أين يا أبا ليلى فقال: إلى الجنة يا رسول الله بك. فقال النبيّ ﷺ : إلى الجنة إن شاء الله: فلما انتهى إلى قوله: ولا خير في حِلم إذا لم تَكُن له بوادرُ تَحْمِي صَفْوه أن يُكَدَّرا ولا خيرَ في جَهل إن لم يكُن له
حَلِيم إذا ما أورد الأمرُ اصدرَا قال النبيّ ﷺ : لا يفْضض الله فاك. فعاش مائةً وثلاثين سنة لم تَنْغُض له ثنية. سفيان الثّوري عن لَيث عن طاووس عن ابن عباس قال: إنها لكَلمة نبيّ. يَعني قولَ طرفة: ستُبدي لك الأيامً ما كنت جاهلاً وَيأتيك
بالأحبار مَن لم تُزودِ وسمع كعب قولَ الحُطيئة: مَن يفعل الخير لا يَعْدَم جَوازيه لا يذْهبُ العُرف بين الله والناس قال: إنه في التّوْراة حَرْفاً بحَرف: يقول الله تعالى: " مَن يفعل الخير يَجدْه عندي لا يذهب الخيرُ بيني وبينَ عبدي ". وقال عبد الله
بن عبّاس: أنشدت النبيّ ﷺ أبياتاً لأًمية بن أبي الصَّلت يذكر رَجُلٌ وثَورٌ تحتَ رِجْل يَمينه والنّسرِ للأخرى وليثٌ مُرْصَدُ والشمسُ تَطْلُع كُل آخر ليلةٍ فجراً ويُصبح لونُها يتوقد تبدو فما تبدو لهم في وَقْتها إلا مُعذِّبة وإلا تُجْلَد فتبسم النبي ﷺ كالمُصدِّق له. ومن
حديث ابن أبي شَيْبة: أن النبيّ ﷺ أردف الشريد فقال له النبيّ ﷺ : تَرْوي من شِعر أُمية بن أبي الصَّلت شيئاً قلتُ: نعم. قالت: فأنشِدني. فأنشدته. فجعل يقول بين كل قافيتين: هيه حتى أنشدتُه مائة قافية. فقال: هذا رجل آمن لسانه وكَفر قلبُه. ولو
لم يكن من فضائل الشعر إلا أنه أعظم جُند يجنّده رسول الله ﷺ على المُشركين يدُل على ذلك قولُه لحَسان: شُنَ الغَطاريف على بني عبد مناف فوالله لشعرك أشدُّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام: وتَحفظْ ببَيْتي فيهم. قال: والذي بعثك بالحقّ نبيَّاً لأسُلّنّك
منهم سَلّ الشّعرة من العجين. ثم أخرج لسانه فضرب به أَرنبة أَنفه وقال: والله يا رسولَ الله إنه ليخيّل لي أنّي لو وضعته على حَجر لفَلقه أو على شَعَر لحَلقه. فقال النبيُّ ﷺ : أيد الله حسّاناً في هَجْوه برُوح القُدس. وقال ابن سيرين: بلغني
أنّ دَوْساً إنما قَضينا من تِهامة كُلّ نحب وخَيْبر ثم أَغْمدنا السيوفَا نُخبِّرها ولو نَطقت لقالت قواضبُهنَّ دَوْساً أو ثَقِيفاً وقال النبيّ ﷺ لحسان بن ثابت لقد شكر الله لك قولَك حيثُ تقول: زعمتْ سَخينةُ أنْ ستغلب رَبَّها ولَيُغْلبنّ مُغالب الغَلاّبِ ولو لم يكن من
فضائل الشّعر إلا أنّه أعظمُ الوسائل عند رسول الله ﷺ . فمن ذلك أنه قال لعبد الله بن رَواحة: أَخْبرني ما الشعرُ يا عبد الله قال: شيء يَختلج في صَدْري فيَنطق بهِ لساني. قال: فأَنْشِدني فأَنشده شعره الذي يقول فيه: فثبَّت الله ما آتاك مِنْ
حَسَنِ فَفَوْتَ عيسى بإذْن الله والقَدَرِ فقال النبيّ ﷺ : وإياك ثَبَّت الله وإياك ثَبت الله ومِن ذلك ما رواه ابنُ إسحاق صاحب المَغازي وابنُ هشام. قال ابن إسحاق: لما نزل رسولُ الله ﷺ الصفراء - قال ابنُ هشام: الاثيلِ - أمر عليَّاً فضرَب عنق
النَضر بن الحارث بن كَلدة بن عَلْقمة بن عبد مناف صبراً بين يدي رسول الله ﷺ . فقالت أُختُه قُتيلة بنت الحارث ترثيه: يا راكباً إنّ الأثيل مَظنّة من صُبحِ خامسة وأنت مُوفقُ مني عليك وعَبرة مَسْفوحة جادت بواكِفها وأًخرى تَخنُق هل يَسمعني النضرُ إن
ناديتُه أم كيف يَسمع مَيت لا ينطق أمحمد يا خيرَ ضِنْء كَريمة في قَومنها والفحلُ فحلٌ مُعرق ما كان ضرك لو مَننت وربما مَنّ الفتى وهو المَغيظ المُحنق فالنضر أقربُ من أَسرت قرابةً وأحقُّهم إن كان عِتْق يُعتق ظَلّت سيوفُ بني أبيه تَنوشه للهّ أرحام
هناك تمزق صبراً يُقاد إلى المنيّة مُتعباً رَسْفَ المُقيّد وهو عانٍ مُوثَق قال ابن هشام: قال النبيّ ﷺ لمّا بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبلَ قتله ما قتلْتهُ. من حديث زياد بن طارق الجشميّ قال: حدّثني أبو جَرْول الجُشمي وكان رئيس قومه قال: أَسَرَنا النبيُّ
ﷺ يوم حُنين فبينما هو يُميز الرجال من النساء إذ وثبتُ فوقفتُ بين يديه وأنشدته: امنُن علينا رسولَ الله في حُرَم فإنك المرءُ نرجوه ونَنتظر امنُن على نِشوة قد كنتَ تَرْضعها يا أَرجح الناس حِلْماً حين يُخْتبر فذكَّرته حين نشأ في هوازن وأرضعوه. فقال عليه
الصلاةُ والسلام: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم. فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله. فردّت الأنصار ما كان في أيهديها من الذَّراري والأموال. فإذا كان هذا مَقامِ الشعر عند النبيّ ﷺ فأي وسيلة تَبلغه أو تعْشره. وكان الذي هاج
فتْح مكة أنّ عمرو بن مالك الخْزاعِيّ أحدَ بني كَعب خَرج من مكة حتى قَدم على رسول الله ﷺ المدينة وكانت خُزاعة في حِلْف النبيِّ ﷺ وفي عهده وعَقْده فلمّا انتقضت عليهم قريش بمكة وأصابوا منهم ما أصابوا أقبل عمرو بنُ مالك الخُزاعيّ بأبيات قالها.
فوقف على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال: يا رب إنّي ناشدٌ مُحمدَاً حِلْفَ أَبينا وأَبيه الأتْلدَا قد كنتُم وُلْداً وكُنّا وَلدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك الموكدا وجعلوا لي في كَداء رَصداً وزعموا
أن لست أدعو أحدا وهم أذلّ وأقل عدداً هُم بيّتونا بالوتير هُجَّدا وأدْع عبَاد الله يأتوا مَدَدا فيهِم رسولُ الله قد تجرّدا إنْ سِيم خَسْفاً وجهُه تَربّدا في فَيْلق كالبَحر يَجْري مُزْبدا قال ابن هشام: فقال رسولُ الله ﷺ نُصرت يا عمرو بن مالك. ثمَّ
عَرض عارضٌ من السماء فقال رسولُ الله ﷺ : إن هذه السحابة تستهلّ بنَصْر بني كعب. وقال عمر بن الخطّاب: الشعر جَزل من كلام العرب يُسكَّن به الغَيظ وتُطفأ به الثائرة ويتبلَّغ به القومُ في ناديهم وُيعطى به السائل. وقال ابنِ عبّاس: الشعر عِلْم العرب
وديوانها فتعلَّموه وعليكم بشعر الحِجاز. فأحسبه ذهب إلى شعر الحجاز وحَضَّ عليه إذ لغتهم أَوسط اللّغات. وقال معاويةُ لعبد الرحمن بن الحكم: يا بن أخي إنك شُهرت بالشعر فإياك والتشبيبَ بالنّساء فإنك تغرّ الشريفة في قومها والعفيفة في نفسها والهجاء فإنك لا تَعْدو أن تُعادي
كريماً أَو تَستثير به لئيماً. ولكن افخر بمآثر قَومك وقُل من الأمثال ما تُوَقّر به نفسك وتؤدِّب به غيرك. وسُئل مالك ابن أنس: منِ أين شاطر عمرُ بن الخطاب عُمّاله فقال أموال كثيرة ظهرت عليهم وإنّ شاعراً كتب إليه يقول: نَحجُّ إذا حَجُّوا ونَغْزو إذا
غَزَوْا فأنيَّ لهم وَفْر وَلَسنا بذي وَفْر فدونك مالَ الله حيثُ وجدتَه سَيرضَون إن شاطرتهم منك بالشَّطْر قال: فشاطرهم عُمر أموالهم. وأنشد عمر بن الخطّاب قولَ زُهير: فإن الحق مَقْطعه ثلاثٌ يَمين أو نَفارٌ أو جَلاءُ فجعل يعجب بمعرفته بمقاطع الحُقوق وتَفصيلها وإنما أراد: مَقطع
الحقوق يَمين أو حكومة أو بيِّنة. وأُنشد عُمر قول عَبَدة بن الطَّبيب: والعيشُ شح وإشفاقٌ وتَأميلُ فقال: على هذا بُنيت الدنيا. ولمّا هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة وهاجر أصحابُه مستهم وباء المدينة فمرض أبو بكر وبلال. قالت عائشة: فدخلتُ عليهما فقلت: يا أبت كيف تَجدك
ويا بِلال كيف تَجدك قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول: كُلّ امرئ مُصَبّح في أهله والموتُ أَدْنى من شرِاك نَعْلِهِ وقالت: وكان بلال إذا أَقلعت عنه يَرفع عقيرته ويقول: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتنّ ليلةً بوادٍ وحَوْلي إذْخر وجَليلُ قالت عائشة: وكان عامر
بن فُهيرة يقول: وقد رأيتُ الموتَ قبل ذَوْقه إنّ الجَبان حَتْفه مِن فَوْقه كالثَور يَحْمي جِلده برَوْقِه قالت عائشة: فجئتُ رسوله الله ﷺ فأخبرتُه. فقال: اللهم حبِّب إلينا المدينة كحُبنا مكة وأشد وصَحّحها وبارك لنا في صاعها ومُدها وأنقُل حماها فاجعلها بالجُحفة. ومن حديث البَراء
بن عازب قال: لما كان يوم حُنين رأيتُ النبيّ ﷺ والعبّاس وأبا سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وهما آخذان بِلجام بغلته وهو يقول: أنا النبيّ لا كَذِب أنا ابنُ عبد المُطّلبْ ومن حديث أبي بكر بن أبي شَيبة عن سُفيان بن عُيينة يَرفعه إلى
النبيّ ﷺ أنه لما دخل الغار نُكِبَ فقال. هل أنتِ إلا إصْبع دَمِيت في سَبيل الله ما لقيت فهذا من المَنثور الذي يُوافِق المنظوم وإن لَم يتعمد به قائله المنظوم. ومثل هذا من كلام الناس كثير يأخذه الوَزن مثلُ قول عبد مملوك لمواليه: اذهبوا بي
إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى. ومثله كثير مما يأخذه الوزن ولا يُراد به الشعر. ولا يُسمَّى قولُ النبيّ ﷺ وإن كان موزوناً شعراً لأنه لا يراد به الشّعر. ومثلُه قي أي الكتاب: " ومِن اللَّيْل فَسَبّحه وإدْبَار النُّجوم " ومنه: " وجِفَان كالجَوَاب وقُدُور راسيات
" ومثله " ويُخزْهم ويَنْصركم عليهم ويَشْفِ صدور قوم مُؤمنين " ومنه: " فَذَلكَ الَّذي يَدُعِّ اليَتيم ". ولو تطلّبت في رسائل الناس وكلامهم لوجدت فيه ما يَحتمل الوزن كثيراً ولا يُسمّى شعراً. من ذلك قولُ القائل: مَن يشتري باذنجان. تقطيعه: مستفعلن مفعولات. وهذا كثير.