أكثم بن صَيفيّ وكان يُكنى أبا حَنش: إنّ الناس قد بلغهم ما قد لقينا ونحن نخاف أن يطمعوا فينا ثم مَسح بيده على قَلبه وقال: إنّي قد نَيّفت على التِّسعين وإنما قلبي بَضْعة من جِسْمي وقد نَحل كما نحل جِسْمي وإنّي أخاف أن لا يُدرك
ذهني الرأيَ لكم وأنتم قومٌ قد شاع في النّاس أمرُكم وإنما كان قوامكم أسيفاً وَعَسيفاً - يُريد العَبد والأجير - وصِرْتم اليوم إنما تَرعى لكم بناتكم فليعرض عليّ كُل رجل منكم رأيَه وما يَحْضُره فإني متى أسمع الحَزم أعرفه. فقال كُل رجل منهم ما رأى
وأكثمُ ساكتٌ لا يتكلَم حتى قام النعمان بن الحَسْحاس فقال: يا قوم انظُروا ماءَ يجمعكم ولا يعلم الناس بأيّ ماء أنتم حتى تَنفرج الحَلْقة عنكم وقد جَممتم وصلُحت أحوالُكم وانجبر كسيركم وقَوِي ضعيفُكم. ولا أعلمِ ماءً يَجمعكم إلا قِدّة فارتحلوا ونزلوا قِدَة. وهو موضع يُقال
له الكُلاب. فلما سمِع أكثم ابن صيفيّ كلام النعمان قال: هذا هو الرأي. فارتحلُوا حتى نزلوا الكُلاَب. وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم وأعلاه مما يلي اليمن وأَسفله مما يلي العراق. فنزلت سعدُ والرَّباب بأعلى الوادي ونزلتْ حَنظلة بأسفله. قال أبو عُبيدة: وكانوا لا يخافون أن
يُغْزَوا يفي القَيْظ ولا يسافر فيه أحد ولا يَستطيع أحدٌ أن يَقطع تلك الصَّحاري لبُعْد مَسافتها وليس بها ماء ولشدّة حرّها. فأقاموا بقيّة القَيظ لا يعلم أحد بمكانهم حتى إذا تَهوّر القيظ - أي ذ هب - بَعث الله ذا العَينين وهو من أهل مدينة
هَجَر فمرَّ بقِدّة وصَحرائها فرأى ما بها من النَّعم فانطلق حتى أَتىَ أهل هَجر فقال لهم: هل لكم في جارية عَذْراء ومُهرة شَوهاء وَبكْرة حَمْراء ليس دونها نَكبة فقالوا: ومَن لنا بذلك قال: تلكم تَميم ألقاء مطروحون بقِدّة. قالوا: إي والله. فمشى بعضُهم إلى بعض
وقالوا: أغتنمُوها من بني تَميم. فأَخرَجوا منهم أربعةَ أملاك يقال لهم اليَزيديّون: يزيد بن هَوْبر ويزيد بن عبد المَدَان ويزيد بن اَلمأمور ويَزيد بن المُخَرِّم وكلهم حارثيّون ومعهم عبد يغوث الحارثيّ. فكان كُل واحد منهم على أَلفين والجماعة ثمانية آلاف. فلا يعلم جيش في الجاهلية
كان أكبرَ منه ومن جيش كَسْرى يومَ ذي قَار ويوم شِعْب جَبلة. فمضَوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلةَ قال جَزْء بن جَزْء الباهليّ لابنه: يا بني كل لك في أُكْرومة لا يُصاب أبداً مثلُها قال: وما ذاك قال: هذا الحيّ من تميم قد وَلجوا هناك
مخافةً وقد قصصتُ أثرَ الجيش يريدونهم فأركب جَملي الأرْحبيّ وسِرْ سيراً رُويداً عُقْبةً من الليل - يعني ساعة - ثم حل عنه حَبْليه وأَنْخِه وتوسَّد ذراعه فإذا سمعته قد أَفاض بجرّته وبال فاستنقعتْ ثَفِناته في بَوْله فشُدّ عليه حَبْله ثم ضَعْ السوط عليه فإنك لا
تَسأل جملَك شيئاً من السَّير إلا أعطاك حتى تصبح القوم ففعل ما أمره به. قال الباهلي: فحللت بالكلاب قبل الجَيش وأنا أنظُر إلى ابن ذُكاء - يعني الصّبح - فناديتُ: يا صَباحاه! فإنهم لَيَثِبون إليّ ليسألوني مَن أنت إذ أقبل رجل منهم من بني شَقيق
على مُهر قد كان في النَّعم فنادى يا صباحاه! قد أُتي على النَّعم. ثم كَر راجعاً نحو الجيش. فلقيه عبد يغوث الحارثيّ وهو أول الرعيل فطعنه في رأس مَعدته فسبق اللبنَ الدمَ وكان قد أصطبح. فقال عبد يغوث: أطيعوني وامضُوا بالنعم وخلوا العَجائز من تميم
ساقطةً أفواهُها. قالوا: أما دون أن نَنكح بناتِهم فلا. وقال ضمرة بن لَبيد الحِماسي ثم المَذْحجي الكاهن: انظُروا إذا سُقْتم النعم فإن أتتكم الخيلُ عُصَباً العصبة تنتظر الأخرى حتى تلحق بها فإن أمر القوم هين وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضُهم بعضاً حتى يردوا
وُجوه النعم فإن أمرهم شديد. وتقدمت سعد والرباب في أوائلٍ الخَيل فالتقَوْا بالقوم فلم يَلتفتوا إليهم. واستقبلوا النعم ولم يَنتظر بعضُهم بعضاً. ورئيس الرباب النعمان بن الحَسْحاس ورئيس بني سعد قَيسُ بن عاصم. وأجمع العُلماء أن قيس بن عاصم كان رئيسَ بني تميم. فالتقى القوم
فكان أولَ صريع النعمانُ بن الحسحاس. واقتتل القومُ بقية يومهم وثبَت بعضُهم لبعض حتى حَجز الليلُ بينهم. ثم أصبحوا على راياتهم فنادى قيسُ بن عاصم: يالَسعد ونادى عبدُ يغوث: يالَسعد. قيسٌ يدعو سعدَ بنَ زيدَ مناة وعبدُ يغوث يدعو سعدَ العشيرة. فلما سمع ذلك قيسٌ
نادى: يالكعب فنادى عبدُ يغوث يالكعب. قيس يدعو كعبَ بن سعد وعبدُ يغوث يدعو كعبَ بن مالك. فلما رأى ذلك قيس نادى: يالكعب مُقاعس. فلما سمعه وَعْلة بن عبد الله الجَرْمي وكان صاحبَ لواء أهل اليمن نادى: ياَلمُقاعس تفاءل به فطَرح اللواء وكان أول من
أنهزم. فحملت عليهم بنو سعد والرباب فهزموهم. ونادى قيسُ بني عاصم: يالَتميم لا تقتلوا إلا فارساً فإن الرّجالة لكم. ثم جعل يرتجز ويقول: لما تولَّوا عُصَباً هواربَاً أقسمتُ أطعن إلاٌ راكباً إنْي وجدتُ الطعن فيهم صائباً وقال أبو عبيدة: أمر قيس بن عاصم أن يَتبعوا
المُنهزمة ويقطعوا عُرقوبَ مَن لَحِقوا ولا يَشتغلوا بقَتلهم عن اتَباعهم. فجزُوا دوابرَهم. فذلك قولُ وَعْلة: فدى لكمُ أهلي وأُميَ ووالدي غداةَ كُلاب إذ تُجز الدَوابرُ - وسنكتب هذه القصيدة على وَجهها -. وحَمى عبدُ يغوث أصحابه فلم يُوصل إلى الجانب الذي هو فيه فألظٌ به
مَصاد بن ربيعة بن الحارث. فلما لحقَه مَصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره. وكان مَصاد قد أصابته طعنة في مَأْبِضه وكان عِرْقُه يَهمي - أي يَسيل - فَعصبه وكَتفه - يعني عبدَ يغوث - ثم أردفه خلفه فنزفه الدمُ فمال عن فرسه مَقْلوباً. فلما رأى
ذلك عبدُ يغوث قطع كِتافَه وأجهز عليه وانطلق على فرسه وذلك أولَ النهار. ثم ظُفِر به بعد في آخره ونادى مُنادٍ: قُتِل اليزيديّون. وشَدٌ قَبيصة بن ضرار الضَبي على ضمرة بن لَبيد الحِماسيّ الكاهن فطَعنه فخر صريعاً. فقال له قَبيصةُ: ألا أخبرك تابعُك بمَصرعك اليوم
وأسر عبد يغوث أسره عِصمة ابن أُبير التَّيمي. قال أبو عُبيدة: انتهى عِصْمة بن أُبير إلى مَصَاد وقد أمعنوا في الطلب فوَجده صريعاً وقد كان قبل ذلك رأى عبد يَغوث أسيراً في يديه فعرف أنه هو الذي أجهز عليه فاقتصّ أثرَه فلما لحقه قال له:
ويحك! إنّي رجل أُحب الِّلبن وأنا خيرٌ لك من الفَلاة والعَطش. قال عبد يغوث: ومن أنت قال: عصمة بن أُبير. قال عبد يغوث: أوَ عندك مَنَعة قال: نعم. فألقى يدَه لا يده. فانطلق به عِصْمة حتى خَبأه عند الأهتم على أن جَعل له من فدائه
جُعلا. فوَضعه الأهتم عند امرأته العَبْشمية. فأعجبها جمالُه وكمانُا خَلْقه. وكان عِصْمة الذي أسره غلاماً نحيفاً. فقالت لعبد يغوث: مَن أنت قال: أنا سيد القوم. فضحكت وقالت: قَبَّحك الله سيّد قوم حينَ أسرك مثلُ هذا! ولذلك يقول عبد يغوث: وتَضْحك مني شيخةٌ عَبْشميّة كأنْ لم
تَريْ قَبْلي أسيراً يَمانيَا فاجتمعت الرباب إلى الأهتم فقالت: ثأرُنا عندك وقد قُتل مَصاد والنُعمان فأخرجه إلينا. فأبى الأهتم أن يُخرجه إليهم فكاد أن يكون بين الحيين الرباب وسعد فِتْنة. حتِى أقبل قيسُ بن عاصم المِنْقري فقال: أيؤتى قطع حِلف الرباب - مِن قِبَلنا وضرب
فمَه بقَوس فهَتمه فَسُمَي الأهتم. فقال الأهتم: إنما دَفعه إليّ عِصْمة بن أبير ولا أدفعه إلاّ إلى مَن دَفعه إليّ فليجئ فليأخذه فأتوْا عِصْمة فقالوا: يا عصمة قُتل سيدنا النعمان وفارسنا مَصاد وثأرنا أسيرُك وفي يدك فما ينبغي لك أن تَسْتحييه. فقال: إني مُمْحل وقد
أصبت الغِنى في نفسي ولا تَطيب نفسي عن أسيري. فاشتراه بنو الحَسْحاس بمائة بعير - وقال رُؤبة بن العجَّاج: بل أرضوه بثلاثين من حواشي النَّعم - فدفعه إليهم فخَشُوا أن يهجوهم فشدُّوا على لسانه نِسْعة. فقال: إنكم قاتلي ولابد فَدعُوني أذُم أصحابي وأنوح على نفسي.
فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تَهجوَنا. فعقد لهم ألا يفعل. فأطلقوا لسانَه وأمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها: ألم تَعْلما أنّ الملامةَ نَفعها قليل وما لوْمِي أخِي مِن شِمَاليا فيا راكباً إمَّا عَرضْتَ فبلَغنْ نَدامايَ من نَجْران أن لا تَلاقيا أبا كَرب والأيْهمين كليهما وقيس
بأعلى حَضرموتِ اليمانيا جَزى الله قومي بالكُلاب مَلامة صَريحَهم والآخِرين المَواليا ولو شئتُ بَحَّتنى من القوم نَهدة ترى خلفها الجُرد الجياد تَواليا ولكنًني أحمِي ذِمارَ أبيكمِ وكاد الرِّماح يَخْتطفْن المُحاميا أحقَّاً عبادَ الله أنْ لستُ سَامِعاً نَشيدَ الرِّعاء المُعزِبين المَتاليا أقولُ وقد شَدُّوا لساني بنِسْعة
أمَعشَر تَيْم أَطْلِقوا عَن لِسانيا وتَضْحك منِّي شيخةٌ عبشمية كَأَنْ لم تَرَيْ قَبْلي أسيراً يمانياً أمعشَر تَيْم قد مَلكتم فأَسْجِحوا فإنَّ أخاكم لم يكن من بَوائيا وقد عَلمتْ عِرْسي مُليكةُ أنَّني أنا الليثُ مَعْدوَاً عليه وعاديا وقد كنتُ نحّارَ الجَزور ومُعْمل اْلمط ي وأمضي حيث
لا حي ماضيا كأنِّيَ لم أرْكب جواداً ولم أقُلْ لِخَيْليَ كرّي قاتِليعن رِجالِيا ولم أَسْبَأ الزِّقّ الرَّوِيّ ولم أقُلْ لأيْساَرِ صِدْقِ أَعْظِموا ضوْءَ نارِيا قال أبو عُبيدة: فلِما ضُربِت عنقه قالت ابنةُ مَصاد: بؤ بمَصَاد. فقال بنو النعمان: يا لَكاع نحن نشتريه بأموالنا ويبوء بمَصاد!