر بيتِ أنتَ قائلُه بيتٌ يُقال إذا أنشدتَه صَدَقا وكذلك أحسنُ القول ما صدّقه الفعل قالت بنو تَميمٍِ لسَلامة بن جَندَل: مجدْنا بشعرك قال: افعلوا
حتى أقول. وقيل للبيد: مَن أشعر الشعراء قال: صاحبُ القُروح - يريد امرأ القيس - قيل له: فبعده مَن قال: ابن العِشْرين - وقيل للحُطيئة: من أشعَر الناس قال: النابغة إذا رَهب وزُهير إذا رَغب وجَرير إذا غَضِب. وقال أبو عمرو بن العلاء: طرفة أشعرُهم
واحدةً يعني قصيدته: لِخولة أطلالٌ بِبُرقة ثَهْمد وفيها يقول: ستُبدى لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ويَأتيك بالأخبار مَن لم تزوِّدِ وانشد النبي ﷺ هذا البيتَ فقال: هذا من كلام النُّبوة. وسمع عبد الله بن عمر رجلاً ينشد بيت الحُطيئة: مَتى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضَوء نارِه
تَجدْ خَيْرَ نارٍ عندها خيرُ موقِدِ فقال: ذاك رسولُ الله ﷺ إعجاباً بَالبيت. يعني أنّ مثل هذا المَدح لا يَستحقّه إلا رسول الله ﷺ وسُئل الأصمعيّ عن شعر النابغة فقال: إنْ قلت ألينُ من الحرير صدقتَ وإن قلتَ أشدّ من الحديد صدقت. وسُئل عن شعر
الجَعديّ فقال: مُطْرف بآلاف. وخِمار بواف. وسُئل حمَّاد الراوية عن شعر ابن أبي رَبيعة فقال: ذلك الفسِتق المُقشرّ الذي لا يُشبع منه. وقالوا في عمرو بن الأهتم: كان شعره حللاً مًنَشرَة. وسُئل عمرو بن العلاء عن جَرير والفَرزدق فقال: هما بازيان يَصيدان ما بين الفِيل
والعَنْدبيل. وقال جرير: أنا مدينةُ الشعر والفَرزدقُ نَبْعته. وقال بلالُ بن جرير: قلت لأبي: يا أبت إنك لم تَهْج قوماً قطُّ إلا وضعتَهم إلا بني لَجأ. قال: إنّي لم أجد شرفاً فأضعَه ولا بناء فأهدمه. واختلف الناس في أَشعر نصف بَيت قالته العربُ. فقال بعضهم:
قولُ أبي ذُؤيب الهُذلي: والدهرُ ليس بمُعتب من يَجْزَع وقال بعضهُم: قول حُميد بن ثَور الهِلاليّ: نوكّل بالأدنى وإن جَلَّ ما يَمضي وقال بعضهُم قول زُميل: ومَن يَكُ رهناً للحوادث يَغلق وهذا ما لا تُدرك غايته ولا يُوقف على حده. والشعر لا يفوت به أحد
ولا يأتي له بديع إلا أتى ما هو أبدعُ منه وللّه دَرّ القائل: أشعر الناس مَن أبدع في شعره. إلا ترى مَروان بن أبي حَفصة على موضعه من الشعر وبُعد صِيته فيه ومَعرفته بغَثِّه وسَمِينه انشدوه لامرئ القَيس فقال: هذا أشعرُ الناس. وقد قالوا: إنَّ
لحسَّان بن ثابت أفخِرَ بيت قالته العرب وأحكمَ بيت قالته العرب. فأما أفخر وبيوم بَدْرٍ إذ يرد وجوهَهم جِبريل تحت لِوائنا ومحمدُ وأما أحكم بيت قالته العرب فقوله: وإنَ امرأً أَمسى وأصبح سالماً من النَّاس إلا ما جَنى لسعيدُ وقالوا: أهجى بيت قالته العرب قول
جرير: والتَّغْلبيّ إذا تَنَحْنح للقِرَى حكَّ آسْتَه وتمثَّلَ الأمْثَالاَ ولما قال جرير هذا البيت قال: والله لقد هجوتُ بني تَغلب ببيت لو طُعنوا في أستاههم بالرِّماحِ ما حكّوها. ويقال: إن أبدع بيت قالته العرب قولُ أبي ذُؤيب الهُذَليّ: والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتها وإذا تُردُّ إلى
قَليلٍ تَقْنعُ ويقال: إنَّ أصدق بيت قالته العرب قولُ لَبيد: ألاَ كُل شيءٍ ما خلا الله باطلُ وكُل نَعيم لا محالةَ زائلُ وذُكر الشعر عند عبد الملك بن مَروان فقال: إذا أردتُم الشعر الجيِّد فعليكم بالزُّرق من بني قيس بن ثَعلبة وهم رهط أعشى بَكْر
وبأصحاب النِّخل من يَثرب يريد الأوس والخَزْرج وأصحاب الشَّعف من هُذيل والشَّعف: رءوس الجبال. ومن الدليل على عِظَم الشِّعر عند العرب وجليل خَطْبهِ في قلوبهم أنَّه لما بُعث النبيُ ﷺ بالقرآن المُعجِز نظمه المُحكم تأليفه وأعجب قريشاً ما سمعوا منه قالوا: ما هذا إلا سِحْر.
وقالوا في النبيّ ﷺ : " شَاعِرٌ نَتربصُ بهِ رَيْبَ المَنُون ". وكذلك قال النبي ﷺ في عمرو بن الأهتم لمّا أعجبه كلامُه: إنَّ مِنِ البيان لَسِحْراً. لقد خشيت أن تَكون ساحرَاً روايةً مَرّاً ومراً شاعرَاً وقال النبيُّ ﷺ : إنَّ من الشعر لحِكْمة. وقال
كعبُ الأحبار: إنّا نَجد قوماً في التوراة أناجيلُهم في صُدورهم تَنطق ألسنتهم بالحِكْمة وأظنّهم الشُّعراء. وقال عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه: أفضلُ صِناعات الرَّجل الأبيات من الشِّعر يُقدِّمها في حاجاته يَستعطف بها قلبَ الكريم ويستميل بها قلب اللئيم. وقال الحجَّاج للمُساور بن هند: ما
لك تقول الشعرَ وقد بلغتَ من العُمر ما بلغتَ قال. أرعى به الكلأ وأشرب به الماء وتقضي لي به الحاجة فإن كفيتَني ذلك تركتهُ. وقال عبدُ الملك بن مروان لمؤدِّب ولده: روَهم الشِّعر يَمْجدوا ويَنْجدوا. وقالت عائشة: روُّوا أولادَكم الشعرَ تعذُب ألسنتهم. وبعث زياد بولده
إلى معاوية فكاشفه عن فنون منِ العِلم فوجده عالماً بكل ما سأله عنه. ثم أستنشده الشعر فقال: لم أَرْوِ منه شيئاً. فكتب معاويةُ إلى زياد: ما منَعك أن تُرَوِّيه الشعر فوالله إن كان العاقّ لَيَرْويه فَيبرّ وإن كان البخيل لَيَرْويه فيسخُو وإن كان الجبان لَيَرْويه
فيقاتل. وكان علي رضي الله عنه إذا أراد المُبارزة في الحرب أنشأ يقول: أيّ يوميّ من المَوتِ أفرّ يومَ لا يُقدر أم يوم قَدِرْ يومَ لا يُقدر لا أَرْهَبه ومِن المَقدور لا يَنجو الحَذِر وقال المقداد بن الأسود: ما كنتُ أعلم أحداً من أصحاب رسول
الله ﷺ أعلم بشِعر ولا فَريضة من عائشة رضي الله عنها. وفي رواية الخُشَنِيّ عن أبي عاصمٍ عن عبد الله بن لاحق عن ابن أبي مُليكة قال: قالت عائشة: رحم الله لَبيداً كان يقول: قَضِّ اللُبانةَ لا أبالك وأذهبِ والحق بأسرتك الكِرام الغُيَّبِ ذهب الذين
يُعاش في أكنافهم وبقيتُ في خَلف كجِلْدِ الأجرب فكيف لو أدرك زَماننا هذا! ثم قالت: إني لأروي ألفَ بيت له وإنه أقلُّ ما أروي لغيره. وقال الشَعبيّ: ما أنا لشيء من العِلم أقلّ مني روايةً للشِّعر ولو شئتُ أن أنشد شعراً شهراً لا أعيد بيتاً
لفعلت. وسمع النبيُّ ﷺ عائشة وهي تُنشد شعر زُهير بن جَناب: أرفَعْ ضعيفَك لا يَحُر بك ضعْفهُ يوماً فتُدركَه عواقبُ ما جَنَى فقال النبيّ ﷺ : صدق يا عائشة لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس. يزيد بن عمرو بنِ مسلم الخُزاعي عن أبيه عن
جَدّه قال: دخلتُ على النبيّ ﷺ ومُنشد يُنشده قول سُويد بن عامر المصطلق: لا تأمنَن وإن أمسيتَ في حَرَمٍ إنَّ المَنايا بجَنْبي كُل إِنْسانِ فاسلُك طريقَك تَمْشي غير مُخْتَشع حتى تلاقِي الذي مَنَّى لك الماني فكل ذي صاحب يوماً مُفارقهُ وكُلّ زادٍ وإنّ أبقيته فاني
والخيرُ والشرُّ مَقْرونان في قَرَن بكُل ذلك يأتيك الجَدِيدان فقال النبيّ ﷺ : لو أَدرك هذا الإسلام لأسلم. أبو حاتم عن الأصمعي قال: جاء رجُل إلى النبيّ ﷺ فقال: أنشدك يا رسول الله قال: نعم. فأنشده: تركتُ القِيان وَعزْف القِيان وأدمنتُ تَصليةً وابتهالا وكَرِّي المُشقَّر
في حَوْمة وشَنِّي على المُشْركين القِتالا فيا ربّ لا أغبننْ صفقتيَ فقد بِعْت مالي وأهلي بدالا فقال النبيّ ﷺ : رَبح البَيع ربح البيع. قدم أبو ليلى النابغة الجَعديّ على بَلَغنا السماءَ مجدنا وسناؤنا وإِنا لَنرجو فوق ذلك مَظْهَرَا فقال له النبيّ ﷺ : إلى