الغُؤور قَلتان أو حَوْجلتا قارورِ وقال أبو زُبيد: ومن قولنا في وصف الأسد ما هو أشبه به من هذا: ولرُبّ خافقة الذَوائب قد غَدتْ مَعْقودةً بلوائه المَنْصور يَرْمِي بها الآفاق كُل شَرَ نْبَث كفّاه غيرُ مُقلَّم الأظْفورِ لَيثٌ تَطِير له القُلوبُ مخافةً مِن بين همهمة
له وزَئير وكأنما يُومي إليك بطَرفة عن جَمْرتين بجَلْمد مَنْقُور
باب من أخبار الشعراء
حَدّث دِعْبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشِّيص وأبو نُواس في مجلس فقال لهم أبو نُواس: إنّ مجلسنا هذا قد شُهر باجتماعنا فيه ولهذا اليوم ما بعده فليأت كُل واحد منكم بأحسن ما قال فَلْينشده. فأنشد أبو الشِّيص فقال: وَقف الهَوى بي حيثُ أنتِ
فليس لي متأخر عنه ولا مُتقدَّمُ أجدُ الملامةَ في هَواكِ لذيذةً حُبّاً لذِكْرك فَلْيلمني اللُّوم وأهنتِني فأهنت نفسيصاغراً ما مَن يهون عليك ممَن أُكْرِم أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبّهم إذ كان حَظِّي منك حظِّي منهمُ قال: فجعل أبو نواس يعجب من حُسن الشعر حتى ما كاد
ينقضي عَجبُه. ثم أنشد مسلم أبياتاً من شعره الذي يقول فيه: فاقسم أنْسىَ الداعياتِ إلى الصِّبا وقد فاجأتْها العينُ والسِّترُ واقعُ فغطّت بأيديها ثمارَ نُحورها كأيدي الأسرى أثقلتها الجَوَامع قال دِعبل: فقال لي أبو نُواس: هاتِ أبا عليّ وكأنّي بك قد جئتنا بأم القِلادة. فقلتُ:
يا أين الشَّبابُ وأيَّة سَلَكا أَمْ أَين يُطلب ضلَّ أم هَلَكا يا ليتَ شعري كيف صَبْرُكما يا صاحِبَيَّ إذا دَمِي سُفِكا لا تطلُبا بظُلامتي أحداً قَلبي وطَرْفي لا دَمِي اشتركا ثم سَألناه أن ينشد. فأنشد أبو نُواس: لا تَبْك هِنداً ولا تَطْرب إلى دَعْدِ واشرب
على الوَرْد من حَمراء كالوَرْدِ كأساً إذا انحدرتْ في حَلْق شاربها وجدتَ حُمرتها في العيْن والخَدّ فالخَمر ياقوتة والكأس لُؤلؤة في كَفّ جاريِة مَمشوقةَ القَدّ تَسْقيك من عَينها خَمْراً ومن يَدها خَمراً فما لكَ من سُكْرَين من بُدّ لي نَشْوتان وللندْمان واحدة شيء خُصصتُ به
من بينهم وَحْدي فقاموا كلهم فسجدوا له. فقال: أفعلتموها أعجميَّة لا كلمتُكم ثلاثاً ولا ثلاثاً ولا ثلاثاً. ثم قال: تسعة أيام في هَجر الإخوان كثير وفي هجر بعض يوم استصلاح للفساد وعُقوبة على الهَفوة. ثم التفت إلينا فقال: أعلمتم أنّ حكيماً عَتب على حكيم فكتب
المعتوبُ عليه إلى العاتب: يا أخي إنّ أيام العمر أقلُّ من أن تَحتمل الهجر محمد بن الحسن المَدِينيّ قال: أَخبرني الزبيرُ بن أبي بكرة قال: دخلت على المُعتز بالله أمير المؤمنين فسَلمتُ عليه فقال: يا أبا عبد الله إني قد قلتُ في ليلتي هذه أبياتاً
وقد أعيا عليّ إجازةُ بعضها. قلت: أنشدني. فأنشدني وكان مَحموماً: إنّي عرفتُ عِلاجَ القَلْب من وَجَع وما عرفتُ عِلاجَ الحُبّ والخُدَع جَزعتُ للحبِّ والحمَى صَبرتُ لها إني لأعجبُ من صَبري ومن جزعي مَن كان يَشغلُه عن حُبه وَجَعٌ فليس يَشغلني عن حُبكم وَجَعي قال أبو
عبد الله: فقلت: وما أملُّ حَبيبي ليلةً أبداً مع الحَبيب ويا ليتَ الحبيبَ معِي فأمر لي على البيت بألف دِينار. اجتمع الحسنُ بن هانئ وصريعُ الغواني وأبو العتاهية في مجلس بالكوفة فقيل لأبِي العتاهية: أنشدنا. فأنشد: أسيَّدتي هاتي فديتُك ما جُرْمي فانزِلَ فيما تَشْتهين من
الحُكْم كفاكِ بحَقّ الله ما قد ظَلَمْتِني فهذَا مقامُ المُسْتجير من الظُّلم وقيل لصريع الغواني: أنشدنا. فأنشأ يقول: قد اطّلعتَ على سِرِّي وإعْلاني فاذهبْ لشانِكَ ليس الجَهْلُ من شَانِي ثم قيل للحسن بن هانئ: أنشدنا فأنشد: يا بنة الشَيخ اصْبَحينا ما الذي تَنتظرِينَا قد جَرى
في عُوده الما ءُ فأجْرِي الخمر فِينا قيل: هذَا الهزل فهاتِ الجدّ. فأنشأ: لمِن طَلل عارِي المَحلّ دفينُ عفا عهدُه إلا روائمُ جُونُ كما افترقت عند المَبيت حمائمٌ غَريباتُ مُمْسىً ما لهن وُكون ديارُ التي أمّا جَنَى رَشَفاتها فحُلو وأما مسها فيَلين وما أَنْصفت أما
الشُّحوبفظاهرٌ بوَجهي وأمّا وجهها فَمَصُون فقام صريعُ الغواني يجرّ ذيلَه وخرج وهو يقول: إن هذا مجلس ما جلستُه أبداً. هشام بن عبد الملك الخُزاعيّ قال: كُنا بالرقة مع هارون الرشيد فكتب إليه صاحبُ الخَبر بموت الكِسائي وإبراهيم المَوصلي والعبَّاس ابن الأحنف في وقت واحد. فقال
لابنه المأمون: اخرج فصلّ عليهم. فخرج المأمون في وُجوه قُوّاده وأهل خاصّته وقد صُفُّوا له. فقالوا له: مَن ترى أن يُقدَّم قال: الذي يقول: يا بَعِيدَ الدار عن وَطنه هائماً يَبْكي على شَجَنِهْ قيل له: هذا وأشاروا إلى العباس بن الأحنف. فقال: قَدّموه فقُدِّم عليهم.
أبو عمرو بن العلاء قال: نزل جرير وهو مُقبل من عند هشام بن عبد الملك فبات عندي إلى الصبح فلمّا أَصْبح شَخص وخرجتُ معه أشيعه. فلما خرجنا عن أَطناب البيوت التفتَ إليّ فقال: أنشدني من قول مَجنون بني عامر قيس ابن المُلوّح فأنشدتُه: وأدنْيتِني حتى
إذا ما سَبَيْتني بقَول يُحلّ العُصْمَ سَهلَ الأباطحَ تجافيتِ عنِّي حين لا ليَ حيلة وغادرتِ ما غادرتِ بين الجَوانح فقال: والله لولا أنه لا يَحسن لشيخ مثلي الصُّراخ لصرخت صرخة يسمعها هشامٌ على سريره. وهذا من أرق الشِّعر كُله وألطفه لولا التضمين الذي فيه. والتضمين
أن يكون البيت معلّقاً بالبيت الثاني لا يتم معناه إلا به. وإنما يُحمد البيت إذا كان قائماً بنفسه. وقال العبّاسُ بن الأحنف نظير قول المجنون بلا تضمين وهو قولُه: أشكو الذين أذاقُوني مودَتهم حتى إذا أيقظوني بالهَوى رقدُوا وقال الأصمعيّ: دخلتُ على هارون الرشيد فوجدتُه
منغمساً في الفراش فقال: ما أبطأ بك يا أصمعيّ قلت: احتجمت يا أمير المؤمنين. قال: فما أكلتَ عليها قلت: سِكباجة وطَباهَجة قال: رميتَها بحَجرها. أتشرب فقلت: نعم وقلت: قال: يا مسرور أي شيء معك قال: ألف درهم. قال: ادفعها للأصمعيّ. وكان يصحب عليَّ بن داود
الهاشمي يَهوديّ ظَريف مؤنس أديب شاعر أريب فلما أراد الحَج أراد أن يَستصحبه فكتب إليه اليهودأي يقول: إنّي أعوذ بداودٍ وحُفْرته من أن أحُج بكُره يا بن داوُدِ نُبِّئتُ أنْ طريقَ الحَج مُصردة عن النَّبيذ وما عَيْشي بِتَصريدِ والله ما فيَّ من أَجر فتَطلبَه فيما
علمت ولا دِيني بمَحْمود أما أبوك فذاك الجُود يعَرِفُه وأنت أشبهُ خَلق الله بالجُود كأنّ ديباجَتَيْ خَدّيه من ذهب إذا تَعصّب في أثوابه السّود حَدّث أبو إسحاق يحيى بن محمد الحَواريّ قال: سمعتُ شيخاً من أهل البَصرة يقول: قال إبراهيم السَّويقي مولى المَهالبة: تتابعتْ عليّ
سنون ضيّقة وألحِّ عليَّ العُسر وكثرةُ العِيال وقلّة ذات اليد وكُنت مشتهراً بالشعر أقصد به الإخوان وأهلَ الأقدار وغيرَهم حَتى جفاني كُل صديق وملّني مَن كنت أقصده فأضرّني ذلك جدّاً. فبينما أنا ذات يوم جالس مع امرأتي في يوم شديد البرد إذ قالت: يا هذا
قد طال علينا الفَقر وأضرّ بنا الجهد وقد بقيتَ في بيتي كأنك زَمِن هذا مع كَثرة الولد فاخرُج عنّي واكفِني نفسك ودَعني مع هؤلاء الصبيان أقوم بهم مَرّة وأقعد بهم أخرى. وألَحّتْ عليّ في الخصومة وقالت لي: يا مشؤوم تعلمتَ صناعة لا تُجدي عليك شيئاً.
فضجرتُ منها ومِن قولها وخرجتُ على وجهي في ذلك البرد والرِّيح وليس عليَّ إلا فَرْو خَلَق ليس فوقه دِثار ولا تحته شِعار وعلى عُنقي إزار ثم جاءت ريحٌ شديدة فذهبت به عن بدني وتفرّقت أجزاؤه عني من بِلاه وكثرة رقاعه. وعلى عنقي طَيْلسان ليس عليّ
منه إلا رسمه. فخرجت والله متحيَّراً لا أدري أين أقصد ولا حيث أذهب. فبينما أنا أجِيل الفكرة إذ اخذتني سماء بقطر متدارك. فدفعت إلى دارٍ على بابها روشن مطل ودكّان نظيف وليس عليه أحد فقلت: أستتر بالروشن إلى أن يسكن المطر. فقصدت قصدَ الدار. فاذا
بجارية قاعدة قد لزمتْ باب الدار كالحافظة عليه فقالت لي: إليك يا شيخ عن بابنا. فقلت لها: ويحك لستُ بسائل ولا أنا ممن تُتخوف ناحيته. فجلست على الدّكان. فلما سكنت نفسي سمعتُ نغمة رخيمة من وراء الباب تدلّ على نغمة امرأة. فأصغيت فإذا بكلام يدل
على عِتاب. ثم سمعت نغمةً أخرى مثل ذلك وهي تقول: فعلتِ وفعلتِ. والأخرى تقول: بل أنت فعلتِ وفعلتِ. إلى أن قالت إحداهما: أنا جُعلت فداك إن كنتُ أسأتُ فاغفري واحفظي عنه أشعار ظريفة. فأنشدتْها تقول: هبيني يا مُعذِّبتي أسأتُ وبالهِجْران قَبلكُم بدأت فقالت: تها. ثم
قالت: يا أبا إسحاق ما لي أراك بهذه الهَيئة الرثّة والبزّة الخَلقة فقلت: يا مولاتي تعدَّى عليّ الدهرُ ولم يُنصفني الزمان وجفاني الإخوان وكَسدت بضاعتي. فقالت: عَزّ عليّ ذلك. وأومأت إلى الأخرى فضربت بيدها علىِ كمُها. فسلّت دملُجا من ساعدها ثم ثَنَّت باليد الأخرى فسلّت
منها دملجاً آخر. فقالت: يا أبا إسحاق خُذ هذا واقعد على الباب مكانَك وانتظر الجاريةَ تأتيك. ثم قالت: يا جارية سَكَن المطر قالت: نعم. فقامتا وخرجتا وقعدتُ مكاني. فما شعرت إلا والجارية قد وافت بمنديل فيه خمسةُ أثواب وصرّة فيها ألفُ دِرهم وقالت لي: تقول
مولاتي: أنفق هذه فإن احتجتَ فصر إلينا حتى نزيدك إن شاء الله. فأخذت ذلك وقمت وقلت في نفسي: إن ذهبت بالدملجين إلى امرأتي قالت: هذا لِبَناتي وكابرتني عليهما. فدخلت السّوقَ فبعتُهما بخمسين ديناراً وأقبلتُ. فلما فتحت الباب صاحب امرأتي وقالت: قد جئتَ أيضاً بشُؤمك! فطرحتُ