ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 19 من 86

العقد الفريد — الجزء الرابع

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 19 من 861,785 كلمة في هذا الجزء

أنه أرِق ليلة وبَعُد عنه نومُه وجَعل يَتململ على فراشه فقلت: اصلح الله الأمير إني أراك متململاً وقد زال النومُ عنك فلم أدْرِ ما عَرض لك قال: ويحك! إني سمعتُ نائحة هذه الليلة وقاضينا مريض فما أراه إِلا قد قَضي نحبه وأين لنا بمثله ومَن

يقوم للرعية مَقامه ثم إن القاضي مات واستقضى الحكمُ بعده سعيدَ ابن بَشير. فكان أقصدَ الناس إلى حق أخذهم بعَدل وأبعَدهم من هوى وأنفذَهم لحُكم. رَفع إليه رجلٌ من أهل كُورة جَيَّان أنّ عاملاً للحَكم اغتصبه جاريةً وعَمِل في تَصْييرها إلى الحَكم فوقعت من قَلبه

كلَّ موقع وأن الرجل أثبتَ أمرَه عند القاضي وأتاه ببيّنة وشُهود يَشْهدون على مَعْرفة ما تظلم منه وعلى عَين الجارية ومَعْرفتهم بها. وأوجبت البيّنةُ أن تحضر الجارية واستأذن القاضي على الحَكم فأذِن له فلما دخل عليه قال: إنه لا يتم عَدْل في العامّة دون إِفاضته

في الخاصَّة وحَكى له أمرَ الجارية وخَيّره في إبرازها إليه. أو عَزْله عن القضاء. فقال له: ألا أدْعوك إلى خير من ذلك تَبتاع الجارية من صاحبها بأنفس ثمن وأبلغ ما يسأله فيها. فقال: إنَّ الشَهودَ قد شَخصوا من كُورة جَيان يَطلبون الحق في مظانّه فلما

صاروا ببابِك تَصرْفهم دون إنفاذ الحقّ لأهله ولعلّ قائلاً أن يقول: باعَ ما يملك بيعَ مُقتسَر على أمْره. فلما رأى عَزْمه أمَر بإخراج الجارية من قَصرِه وشهِد الشَّهودُ على عَيْنها وقَضى بها لصاحبها. وكان سعيدُ بن بَشير القاضي إذا خَرج إلى المسجد أو جَلس في

مَجلس الحُكم جلس في رِداء مُعَصفر وشعر مُفَرق إلى شَحْمة أذنيه فإذا طُلب ما عنده وُجد أوْرعَ الناس وأفضلهم. وكانت للحكم ألف فَرس مَرْبوطة بباب قَصره على جانب النَهر عليها عَشرة عُرفاء تحت يدِ كل عَريف منها مائةُ فرس لا تُندب ولا تَبْرح فإذا بلغه

عن ثائر في طَرفٍ من أطرافه عاجَله قبل استحكام أمره فلا يَشعر حتى يحاط به. وأتاه الخبر: أن جابرَ بنَ لَبيد يُحاصر جيّان وهو يَلْعب بالصولجانِ في الجِسرِ.

فدكا بعَريف من أولئك العُرفاء فأشار إليه أن يخرج مَن تحت يده إلى جابر بن لبيد ثم فَعل مثلَ ذلك بأصحابه من العرفاء. فلم يَشْعر ابنُ لَبيد حتى تساقطوا عليه مُتساوين فلما رأى ذلك عدوُّه سُقط في أيديهم وظَنّوا أن الدنيا قد حُشرت لديهم فولّوا

مُدبرين. وقال الحَكم يوم الهيجاء بعد وقعةِ الرَّبض: رأبت صُدوعَ الأرْض بالسَّيف راقعاً وقِدْماً رأبتُ الشَّعب مُذ كُنتُ يافعَا فسائلْ ثُغوري هل بها اليوم ثُغْرةٌ أبادِرُها مُسْتنْضيَ الصيف دارِعا وشافِه علىِ أرْض الفَضاء جَماجماً كأقحاف شِرْيان الهَبيد لَوَامِعا تنبئْك أني لم أكن عن قراعهم بوانٍ

وأني كنت بالسيف قارعا ولما تَساقَينا سِجال حُروبنا سَقَيتُهم يسُمًا من المَوت ناقِعا وهل زِدْت أنْ وَفَّيتُهم صاعَ قَرْضهم فوافَوْا مَنايا قُذَرت ومَصارعا قال عثمانُ بن المُثنى المؤدَب: قَدم علينا عباس بن ناصح من الجَزيرة أيامَ الأمير عبد الرحمن بن الحكم فاستنشدني شِعْرَ الحَكم فأنشدْتُه

فلما انتهيتُ إلى قوله: هل زِدْت أن وَفيتهم صاعَ قَرْضهم قال: لو جوثي الحكم في حُكومة لأهل الربض لقام بعُذره هذا البيت. عبد الرحمن بن الحكم ثم ولي بعده عبدُ الرحمن بن الحَكم أندى الناس كَفَاً وأكرمُهم عَطفاً وأوسعُهم فَضْلاً في ذي الحجَّة سنة لسِتٍّ

ومائتين فمَلك إحدى وثلاثين سنة وخمسةَ أشهر. ومات ليلةَ الخميس لثلاث خَلَون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين وهو ابن اثنتين وستِّين سنة وكتب إليه بعضُ عُماله يسأله عملاً رفيعاً لم يكن مِن شاكلته فَوقع في أسفل كتابه: مَن لم يُصِبْ وَجْهَ مَطلَبه

كان الحِرمان أولى به. محمد بن عبد الرحمن ثم ولي المُلكَ محمدُ بن عبد الرحمن يومَ الخميس لثلاث من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين فملك أربعاً وثلاثين سنة وتُوفي يومَ الجمعة مُستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين وهو ابنُ سبع وستين سنة.

وكتب عبد الرحمن بن الشَّمر إلى الأمير محمد بن عبدِ الرحمن في حياة أبيه عبد الرحمن وكان يتجنّب الوُقوف ببابه مخافةَ نصر الفَتى فلما مات نصرٌ كتب ابنُ الشَمِر هذه الأبياتَ إلى محمد يقوله فيها: لئن غابَ وَجْهي عنكَ إنَّ مَودَّتي لشاهدة في كلِّ يومٍ

تُسَلّمُ ولم يَسْتطل إلّا بكم وبعزّكم ولا يَنبغي أن يُمْنح العِز َّمُجرم فمكّنتموه فاستطال عليكُم وكادت بنا نيرانُه تتضرَّم كذلك كَلْب السَّوء إنْ يشبع انبَرى لمُشْبعه مستشلياً يَترمرم فجَمِّع إخواناً لُصوصاً أرذالاً ومَنَاهُم أنْ يَقْتُلونا ويَغْنموا رأى بأمين الله سًقماً فَغَرَّه ولم يَك يَدْري أنه

يتقدَّم فَنَحْمد ربًّا سَرَّنا بهلاكه فما زال بالإحْسان والطَّول يُنْعم أراد يكَيد الله نصْرٌ فكاده ولله كَيْد يَغلب الكَيْدَ مُبرَم بَكى الكًفرُ والشيطانُ نصراً فأعوَلا كما ضحِكَت شوقاً إليه جَهنم وكانت له في كُل شهرٍ جِبايةٌ جِباية آلافٍ تُعَد

وتُختَم فهل حائطُ الإسلام يَوماً يسومهم بما اجترموا يوماً عليه وأقدموا وُينْهبنا أموالَهم وهو فاعل فإنّي أرى الدُنيا له تَتبسَّم ألا أَيها الناسُ اسمعوا قولَ ناصحٍ حريص عليكم مُشفِق وتَفهَّموا محمد ُنُورٌ يُستضاء بوَجهه وسَيْفٌ بكف الله ماضٍ مُصمّم فكونُوا له مثلَ البَنين يَكنْ لكم

أباً حدِباً في الرُحْم بل هو أرحم ألستَ المُرَجى من أميّة والذي له المَجْدُ منها الأتلدُ المُتَقدّم وأنتَ لأهل الخَير رَوحٌ ورَحمة نَعَمْ ولأهلِ الشَرِّ صاب وعَلقَم وحدَّث بَقّي بن محمد الفَقيه قال: ما كلمتُ أحداَ من المُلوك أكملَ عقلاً ولا أبلغ لَفظاً من الأمير

محمد دخلتُ عليه يوماً في مجلس خلافته فافتتح الكلامَ فحَمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثم ذَكر الخُلفاء خليفةً خليفَةَ فحكى كلَّ واحد منهم بحِلْيته ونَعْته ووصفه وذكر مآثرَه ومَناقبه بأفْصح لسان وأبْين بَيان حتى انتهى إلى نَفسه فسَكت. وخَرج الأميرُ محمد يوماً

متنزهاً إلى الرُّصافة ومعه هاشمُ بن عبد العزيز فكان بها صدَر نَهاره على لذَّته فلما أمسى واختلط الظلامُ رجع مُنصرفاً إلى القَصر وبه اختلاط فأخبَرني مَن سَمعه وهاشم يقول له: يا سيدي يا بن الخلائف ما أطيبَ الدُّنيا لولا. قال له: لولا ماذا قال: لولا

الموت. قال له: يا بن اللَّخناء لَحنت في كلامك وهل مَلكنا هذا المُلك الذي نحن فيه إلا بالموت ولولا المَوت ما مَلَكناه أبداً.

وكان الأميرُ محمد غَزَّاءً لأهل الشِّرك والخلاف وربما أوْغل في بلاد العدو السِّتة الأشهر أو أكثر يَحرق ويَنْسف وله في العدو وَقيعة وادي سَليط وهي من أمهات الوقائع لم يُعرف مثلُها في الأندلس قبلها وفيها يقول عبّاس بنُ فرناس وشعرُه يَكفينا من صِفتها: إذا أومضت

فيه الصَّوارمُ خِلتَها بُروقَاً تَراءَى في الجَهام وتَسْتَخْفي كأنّ ذُرى الأعلام في سَيلانه قَراقير يَمٍّ قد عَجَزن عن القَذْف وإن طَحنت أركانُه كان قُطبُها حِجَى مَلك نَجدٍ شمائلُه عَفِّ سَمِى خِتام الأنبياءِ مُحمَّد إذا وُصف الأملاكُ جَل عن الوصْف فمن أجْله يومَ الثُّلاثاء غُدوةً وقد

نَقض الإصْباح عَقْد عُرى السَّجف بَكى جبلاً وادي سَليط فأعولا على النَّفر العُبْدان والغصْبة الغُلف دعاهم صريخ الحَيْن فاجتمعوا له كما اجتمع الجُعلان للبَعْر في قُفّ فما كان إلا أنْ رماهم ببَعضها فولوا على أعْقابِ مهْزومة كًشف كأنّ مساعيرَ المَوالي عليهُم شواهينُ جادت للغَرانيقٍ بالنَسْف

بنَفسي تنانير الوغَى حينَ صُفِّفت إلى الجَبَلِ المَشْحون صفّا على صَفِّ يقول ابنُ يليوسِ لموسى وقد وَنى أرى المَوت قُدّامي وتَحْتي ومِن خَلْفي قتَلناهُم ألفاً وألْفاً ومثلَها وألفاً وألفاً بعد ألفٍ إلى ألف المنذر بن محمد ثم ولي المنذرُ بن محمد يوم الأحد لثلاث خلون

من ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ومات يومَ السبت في غَزاة له على بُبَشتر لثلاثَ عشرةَ بقيت من صَفر سنة خمس وسبعين ومائتين وهو ابنُ ستٍّ وأربعين سنة.

وكان أشدَّ الناس شَكيمة وأمضاهم عزيمة. ولما ولي المُلك بَعث إِليه أهلُ طُليطلة بجبايتهمِ كاملةً فردّها عليهم وقال: استعينوا بها في حَرْبكم فأنا سائر إِليكم إن شاء الله. ثم غزا إلى المارق المرتدّ عمر بن حَفْصون وهو بِحصْن قامره فأحْدق به وبخَيله ورَجْله فلم يجد

الفاسقُ مَنفذاً ولا متنفساً فأعمل الحيلة ولاذ بالمكر والخديعة وأظهر الإتابة والإجابة وأن يكون من مُستوطني قُرطبة بأهله وولده وسأل إلحاق أولاده في الموالي. فأجابه الأمير إلى كل ما سأل وكتب لهم الأمانات وقُطعت لأولاده الثياب وخُرزت لهم الخِفاف ثم سأل مائةَ بغل يَحمل عليها

ما لَه ومتاعه إلى قُرطبة فأمر الأمير بها. وطُلبت البغال ومَضت إلى بُبَشْتَر وعليها عشرة من العرفاء وانحلّ العسكرُ عن الحِصن بعضَ الانحلال وعكف القاضيِ وجماعة من الفقهاء على تمام الصُّلح فيما حَسبوا. فلما رأى الفاسق الفُرصةَ انتهزها ففسق ليلاً وخَرج فلقي العُرفاء بالبغال فقَتلهم