شاركك في النِّعمة شرُكاؤك في المُصِيبة. أَخذه الشاعر فقال: وإنَ أوْلى الموالي أن تُوَاسِيه عند السُّرُور لمن آساك في الحزَن إنّ الكِرام إذا ما أسْهلُوا ذَكَروا مَن كان يَألَفهم في المَنْزِل الخَشِن وقال حَبِيب: قَبَح الإلهُ عداوةً لا تُتّقى ومَودَّةً يُدْلَى بها لا تَنْفَعُ فضل
العشيرة قال عليّ بنُ أبي طالب رضي اللهّ عنه: عشيرةُ الرجل خيرٌ للرجل من الرجل للعَشِيرة إن كَفَّ عنهم يداً واحدة كَفُّوا عنه أيدياً كثيرة مع مودَّتهم وحِفَاظهم ونُصْرتهم. إنِّ الرجل لَيَغْضَب للرجل لا يَعْرفه إلا بِنسَبه وسأتْلُو عليكمِ في ذلك آياتٍ من كِتاب اللهّ
" تعالى " قال اللهّ عزّ وجلّ فيما حكاه عن لُوط: " لَوْ أنَّ لِي بِكُم قُوّة أَوْ آوِى إلى رُكْن شَدِيد "! يعني العشيرة ولم يكن للوط عَشيرة: فوالذي نفسيِ بيده ما بعث الله نبيًّا من بعده إلا في ثَرْوَة من قومه ومَنعة من
عَشِيرته ثم ذكر شُعيباَ إذ قال له قومُه: " إنَّا لَنَرَاكَ فِينا ضعِيفاً ولَوْلا رَهطك لَرَجَمْناكَ " وكان مَكْفوفاً والله ما هابُوا " الله ولا هابوا " إلا عشيرتَه. وقبل لِبُزُرْجمْهِر: ما تقول في ابن العم قال: هو عدوُّك وعدوُّ عدوّك. الدَّين مِن حَدِيث عائشة
عن النبي ﷺ أنه قال: الدَّيْنُ يَنْقُص ذا الحَسب. وقال عمر " ألا إنّ " لأسَيْفع أُسَيْفِع جُهينة رَضي مِن دِينه وأمانته أن يُقال: سَبق الحاج ألا وإنه قد أدان مُعرِضاَ وأصبح قدرِين به فمن كان له عِنْده شيء فلْيأْتنا بالغداة وقال مولَى قُضاعة: فلو
كنتُ مولىَ قَيْس غَيْلانَ لم تَجد علي لإنْسان من الناس دِرْهَما ولكنَّني مولَى قُضاعة كُلِّها فلستُ أبالي أن أدينَ وتَغرَما وقال آخر: إذا ما قضيْتَ الدَّينَ بالدَين لم يكُن قَضاءَ ولكِن كان غًرْماً على غُرْم وقال سُفيان الثوريّ: الدَّين هَمٌ باللًيل وذُلٌ بالنهار فإذا أراد
الله أن يُذِلَ عَبداً جَعله قِلادة في عُنقه. ورأى عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً مُتقنِّعاً فقال له: كان لقمان الحكيم يِقول: القِنَاع رِيبةٌ بالليل ذُلٌّ بالنهار فقال الرجلُ: إنّ لُقمان الحكيم لم يكن عليه دين. وقال المقنع الكِنْديّ: يَعِيبونني بالدَين قَومي وإنما تَداينتُ
في أشياء تُكْسِبهم حَمْدا إذا أكلوا لَحْمي وَفَرتُ لحومهم وإن هدَمُوا مَجْدِي بنيتُ لهم مَجْدَا وقالت الحكماء: لَيس لكَذّاب مُرُوءة. وقالوا: مَن عُرف بالكَذِب لم يَجُزْ صِدْقه. وقال النبي ﷺ : لا يجوز الكَذِب في جِدّ ولا هَزْل. وقال: لا يكون المؤمن كَذّاباً. وقال عبد
الله بن عُمر: خُلْف الوَعْدِ ثُلُث النِّفاق. وقال حبيب الطائيِّ في عَيّاش: يا أكثر الناس وَعْداَ حَشْوُه خُلْفٌ وأكثر الناس قولاً حَشْوُه كَذِبُ ومن قولنا في هذا المعنى: صَحِيفةٌ أفنيتْ ليتٌ بها وعسى عُنْوانها راحةُ الرِّاجي إذا يَئسَا وَعْدٌ له هاجسٌ في القَلْب قد بَرِمتْ
أحشاءُ صَدْري به من طول ما آنحبسا مواعدٌ غَرَّني منها وَمِيضُ سَنَى حتى مَددْتُ أيها الكًفّ مقْتَبِسا فَصادفتْ حجَراً لو كنتَ تَضْرِبه مِن لُؤْمه بعَصَا مُوسى لما آنْبَجَسا كأنما صِيغ من بُخل ومن كَذِب فكان ذاكَ له رُوحا وذا نَفَسا والقول به اعلم أنّ السامع
شريك القائل في الشَر. قال الله " تعالى ": " سماعُونَ لِلْكَذِب ". وقال العُتبي: حَدّثني أبي عن سَعد القصير قال: نَظر إليَّ عمرو بن عُتبة ورجل يَشْتُم رجلاً بين يديّ فقال لي ويلك - وما قال لي ويلك قبْلها - نَزَه سَمْعك عن استماع
الخَنا كما تُنزِّه لِسانَك عن الكلام به فإنّ السامعَ شريكُ القائل وإنه عَمد إلى شرِّ ما في وعائه فأفرغه في وِعائك ولو رُدَّت كلمة جاهل في فِيهِ لَسَعِدَ رادُّها كما شَقي قائُلها.
باب في الغلو في الدِّين
توّفِّي رجل في عَهد عمرَ بن ذَرّ ممن أسرَف على نفسه في الذنوب وجاوَزَ في الطُّغيان فتَحَامَى الناسُ عن جِنازته فحضرَها عمرُ بن ذرّ وصلّى عليه فلما أدْلٍيَ في قبره قال: يَرْحمك الله أبا فُلان صَحِبْت عُمْرك بالتوحيد وعَفَّرت وجهك لله بالسُّجود فإن قالوا مُذْنِب
وذو خَطايا فمَن منَا غيرُ مُذنِب وذِي خطايا.
ومن حديث أبي هُريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: " يأ يُّها الرُسل كُلُوا مِنَ الطًيبَاتِ واعْمَلوا صالِحاً إنّي بما تَعملون عَلِيم " وقال: " يأيها الذِينَ آمَنُوا كلوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ " ثم ذكر الرجلَ
يرى أشعثَ أغبرَ يمُدُّ يديه إلى السماء يقول: يا رَبّ يا رَب ومَطعَمه حَرَام ومشرَبه حَرام ومَلْبسه حَرام فأنى يُستجاب له قال النبي ﷺ : إن اللهّ بَعثني بالْحَنِيفيَّة السَّمْحة ولم يبعثني بالرهبْانية المُبْتدعة سُنَّتي الصلاة والنوم والإفطار والصَّوم فمن رَغِب عن سُنتي فليس مني.
وقال ﷺ : إنّ هذا الدِّين مَتِين فأَوْغل فيه برِفق فإنّ اْلمنبَتَ لا أرْضاً قَطع ولا ظَهْراً أَبقى.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: خَير هذه الأمَّة هذا النَّمط الأوْسط يَرْجع إليهم الغالي ويَلحق بهم التّالي.
وقال مطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير لابنه وكان قد تَعبَّد: يا بُنيّ إن الحسنَة بين السيئتين - يعني أن الدين بين الإفْراط والتّقْصير - وخَير الأمور أَوْسطها وشَرّ السّير الحَقْحقة.
وقال سلمان الفارِسيّ: القَصْدَ والدًوامَ فأنت الجَواد السابق.
وقالوا: " طالب العِلم و " عاملُ البِرِّ كآكِل الطَّعام إن أكل منه قوتاً عصمه وإن أسْرَف منه أَبْشَمه.
وفي بعض الحديث: إن عيسى بنَ مريم عليه السلام لَقِيَ رجلاً فقال له: ما تَصْنع قال: أَتعبَّد ونظير هذا أن رفقة من الأشعريين كانوا في سَفر فلما قَدِموا قالوا: ما رأينا يا رسول الله بعدَكَ أفضلَ من فلان كان يَصُوم النهار فإذا نزَلنا قام من
الليل حتى نرْتحل قال: فَمن كان يَمْهن له ويَكفُله قالوا: كلّنا قال: كلّكم أفضلُ منه.
وقيل للزهري: ما الزّهد في الدنيا قال " أمّا " إنه ما هو بتشعيث اللِّمة ولا قَشَف الهيئة ولكنَّه ظَلَف النَّفس عن الشَّهوة.
عليِّ بن عاصم عن أبي إسحاق الشَّيباني قال: رأيتُ محمد بن الحنفيَّة واقفاً بعَرَفات على بِرذَوْن وعليه مُطْرَف خز أصْفَر.
السدِّي عن ابن جُريج عن " عثمان بن أبي سليمان: أن " ابن عباس كان يَرْتدي رِدَاء بأَلْف.
إسماعيل بن عبد الله بن جعْفر عن أبيه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ عليه ثوبان مصبوغان بالزَّعفران: رداء وعمامة.
وقال مَعمر: رأيتُ قميص أيوب السِّخْتِياني يكاد يَمس الأرض فسألتُه عن ذلك فقال: إن الشُّهرة كانت فيما مضى في تذْييل القَمِيص وإنهّا اليومَ في تَشميره.
أبو حاتم عن الأصمعي: أن ابن عَوْن اشترى بًرْنساً فمرَّ على معاذَة العَدَويَّة فقالت: مِثلُك يَلْبس هذا فذكرتُ ذلك لابن سيربن قال: أفلا أخبرتها أن تَميما الدارمي اشترى حُلَّة بألف فصلّىِ قدم حمَّاد بن سَلمة البَصرة فجاءه فرْقد السَّبَخي وعليه ثيابُ صُوف فقال له حمَاد:
ضَع عنك نَصرانيّتك هذه فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم " فيخرج إلينا " وعليه معَصفْرة ونحن نرى أن المَيْتة قد حلَّتْ له أبو الحسن المدائنيّ قال: دخل محمد بن واسع على قُتيبة بن مُسلم وَالي خُراسان في مِدْرَعة صوف فقال له: ما يدعوكَ إلى لِباس هذه
فسكت فقال له قتيبة: أكلّمك ولا تُجيبني قال: أَكرَه أن أقولَ زُهداً فأُزَكّي نفسي أو أقولَ فَقْراً فأَشكو ربي فما جوابُك إلا السُّكوت.
قال ابن السًماك لأصحاب الصُّوف: والله لئن كان لباسُكم وَفْقاً لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها وإن كان مخالفاً لها فقد هَلكتم.
وكان القاسمُ بن محمد يَلْبس الخزّ وسالِم بن عبد الله يَلْبس الصُّوف ويقعُدان في مجلس المدينة فلا يُنكر هذا على هذا " شيئاَ " ولا ذا على هذا.
ودَخل رجلٌ على محمد بن المُنْكَدر فوجده قاعداً على حَشايا مُضاعَفة وجاريةٌ تُغَلِّفه بالغالية فقال: رَحمك الله جئتُ أسألك عن شيء وجدتك فيه - يريد التزيّن - قال: على هذا أدركتُ الناس.
وصلّى الأعمشُ في مسجد قوم فأطال بهم الإمام فلما فَرغ قال له: يا هذا لا تُطِلْ صلاتك فإنه يكون خَلْفك ذو الحاجة والكبَير والضَّعيف قال الإمام: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فقال له الأعمش: أنا رسولُ الخاشعين إليك إنهم لا يَحتاجون إلى هذا منك.