باب من أخبار المحارفين الظرفاء
منهم أبو الشمقمق الشاعر وكان أديباً طريقاً محارفاً وكان صعلوكاً متبرماً بالناس وقد لزم بيته في أطمار مسحوقة وكان إذا استفتح عليه أحد بابه خرج فينظر من فروج الباب فإن أعجبه الواقف فتح له وإلا سكت عنه. فأقبل إليه يوماً بعض إخوانه الملطفين له فدخل
عليه فلما رأى سوء حاله قال له: أبشر أبا الشمقمق فإنا روينا في بعض الحديث: إن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة. فقال: إن صح والله هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزازاً ثم أنشأ يقول: أنا في حال تعالى الله ربي أي
حال ليس لي شيء إذا قي ل لمن ذا قلت ذا لي ولقد أفلست حتى محت الشمس خيالي ولقد أفلست حتى حل أكلي لعيالي وله: أتراني أرى من الدهر يوماً لي فيه مطية غير رجلي له والعوّام ولا عقب له. وكتب يزيدُ بن عبد الملك
إلى عُمال عمرَ بن عبد العزيز: أما بعد فإن عمرَ كان مغروراً غررتموه أنتم وأصحابكم وقد رأيتُ كُتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة. فإذا أتاكم كتابي هذا فدَعُوا ما كنتم تَعرِفون من عَهده وأعيدوا الناسَ إلى طَبقتهم الأولى أخْصَبوا أم أجْدَبوا أحبُّوا أم كَرِهوا حَيُوا
أم ماتوا والسلام. أبو الحسن المَدائني قال: لما وَلي يزيدُ بن عبد الملك وجه الجيوشَ إلى يزيد بن المُهلب فعَقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وللعبّاس بن الوليد على أهل دِمشق خاصة. فقال له العباس: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قومُ إرجاف وقد
خَرجنا إليهم محاربين والأحداثُ تَحدُث فلو عهدتَ إلى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. قال: غداً إن شاء الله. وبلغ مَسلمةَ الخبرُ فأتاه فقال له: يا أميرَ المؤمنين أولاد عبد الملك أحب إليك أم أولاد الوليد قال: ولدُ عبد الملك. قال: فأخوك أحقُّ بالخلافة
أم ابنُ أخيك قال: بل أخي إذا لم يكن ولدي أحقُّ بها من ابن أخي. قال: يا أمير المؤمنين فإن ابنك لم يبلغ فبايع لهشام بن عبد الملك ولابنك الوليد من بعده. قال: غدا أن شاء الله. فلما كان من الغد بايع لهشام ولابنه الوليد
من بعده والوليدُ يومئذ ابنُ إحدى عشرة سنة. فلما انقضى أمرُ يزيدَ بن المهلَّب وأدرك الوليدُ نَدِم يزيد على استخلاف هشام فكان إذا نظر فكتب إليه هشام: إن مثلي ومثلك كما قال الأول: ومَن لم يُغمَض عينَه عنِ صديقِه وعَن بعض ما فيه يَمُتْ وهو
عاتبُ ومَن يَتتبّع جاهداً كل عَثرة يَجدْها ولا يَبقى له الدهرَ صاحب فكتب إليه يزيد: نحن مُغتفرون ما كان منك ومُكذَبون ما بلغنا عنك مع حِفْظ وصيّة أبينا عبد الملك وما حَضَّ عليه من صلاح ذات البين. وإني لأعلُم أنك كما قال مَعن بن أوس:
لَعمرك ما أدْرِي وإني لأوْجلُ علىِ أيّنا تَعْدو المنية أولُ وإني على أشياء منكَ تَريبني قديماً لذو صَفْح على ذاك مُجْمِل ستَقطع في الدُّنيا إذا ما قَطعتَني يمينَك فانظر أيّ كفِّ تبدَّل إذا سُؤْتني يوماً صفحتُ وإلى غدٍ ليَعْقُبَ يوماً منك آخَرُ مُقْبِل إذا أنتَ
لم تُنْصف أخاك وجدتَه على طَرَف الهِجْران إن كان يَعْقل ويَركبُ حدَ السيف مَن أنْ تَضِيمَه إذا لم يكن عن شَفْرة السيف مَزْحل وفي الناس إن رثّت حبالُك واصلٌ وفي الأرض عن دار القِلَى مُتحوَّل فلما جاءه الكتابُ رَحل هشام إليه: فلم يزل في جواره
إلى أن مات يزيد وهو معه يا عسكره بن بكار قال: كان يزيدُ بن عبد الملك كَلِفاً بحَبابة كلفاً شديداً فلما تُوفيت أكبّ عليها يتشمّمها أياماً حتى أنتنت فأخذ في جِهازها وخَرج بين يدي نَعشها حتى إذا بلغ القبرَ نزل فيه. فلما فَرغ من دَفنها
لصق به مَسلمة أخوه يُعزَيه ويؤنسه. فقال: قاتل الله ابنَ أبي جُمعة! كأنه كان يرى ما نحن فيه حيث يقول: فإن تَسْلُ عنكِ النفسُ أو تَدَع الهوى فباليَأس تَسْلو عنك لا بالتجلدِ وكلّ خَليل زارني فهو قائلٌ من أجْلك هذا مَيِّت اليوم أو غدِ قال:
وطُعن في جَنازتها فدفنّاه إلى سبعة عشرَ يوماً. خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان ثم بُويع هشامُ بن عبد الملك بن مَرْوان يُكنى أبا الوليد. وأمُّه أم هشام بنت هشامِ بن إسماعيل بن هشام المخزوميّ - يومَ الجمعة لخمس ليالي بَقين من شعبان سنة
خمس ومائة. ومات بالرُّصافة يوِم الأربعاء لثلاث خَلَوْن من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابنُ ثلاث وخمسين سنة. وصلّى عليه الوليدُ بن يزيد. وكانت خلافته عشرين سنة. أسماء ولد هشام بن عبد الملك معاوية وخَلف ومَسلمة ومحمد وسُليمان وسَعيد وعبدُ الله ويزيد -
وهو الأبكم - ومَروان وإبراهيم ويحيى ومُنذر وعَبد الملك والوليد وقُريش وعبد الرحمن. وكان على شُرطته كعب بن عامر العَبْسي. وعلى الرَّسائل سالم مولاه. وعلى خاتم الخلافة الرّبيعُ مولى لبني الْحريش وهو الربيع بن ساخبور. وعلى الخاتم الصغير أبو الزُّبير مولاه. وعلى ديوان الخراج والجُند
أسامة بن زيد ثم عَزله وولّى الحَثْحاث. وعلى إذنه غالبُ بن مسعود مولاه. أخبار هشام بن عبد الملك أبو الحسن المدائني قال: كان عبد الملك بن مَروان رَأى في مَنامه أنّ عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المُغيرة المَخزومي فلقَت رأسَه
فقطعتْه عشرين قطعة. فغمّه ذلك فأرسل إلى سعيد بن المُسيب فقصّها عليه. فقال سعيد: تلَد غلاماً يملك عشرِين سنة. وكانت عائشةُ أم هشام حَمْقاء فطلقها عبدُ الملك لحُمْقها وولدتْ هشاماً وهي طالق ولم يكن في ولد عَبد الملك أكملُ من هشام. قال خالدُ بن صَفوان:
دخلتُ على هشام بن عبد الملك بعد أن سَخط على خالد بن عبد الله القَسْريّ وسلّط عليه يوسفَ بن عمر عاملَه على العراق فلما دخلتُ عليه استدناني حتى كنتُ أقربَ الناس إليه فتنفّس الصُّعَداء ثم قال: يا خالد رُب خالد قعد مقعدك هذا أشهى إلىّ
حديثاً منك. فعلمتُ أنه يريد خالدَ بن عبد الله القَسرىّ فقلت: يا أمير المؤمنين أفلا تُعيده قال: هيهات إن خالداً أدلّ فأملّ وأوجف فأعجف ولم يَدع لمُراجع مَرجعاً على أنه ما سألني حاجةً قط. فقلت: يا أمير المؤمنين فلو أدْنيتَه فتفَضّلت عليه قال: هيهات! وأنشد:
إذا انصرفتْ نَفْسي عن الشيَّء لم تَكُن عليه بوَجهٍ آخرَ الدَهر تُقْبِلُ قال أصبغ بن الفَرج: لم يكن في بني مَرْوان من مُلوكها أعطرَ ولا ألبس من هشام خَرج حاجًّا فحَمل ثيابَ طُهره على ستمائة جَمل. ودَخل المدينةَ فقال لرجل: انظر مَن في المسجد. فقال:
رجل طويل أدْلمِ. قال: هذا سالمُ بن عبد اللهّ ادعه. فأتاه فقال: أجِبْ أمير المؤمنين وإن شئت أرْسِل فتُؤْتى بثيابك. فقال: ويحك! أتيتُ الله زائراً في رِداء وقَميص ولا أدخل بهما على هشام! فدخل عليه فوصله بعشرة آلاف. ثم قَدِم مكة فقَضى حجه فلما رجع
إلى المدينة قيل له: إن سالماً شديدُ الوَجع فدَخل عليه وسأله عن حاله. ومات سالمٌ فصلِّى عليه هشام وقال: ما أدْري بأي الأمرين أنا أسرّ: بحِجتي أم بصَلاتي على سالم. قال: ووقف هشامٌ يوماً قريباً من حائط فيه زَيتون له فسمع نَفْض الزيتون فقال لرجل:
انطلق إليهم فقُل لهم: التقطوه ولا تَنفُضوه فتفقئوا عُيونه وتَكسروا غصونه. وخرج هشام هارباً من الطاعون فانتهى إلى دَير فيه راهب فأدخله الراهبُ بًستانَه فجعل يَنْتقي له أطايبَ الفاكهة والبالغَ منها. فقال هشام: يا راهب هَبْني بستانَك هذا. فلم يُجبه. فقال: مالك لا تتكلِّم فقال:
وَدِدْتُ أن الناس كلَهم ماتوا غيرَك. قال: ولم قال: لعلّك أن تَشبع. فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أتسمع ما يقول قال الأبرش: بلى والله ما لقيك حر غيره. العُتبيّ قال: أنّي لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيمُ ابن محمد بن طلحة
وصاحب حَرَس هشام حتى قعدا بين يديه فقال الحَرَسي: إن أمير المؤمنين جَراني في خصومة بينه وبين إبراهيم. قال القاضي: شاهدَيك على الجراية. فقال: أتُراني قلتُ على أمير المؤمنين ما لم يقل وليس بيني وبينه إلا هذه الستارة قال: لا ولكنه لا يَثْبت الحقُّ لك
ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام فلم يَلْبث حتى قَعقعت الأبوابُ وخرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. قال: فقام القاضي فأشار إليه فقَعد وبَسط له مُصلى فقعد عليه هو وإبراهيم وكُنّا حيث نَسمع بعضَ كلامهما ويحفى علينا البعضُ. قال: فتكلّما وأحضرت البيّنة فقضى القاضي على
هشام. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخُرق فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظُلمك. فقال هشام: لقد هَممتُ أنْ أضربَك ضربةً يَنْتثر منها لحمًك عن عَظمك. قال: أما والله لئن فعلتَ لتفعلنه بشيخ كبير السن قريب القَرابة واجب الحقّ. قال له: استُرها عليّ يا إبراهيم.
قلت: لا سَتر الله عليَّ ذنبي إذاً يومَ القيامة. قال: إنّي مُعطيك عليها مائة ألف. قال إبراهيم: فسترتُها عليه طولَ حياته ثمناً لما أخذتُ منه وأذعتُها عنه بعد موته تزييناً له. وذكروا عن الهَيثم ابن عَدي قال: كان سعيدُ بن هشام بن عبد الملك عاملًا
لأبيه على حِمْص وكان يُرْمَى بالنساء والشراب فقَدِم حِمصيُّ لهشام فلقيه أبو جَعد الطائي في طريق فقال له: هل تَرى أنْ أعطيَك هذه الفرس فإني لا أعلم بمكانٍ مثلَها على أنْ تُبلِّغ هذا الكتابَ أميرَ المؤمنين ليس فيه حاجة بمسألة دينار ولا درهم فأخذها وأخذ
الكتابَ. فلما قدم على هشام سأله: ما قِصة هذه الفرس فأخبره. فقال: هاتِ الكتاب فإذا فيه: أبْلِغ إليك أميرَ المُؤمِنين فقدْ أمدَدتَنا بأميرِ ليس عِنِّينَا عَوْراً يُخالف عمراَ في حَليلتِه وعند ساحته يُسْقَىَ الطِّلا دِينا قلما قرأ الكتاب بعث إلى سَعيد فأشخصه فلما قدمِ عليه
عَلاه بالخَيْزرانة وقال: يا بن الخبيثة تَزني وأنت ابن أمير المؤمنين! ويلك! أعجزت أن تَفْجُر فجور قريش أوَ تدري ما فُجور قريش لا أم لك قتْلِ هذا وأخْذ مال هذا واللهّ لا تلي لِه عملاً حتى تموت. قال قال: فما وَلى له عملاَ حتى مات.