صباحاه. فركبتْ بنو ضبة وتداعت بنو تميم فتلاحقوا بالنقا. فقال عاصمُ بن خَليفة لرجل من فُرسان قومه: أيهم رئيس القوم قال: حاميتهم صاحبُ الفرس الأدهم - يعني بِسْطاماً - فعلا عاصمٌ عليه بالرمح فعارضه حتى إذا كان بحذائه رَمى بالقوس وجمعَ يَديه في رُمحه فطَعنه
فلم تخطئ صِماخَ أذنه حتى خرج الرمحُ من الناحية الأخرى وخَر على الألاءة - والألاءة: شجرة - فلما رأى ذلك بنو شَيبان خلُوا سبيل بن مَسعود أخا بِسطام في سِبعين من بني شَيبان. فقال ابنُ عَنَمة الضبي: وهو مجاور يومئذ في بني شَيبان يرثي بسطاماً
وخاف أن يقتلوه فقال: لأمَ الأرْض ويلٌ ما أجنَتْ بحيثُ أضَرَ بالحَسَن السَّبيل يقسِّم مالَه فينا ويَدْعو أبا الصَّهباء إذ جَنح الأصيل كأنكِ لم تَرَيْه ولن نراه تَخب به عُذَافِرةٌ ذَمُول حَقِيبة رَحْلها بَدنٌ وسَرْج تُعَارِضها مُرببة دَءُول لكَ المِرْباع منها والصَّفَايا وحُكْمُك والنَشيطةُ والفُضول
لقد ضَمِنت بنو زيد بن عمرو ولا يُوفِي ببسطام قَتِيل فخر على الآلاءة لم يوسد كأن جَبينه سيفٌ صَقِيل فإن تَجزع عليه بنو أبيه فقد فُجعوا وحل بهم جليل بمِطْعام إذا الأشوالُ راحت إلى الحَجَرات ليس لها فَصيل وقال شَمعلة بن الأخضر بن هُبيرة: ويم
شقائق الحَسَنَيْن لاقتْ بنو شَيبان آجالاً قِصارا شَكَكْنا بالرِّماح وهُن زُور صِمَاخي كَبْشهم حتى استدارا وأَوْجزناه أسمرَ ذا كُعوب يُشبّه طولُه مَسداً مُغَارا وقال مُحرز بن المُكَعبر الضَّبي: أطلقت من شَيبان سبعينَ راكباً فآبوا جميعاً كلّهم ليس يَشْكُر إذا كنتَ في أَفْناء شَيبان مُنعِماً فجُزّ
اللِّحى إنّ النّواصيَ تَكْفُر فلا شُكرَهم أَبغِي إذا كنتُ مُنعِماً ولا وُدَّهم في آخر الدَّهر أُضْمِر أيام بكر على تميم يوم الزُّويرين قال أبو عُبيدة: كانت بكر بن وائل تَنتجِع أرضَ تميم في الجاهليَّة تَرعى بها إذا أجدبوا. فإذا أرادوا الرُّجوع لم يَدعوا عورة يُصيبونها
ولا شيئاً يَظفرون به إلا اكتسحوه. فقالت بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رَعْي أرضكم وما يأتون إليكِم. فَحُشدت تميم وحُشدت بكر واجتمعت فلم يتخلّف منهم إلاّ الحَوافزان ابن شريك في أناس من بني ذُهل بن شَيبان وكان غازياً. فقدّمتْ بكرُ عليهم عَمراً الأصمّ أبا
مَفْروق - قال: وهو عمرو بن قيس بن مَسعود أبو عمرو ابن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - فحسد سائرُ ربيعة الأصمّ على الرِّياسة فأتوه فقالوا: يا أبا مَفْروق إنا قد زَحفنا لتميم وزَحفوا لنا أكثرَ ما كنا وكانوا قطُّ. قالت: فما تريدون قالوا:
نُريد أن نجعل كُل حيّ على حَياله ونَجعل عليهم رجلاً منهم فَنعْرفَ غناء كل قبيلة فإنه أشدُ لاجتهاد الناس. قال: والله إني لأبغض الخلافَ عليكم ولكن يأتي مَفْروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مَفروق شاوره أبوه - وذلك أول يوم ذُكر فيه مَفروق بن عمرو
- فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا وإنما أرادوا أن يَخْدعوك عن رأيك وحَسدوك على رِياستك والله لئن لقيتَ القومَ فظفرتَ لا يزال الفضلُ لنا بذلك أبداً ولئن ظُفِر بك لا تزال لنا رياسة نُعرف بها. فقال الأصم: يا قوم قد استشرتُ مَفروقاً فرأيتُه مخالِفاً
لكم ولستُ مخالفاً رأيه وما أشار به. فأقبلتْ تميم بجمَلين مجللَين مقرونين مُقيَّدين وقالوا: لا نُولي حتى يُولّي هذان الجملان وهما الرُّوَيْران. فأَخبرت بكر بقولهم الأصم. وأنا زُوَيركم إن حَشُّوهما فحُشوني وإن عقروهما فاعقِروني. قال: والتقى القومُ فاقتتلوا قتالاً شديداً. قال: وأَسرت بنو تميم حَرَّاث
بن مالك أخا مُرة بن هَمام فركَض به رجل منهم وقد أردَفه وأتبعه ابنُه قتادة بن حَرَّاث حتى لحق الفارسَ الذي أسر أباه فطَعنه فأراده عن فرسه واستنقذ أباه. ثم استحرّ بين الفريقين القتالُ فانهزمت بنو تميم فقُتل مِنهم مَقتلة عظيمة فممن قُتل قُتل منهم:
أبو الرئيس النَّهشلي. وأخذت بكر الزّويرين أخذتهما بنو سَدوس بن شَيبان بن ذُهل بن ثعلبة فنحروا أحدَهما فأكلوه واقتحلوا الآخر وكان نَجِيباً فقال رجل من بني سَدوس: يا سَلْم إن تَسْألي عنّا فلا كُشُفٌ عنا اللِّقاء ولسنا بالمَقارِيفِ نحن الذين هَزَمْنا يوم صبَّحنا جيشَ الزُّوَيْرين
في جَمع الأَحاليف ظلُوا وظَلْنا نَكُرّ الخيلَ وَسْطَهمُ بالشِّيب منّا وبالمُرْد الغَطاريف وقال الأغلب بن جُشَم العِجْليّ: فكر بالسيف الرُّمح انحطم كهِمَّةَ اللَيث إذا ما الليثُ هَمّ كانت تميمُ معشراً ذوي كَرَم مُخلِصة من الغَلاصم العظم قد نَفخوا لو يَنفُخون في فَحَمْ وصَبروا لو صبروا
على أمَمْ إذ ركبتْ ضَبة أعجازَ النَّعم فلم تَدَع ساقاً لها ولا قَدَم يوم الشَّيِّطين لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: لما ظَهر الإسلامُ قبل أن يُسلم أهلُ نجد والعراق سارت بكر بن وائل إلى السوِاد وقالت: نغير على تميم بالشيطين فإن في دِين ابن
عبد المطلب إنه مَن قَتل نفساً قُتل بها. فنُغير هذا العام ثم نُسلم عليها. فارتحلوا مِن لَعلع بالذّراري والأموال فأتوا الشّيطين في أَربع وبينهما مسيرةً ثمان أميال فسَبقوا كُلّ خبر حتى صبَّحوهم وهم ولا يشعرون ورئيسُهمٍ يومئذ بشرُ بن مَسعود بن قيس بن خالد بن
ذي الجَدّين فقَتلوا بني تميم قتلاً ذريعاً وأخذوا أموالَهم. واستحرّ القتلُ في بني العَنبر وبني ضَبَّة وبني يَربوع دون بني مالك بن حَنظلة. قال أبو عُبيدة: حَدَّثنا أو الحَمناء العَنبريّ قال: قُتل من بني تميم يوم الشَيطين ولعلع ستمُّائة رجل. قال: فوفد وفدُ بني تميم
على النبي ﷺ فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل. فأبى رسولُ الله ﷺ . فقال رُشيد بن رُمَيْض العنبريّ: وما كان بين الشَّيِّطين ولَعْلع لِنسْوتنا إلا مراجِعُ أربُع فجئْنا بجَمْع لم يرَ الناسُ مثلَه يكاد له ظَهْر الوريعة يَظْلَع بِأَرعن دَهْم تُنْشَد البلقُ وَسْطَه
له عارضٌ فيه الأسنةُ تَلمع صَبحنا به سعداً وعَمراً ومالكاً فكان لهم يومٌ من الشرّ أشنع فخلّوا لنا صَحْن العِراق فإنّه حَمِىً منهم لا يستطاع مُمنع يوم صَعْفُوق لبكر على تميم أغارت بنو أبي ربيعة على بني سَليط بن يَرْبوع يوم صَعْفوق فأصابوا منهم أَسرى.
فأتى طريفُ بن تميم العَنبري فروةَ بن مَسعود وهو يومئذ سيدُ بني أبي ربيعة ففدَى منهم أَسرى بني سَليط ورَهنهم ابنه. فأبطأ عليهم فقَتلوا ابنَه فقال: لا تَأْمننّ سُلَيمى أنْ أُفارقَها صرمى الظعائن بعد اليوم صَعْفوق يوم مبايض لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: كانت
الفُرسان إذا كانت أيامُ عُكاظ في الشهر الحرام وأَمن بعضهم بعضاً تقنّعوا كيلا يُعرفوا وكان طَريف بن تميم العَنْبري لا يتقنع كما يتَقنِّعون فوافى عُكاظَ وقد كشفت بكر بن وائل وكان طريفُ قد قتل شَراحيل الشَيباني أحد بني عمرو بن أبي ربيعة بن ذُهل بن
شيبان. فقال حَصِيصه: أروني طريفاً. فأروه إياه. فجعل كُلّما مرّ به تأمَله ونَظر إليه ففَطِن طَريف فقال: مالك تنظر إليِّ فقال: أتوسّمك لأعرفك. فلله علي إن لَقِيتُك أن أقتلكَ أو تَقْتلني. فقال طريف في ذلك: أَوَ كُلما وردتْ عُكاظَ قَبيلةٌ بَعثوا إلي عريفَهم يتوسَّم فتوسموني
إنّني أنا ذلكم شاكِي سلاحي في الحوادث مُعْلَم تحتي الأغر وفوق جِلْدي نَثْرةٌ زَغف تَردُ السيفَ وهو مُثَلّم حولي أُسَيِّدُ والهجيم ومازنٌ وإذا حللتُ فحولَ بيتيَ خَضَم قال: فمضى لذلك ما شاء الله. ثم إنّ بني عائذة حُلفاء بني أبي ربيعة بن ذهل بن أبي
شيبان. وهم يزعمون أنهم من قريش وأن عائذة ابنُ لُؤي بن غالب - خرج منهم رجلان يَصِيدان فعَرض لهما رجل من بني شَيبان فذَعر عليهما صيدَهما فوثبا عليه فقتلاه. فثارت بنو مُرّة بن ذهل بن شَيبان يريدون قَتلهما. فأبت بنو أبي ربيعة عليهم ذلك. فقال
هانئ بن مَسعود: يا بني أبي ربيعة إن إخوتَكم قد أرادوا ظُلمكم فانمازوا عنهم. قال: ففارقوهم وساروا حتى نَزلوا بمُبايض ماء - ومُبايض: عَلَم من وراء الدهناء - فأَبق عبدٌ لرجل من بني أبي ربيعة فسار إلى بلاد تَميم فأخبرهم أنّ حيَاً جديداً من بني
بكر بن وائل نُزول على مُبايض وهم بنو أبي ربيعة أو الحيّ الجديد المُنتقى من قومه. فقال طَريف العَنبريّ: هؤلاء ثأرى يا آل تَميم إنما هم أَكَلة رأس. وأقبلَ في بني عمرو بن تميم وأقبل معه أبو الجَدْعاء أحد بني طُهيَّة وجاءَه فَدكيُّ بن أَعْبد
المِنْقري في جَمْع من بني سعد بن زيد مَناة فنَذِرت بهم بنو أبي ربيعة فانحاز بهم هانئ بن مَسعود وهو رئيسهم إلى عَلَم مُبايض فأقاموا عليه. وشرَّقوا بالأموال والسرح وصَبّحتهم بنو تميم. فقال لهم طَريف: أطيعوني وافرغُوا من هؤلاء الأكلب يَصْفُ لكم ما وراءهم. فقال
له أبو الجدعاء رئيس بني حَنظلة وفدكيّ رئيسُ سعد بن زيد مناة: أُنُقاتل أكْلباً أحرزوا نفوسهم ونترك أموالهم ما هذا برأي وأبوا عليه. فقال هانئ لأصحابه: لا يُقاتل رجل منكم. ولحقت تميم بالنَّعم والبغال فأغاروا عليها. فلمّا ملئوا أيديهم منِ الغَنيمة قال هانئ بن مسعود