وفود عمرو بن معد يكرب على مجاشع بن مسعود
وفد عمرو بن معد يكرب الزبيدي على مجاشع بن مسعود السلمي - وكانت بين عمرو وبين سليم حروب في الجاهلية - فقدم عليه البصرة يسأله الصلة فقال: اذكر حاجتك فقال له: حاجتي صلة مثلي. فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرساً من بنات الغبراء وسيفاً جرازاً ودرعاً
حصينة وغلاماً خبازاً. فلما خرج من عنده قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك قال: لله در بني سليم ما أشد في الهيجاء لقاءها وأكرم في اللأواء عطاءها وأثبت في المكرمات بناءها والله يا بني سليم لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجبناكم ولقد هاجيناكم فما
أقحمناكم وقد سألناكم فما أبخلناكم. فلله مسؤولاً نوالاً ونائلاً وصاحب هيج يوم هيج مجاشع الوفود على معاوية وفود الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه أبو بكر بن أبي شيبة قال: وفد الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية بعد
عام الجماعة فقال له معاوية والله لأحبونك بجائزة ما أجزت بها أحداً قبلك ولا أجيز بها أحداً بعدك فأمر بمائة ألف. وفي بعض الحديث أن النبي ﷺ دخل على ابنته فاطمة فوجد الحسن طفلاً يلعب بين يديها فقال لها: إن الله تعالى سيصلح على يدي
ابنك هذا بين فئتين عظيمتين من المسلمين. على معاوية رحمه الله العتبي قال: قدم زيد بن منية على معاوية من البصرة - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج يعلى بن
منية - فلما دخل على معاوية شكا إليه ديناً لزمه فقال: يا كعب أعطه ثلاثين ألفاً فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفاً أخرى: ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر فقال: إن سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف ألبس
أردية الليل مرة وأخوض في لجج السراب أخرى موقراً من حسن الظن بك وهارباً من دهر قطم ودين لزم بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين فلم أجد إلا إليك مهربا وعليك معولاً فقال عتبة: مرحباً بك وأهلاً إن الدهر أعاركم غنى وخلطكم بنا ثم استرد
ما أمكنه أخذه وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه وأنا واضع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفاً كما أعطاه معاوية رحمه الله.
وفود عبد العزيز بن زرارة على معاوية رحمه الله
وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية وهو سيد أهل الكوفة فلما أذن له وقف بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين لم أزل أهز ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معولاً إلا عليك أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار يقودني إليك أمل وتسوقني بلوى
والمجتهد يعذر وإذ بلغتك فقطني. فقال معاوية: احطط عن راحتك رحلها. وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة فهلك هناك فكتب به يزيد بن معاوية إلى معاوية فقال لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب قال زرارة: يا أمير المؤمنين هو
ابني أو ابنك قال: بل ابنك قال: للموت ما تلد الوالدة. أخذ سابق البريري فقال: وللموت تغدو الوالدات سخالها كما لخراب الدار تبنى المساكن وقال آخر: للموت يولد منا كل مولود لا شيء يبقى ولا يفنى بموجود وفود عبد الله جعفر على يزيد بن معاوية
المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية. فقال له: كم كان عطاؤك فقال له: ألف ألف قال: قد أضعفاناها لك قال: فداك أبي وأمي وما قلتها لأحد قبلك قال: أضعفناها لك ثانية. فقيل ليزيد: أتعطي رجلاً واحداً أربعة آلاف ألف! فقال:
ويحكم! إنما أعطيتها أهل المدينة أجمعين فما يده فيها إلا عارية. فلما كان في السنة الثانية قدم عبد الله بن جعفر وقدم مولى له يقال له نافع كانت له منزلة من يزيد بن معاوية. قال نافع: فلما قدمنا عليه أمر لعبد الله بن جعفر بألف
ألف وقضى عنه ألف ألف ثم نظر إلي فتبسم فقلت: هذه لتلك الليلة. وكنت سامرته ليلة في خلافة معاوية وأسمعته فيها فذكرته بها. وقدمت عليه هدايا من مصر كثيرة فأمر بها لعبد الله بن جعفر وكان له مائة ناقة فقلت لابن جعفر: لو سألته منها
شيئاً نحتلبه في طريقنا ففعل فأمر بصرفها كلها إليه. فلما أراد الوداع أرسل إلي فدخلت عليه فقال: ويلك! إنما أخترك لأتفرغ إليك هات قول جميل: خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي قال: فأسمعته! فقال: أحسنت والله هات حاجتك. فما سألته
شيئاً إلا أعطانيه فقال: إن يصلح الله هذا الأمر من قبل ابن الزبير تلقنا بالمدينة فإن هذا لا يحسن إلا هناك. فمنع والله من ذلك شؤم ابن الزبير.
الوفود على عبد الملك بن مروان
وفود عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان قال بديح: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وكان زوج ابنته أم كلثوم من الحجاج على ألفي ألف في السر وخمسمائة في العلانية وحملها إليه إلى العراق فمكثت عنده ثمانية أشهر.
قال بديح: فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان خرجنا معه حتى دخلنا دمشق فإنا لنحط رحالنا إذ جاءنا الوليد بن عبد الملك على بغلة وردة ومعه الناس فقلنا: جاء إلى ابن جعفر ليحييه ويدعوه إلى منزله. فاستقبله ابن جعفر بالترحيب
فقال له: لكن أنت لا مرحباً بك ولا أهلاً مهلاً يا بن أخي فلست أهلاً لهذه المقالة منك قال: بلى ولشر منها قال: وفيم ذلك قال: إنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب وسيدة بني عبد مناف ففرشتها عبد ثقيف يتفخذها قال: وفي هذا عتب علي
يا بن أخي قال: وما أكثر من هذا قال: والله إن أحق الناس أن لا يلومني في هذا لأنت وأبوك إن كان من قبلكم من الولاة ليصلون رحمي ويعرفون حقي وإنك وأباك منعتماني ما عندكما حتى ركبني من الدين ما والله لو أن عبداً مجدعاً
حبشياً أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها فإنما فديت بها رقبتي من النار. قال: فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه ومضى حتى دخل على عبد الملك - وكان الوليد إذا غضب عرف ذلك في وجهه - فلما رآه عبد الملك قال: مالك أبا العباس
قال: إنك سلطت عبد ثقيف وملكته ورفعته حتى تفخذ نساء عبد مناف وأدركته الغير. فكتب عبد الملك إلى الحجاج يعزم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها. فما قطع الحجاج عنها رزقاً ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا. قال: وما زال
واصلاً لعبد الله بن جعفر حتى هلك. قال بديح: فما كان يأتي علينا هلال إلا وعندنا عير مقبلة من الحجاج عليها لطف وكسوة وميرة حتى لحق عبد الله بن جعفر بالله. ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب
ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره ثم سأله فألطف المسألة حتى سأله عن مظعمه ومشربه فلما انقضت مسألته قال له يحيى بن الحكم: أمن خبيثة كان وجهك أبا جعفر قال: وما خبيثة قال: أرضك التي جئت منها قال: سبحان الله! رسول الله ﷺ يسميها
طيبة وتسميها خبيثة! لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين. فلما خرج من عنده هيأ له ابن جعفر هدايا وألطافاً. فقلت لبديح: ما قيمة ذلك قال: قيمته مائة ألف من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز. قال: فبعثني بها فدخلت عليه وليس
عنده أحد فجعلت أعرض عليه شيئاً شيئاً. قال: فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك وجعل يقول كلما أريته شيئاً: عافى الله أبا جعفر ما رأيت كاليوم وما كنا نريد أن يتكلف لنا شيئاً من هذا وإن كنا لمتذممين محتشمين. قال: فخرجت
من عنده وإذن لأصحابه فوالله لبينا أنا أحدثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى إليه إذا بفارس قد أقبل علينا فقال: أبا جعفر إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك ويقول لك: جمعت لنا وخش رقيق الحجاز أباقهم وحبست عنا فلانة فابعث بها إلينا -
وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم فقال له يحيى بن الحكم: وماذا أهدى إليك ابن جعفر جمع لك وخش رقيق الحجاز وأباقهم وحبس عنك فلانة قال: ويلك! وما فلانة هذه قال: ما لم يسمع والله أحد بمثلها
قط جمالاً وكمالاً وخلقاً وأدباً لو أراد كرامتك بعث بها إليك قال: وأين تراها وأين تكون قال: هي والله معه وهي نفسه التي بين جنبيه - فلما قال الرسول ما قال وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر إذا سمع ما يكره تصام فأقبل علي
فقال: ما يقول بديح قال: قلت: فإن أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن الله نصر المسلمين وأعزهم قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل له: أعز الله نصرك وكبت عدوك فقال الرسول: يا أبا جعفر إني لست أقول هذا
وأعاد مقالته الأولى. فسألني فصرفته إلى وجه آخر فأقبل علي الرسول فقال: يا ماص أبرسل أمير المؤمنين تهكم وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب قال: والله لأطلن دمك فانصرف. وأقبل علي ابن جعفر فقال: من ترى صاحبنا قال: صاحبك بالأمس قال: أظنه فما الرأي عندك
قلت: يا أبا جعفر قد تكلفت له ما تكلفت فإن منعتها إياه جعلتها سبباً لمنعك ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه قال: ادعها لي. فلما أقبلت رحب بها ثم أجلسها إلى جنبه ثم قال: أما والله ما كنت أظن
أن يفرق بيني وبينك إلا الموت قالت: وما ذاك قال: إنه حدث أمر وليس والله كائناً فيه إلا ما أحببت جاء الدهر فيه بما جاء قالت: وما هو قال: إن أمير المؤمنين بعث يطلبك فإن تهوين فذاك وإلا والله لا يكون أبداً قالت: ما شيء
لك فيه هوى ولا أظن فيه فرجاً عنك إلا فديته بنفسي وأرسلت عينيها بالبكاء فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترين مكروهاً فمسحت عينيها وأشار إلي فقال: ويحك يا بديح! استحثها قبل أن تتقدم إلي من القوم بادرة. قال: ودعا بأربع وصائف ودعا من صاحب
نفقته بخمسمائة دينار ودعا مولاة له كانت تلي طيبه فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيباً ثم قال: عجلها ويلك! فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب وإذا الفارس قد بلغ عني فما تركني الحجاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظى فقال
لي: يا ماص! وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله قلت: يا أمير المؤمنين ائذن لي أتكلم قال: وما تقول يا كذا وكذا قلت: ائذن لي يجعلني الله فداك أتكلم قال: تكلم قلت: يا أمير المؤمنين أنا أصغر شأناً وأقل خطراً من أن يبلغ
كلامي من أمير المؤمنين ما أرى وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين نعم قد قلت ما بلغك وقد يعلم أمير المؤمنين أنا إنما نعيش في كنف هذا الشيخ وأن الله لم يزل إليه محسناً فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قط مثله إنما
طلبت نفسه التي بين جنبيه فأجبت بما بلغك لأسهل الأمر عليه ثم سألني فأخبرته واستشارني فأشرت عليه وها هي ذه قد جئتك بها قال: أدخلها ويلك! قال: فأدخلتها عليه وعنده مسلمة ابنه غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضر شاربه فلما جلست وكلها
أعجب بكلامها فقال: لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب إليك أم أهبك لهذا الغلام فإنه ابن أمير المؤمنين قالت: يا أمير المؤمنين لست لك بحقيقة وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجهاً قال: فقام من مكانه ما راجعها فدخل وأقبل عليها مسلمة يالكاع أعلى أمير المؤمنين
تختارين قالت: يا عدو نفسه إنما تلومني أن اخترتك! لعمر الله لقد قال: رأي من اختارتك. قال: فضيقت والله مجلسه واطلع علينا عبد الملك قد ادهن بدهن وارى الشيب وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب بيده مخصرة يخطر بها فجلس مجلسه على سريره ثم قال: إيها!