ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 53 من 94

العقد الفريد — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 53 من 941,783 كلمة في هذا الجزء

19

من كره من الملوك تقبيل اليد

العتبي قال: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبل يده فقال: أف له إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعاً ولا فعلته العجم إلا خضوعاً. واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده فقال له: إن قبلة اليد من المسلم ذلة ومن الذمي خديعة ولا حاجة

بك أن تذل ولا بنا أن نخدع. واستأذن أبو دلامة الشاعر المهدي في تقبيل يده فقال: أما هذه فدعها قال: ما منعت عيالي شيئاً أيسر فقداً عليهم من هذه. قال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: كيف زمانك يا معن قال: يا أمير المؤمنين أنت الزمان

فإن أصلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان. وهذا نظير قول سعيد بن سلم وقد قال له أمير المؤمنين الرشيد: من بيت قيس في الجاهلية قال: يا أمير المؤمنين بنو فزارة قال: فمن بيتهم في الإسلام قال: يا أمير المؤمنين الشريف من شرفتموه قال: صدقت

أنت وقومك. ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر فقال له: كبرت يا معن قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال: وإنك لجلد قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين قال وإن فيك لبقية قال: هي لك يا أمير المؤمنين قال أي الدولتين أحب إليك أو

أبغض أدولتنا أم دولة بني أمية قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين وإن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي وإن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحب إلي قال: صدقت. قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: أهذا منزلك قال: هو لأمير المؤمنين

ولي به قال: كيف ماؤه قال: أطيب ماء قال: فكيف هواءه قال: أصح هواء. وقال أبو جعفر المنصور لجرير بن يزيد: إنك أردتك لأمر قال: يا أمير المؤمنين قد أعد الله لك مني قلباً معقوداً بطاعتك ورأياً موصولاً بنصيحتك وسيفاً مشهوراً على عدوك فإذا شئت

وقال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي ابنك عبد الله قال: يا أمير المؤمنين إن مدحته عبته وإن ذممته اغتبته ولكنه قدح في كف مثقف ليوم نضال في خدمة أمير المؤمنين. وأمر بعض الخلفاء رجلاً بأمر فقال: أنا أطوع من الرداء وأذل لك من الحذاء.

وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات. وقال آخر: أطوع لك من يدك وأذل لك من نعالك وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ". قال: حسبك أبا أمية.

وقال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة قال: بلى ولكن منابرهم الجذوع. وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية قال: يا أمير المؤمنين إنه من وفىّ لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى. وقال هارون لعبد الملك بن صالح:

صف لي منبج قال: رقيقة الهواء لينة الوطاء قال: فصف لي منزلك بها قال: دون منازل أهلي وفوق منازل أهلها قال: ولم قدرك فوق أقدارهم قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسى به وأقفو أثره وأحذو مثاله. ودخل المأمون يوماً بيت الديوان فرأى غلاماً جميلاً على

أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام قال: أنا الناشئ في دولتك والمتقلب في نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته. علي بن يحيى قال: إني عند المتوكل حين دخل عليه الرسول برأس إسحق

بن إسماعيل فقام علي بن الجهم يخطر بين يدي المتوكل ويقول: أهلاً وسهلاً بك من رسول جئت بما يشفي من الغليل برأس إسحق بن إسماعيل فقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لئلا يضيع. ودخل عقال بن شبة على أبي عبيد الله كاتب المهدي فقال: يا

عقال لم أرك منذ اليوم قال: والله إني لألقاك بشوق وأغيب عنك بتوق. وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح - وكان أسود - يا نصيب هل لك فيما يثمر المحادثة يريد المنادمة فقال: أصلح الله الأمير اللوم مرمد والشعر مفلفل ولم أقعد إليك

بكريم عنصر ولا بحسن منظر وإنما هو عقلي ولساني فإن رأيت أن لا تفرق بينهما فافعل. ولما ودع المأمون الحسن بن سهل عند مخرجه من مدينة السلام وقال له: يا أبا محمد ألك حاجة تعهد إلي فيها قال: نعم يا أمير المؤمنين أن تحفظ علي

من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك. وقال سعيد بن سلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه وإشارته إلي بطرفه لكان ذلك من أعظم ما توجبه النعمة وتفرضه الصنيعة قال

المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت وحسن الفهم إذا حدثت ما لا يجده عند غيرك.

مدح الملوك والتزلف إليهم

في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره جمع الناس فخطبهم خطبة حضهم فيها على الألفة والطاعة وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة وصنف لهم الناس أربعة أصناف فخروا له سجداً. وتكلم متكلمهم فقال: لا زلت أيها الملك محبواً من الله بعز النصر ودرك

الأمل ودوام العافية وتمام النعمة وحسن المزيد ولا زلت تتابع لديك المكرمات وتشفع إليك الذمامات حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى عنده والحظوة لديه ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر

زائدين زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض كلها في علوك عليها ونفاذ أمرك فيها فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم فأصبحت قد جمع الله بك الأيادي بعد افتراقها وألف

بين القلوب بعد تباغضها وأذهب عنا الإحن والحسائف بعد توقد نيرانها بفضلك الذي لا يدرك بوصف ولا يحد بنعت. فقال أردشير: طوبى للممدوح مستحقاً وللداعي إذا كان للإجابة أهلاً. ودخل حسان بن ثابت على الحارث الجفني فقال: أنعم صباحاً أيها الملك السماء غطاؤك والأرض وطاؤك

ووالدي فداؤك أنى يناوئك المنذر فوالله لقذالك أحسن من وجهه ولأمك أحسن من أبيه ولظلك خير من شخصه ولصمتك أبلغ من كلامه ولشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول: ونبئت أن أبا منذر يساميك للحدث الأكبر قذالك أحسن من وجهه وأمك خير من المنذر ويسرى

يديك إذا أعسرت كيمنى يديه فلا تمتر ودخل خالد بن عبد الله القسري على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة فقال: يا أمير المؤمنين من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها ومن تكون شرفته فأنت قد شرفتها وأنت كما قال الشاعر: وإذا الدر

زان حسن وجوه كان للدر حسن وجهك زينا. فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أعطي صاحبكم مقولاً ولم يعط معقولاً. ذكر بن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك وزادك

في نعمتك وشكرك على رعيتك تقدمت من قبلك وأتعبت من بعدك وآيست أن يعاين مثلك أما فيما مضى فلا نعرفه وأما فيما بقي فلا نرجوه فنحن جميعاً ندعو لك ونثني عليك خصب لنا جنابك وعذب شرابك وحسنت نظرتك وكرمت مقدرتك جبرت الفقير وفككت الأسير فأنت

يا أمير المؤمنين كما قال الأول: ما زلت في البذل للنوال وإط لاق لعان بجرمه علق حتى تمنى البراء أنهم عندك أسرى في القيد والحلق ودخل رجل على خالد بن عبد الله القسري فقال: أيها الأمير إنك لتبذل ما جل وتجبر ما اعتل وتكثر ما

قل ففضلك بديع ورأيك جميع. وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك ولا أستقل قليلك قال: وكيف ذلك قال: لأنك أكثر من كثيرك ولأن قليلك أكثر من كثير غيرك. وقال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلاً بقسطه من نظرك

ومجلسك وصلاتك وعداتك حتى كأنك من كل أحد وكأنك لست من أحد. وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئاً قال: يا أمير المؤمنين المديح كله دون قدرك والشعر فيك فوق قدري ولكني أستحسن قول العتابي: فت الممادح إلا أن ألسننا مستنطقات بما تخفي الضمايير

مدح خالد بن صفوان رجلاً فقال: قريع المنطق جزيل الألفاظ عربي اللسان قليل الحركات حسن الإشارات حلو الشمائل كثيرة الطلاوة صموتاً قؤولاً يهنأ الجرب ويداوي الدبر ويقل الحز ويطبق المفصل لم يكن بالبرم في مروءته ولا بالهذر في منطقه متبوعاً غير تابع. كأنه علم في

رأسه نار دخل سهل بن هارون على الرشيد فوجده يضاحك ابنه المأمون فقال: اللهم زده من الخيرات وابسط له في البركات حتى يكون كل يوم من أيام موفياً على أمسه مقصراً على غده فقال له الرشيد: يا سهل من روى من الشعر أحسن وأجوده ومن

الحديث أصحه وأبلغه ومن البيان أفصحه وأوضحه إذا رام أن يقول لم يعجزه قال سهل: يا أمير المؤمنين ما ظننت أن أحداً تقدمني سبقني إلى هذا المعنى فقال: بل أعشى همدان حيث يقول: وجدتك أمس خير بني لؤي وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غداً

تزيد الخير ضعفاً كذاك تزيد سادة عبد شمس وكان المأمون قد استثقل سهل بن هارون فدخل عليه يوماً والناس عنده على منازلهم فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب فلما فرغ أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال لهم: ما لك تسمعون ولا تعون

وتفهمون ولا تعجبون وتعجبون ولا تصفون أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل عربكم كعجمهم وعجمهم كعرب بني تميم ولكن كيف يشعر بالدواء من لا يعرف الداء قال: فرجع له المأمون إلى رأيه الأول. وكان

الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكي فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك بن مروان قال زياد: يا أمير المؤمنين إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو وسهمك الذي لا يطيش وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن بعد ذلك أحد

أخف على الحجاج ولا أحب إليه منه. حدث الشيباني قال: أقام المنصور صالحاً ابنه فتكلم في أمر فأحسن فقال شبيب بن شيبة: تالله ما رأيت كاليوم أبين بياناً ولا أعرب لساناً ولا أربط جأشاً ولا أبل ريقاً ولا أحسن طريقاً وحق لمن كان المنصور أباه

والمهدي أخاه أن يكون كما قال زهير: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدما من صالح سبقا وخرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوماً فقيل له: كيف رأيت الناس قال: رأيت الداخل

راجياً والخارج راضياً. وقيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لافتضح. قال: فأمر رسولاً فأخذ بيده فصعده المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباهاً أربعة: فمنها

الأسد الخادر والبحر الزاخر والقمر الباهر والربيع الناضر فأما الأسد الخادر فأشبه منه صولته ومضاءه وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه ثم نزل. وقال عبد الملك بن مروان لرجل دخل

عليه: تكلم بحاجتك قال: يا أمير المؤمنين بهر الدرجة وهيبة الخلافة يمنعاني من ذلك قال: فعلى رسلك فإنا لا نحب مدح المشاهدة ولا تزكية اللقاء قال: يا أمير المؤمنين لست أمدحك ولكن أحمد الله على النعمة فيك قال: حسبك فقد أبلغت. ودخل رجل على المنصور

فقال له: تكلم بحاجتك فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين قال: تكلم بحاجتك فإنك لا تقدر على هذا المقام كل حين قال: والله يا أمير المؤمنين ما أستقصر أجلك ولا أخاف بخلك ولا أغتنم مالك وإن عطاءك لشرف وإن سؤال لزين وما لامرئ بذل وجهه

إليك نقص ولا شين. قال: فاحسن جائزته وأكرمه. حدث إبراهيم بن السندي قال: دخل العماني على المأمون وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج فقال له: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان رائقان. قال: فغدا علي في زي الأعراب فأنشده ثم دنا فقبل يده