ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 30 من 94

العقد الفريد — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 30 من 941,793 كلمة في هذا الجزء

الجود مع الإقلال

قال الله تبارك وتعالى فيما حكاه عن الأنصار: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ". وقال النبي ﷺ : أفضل العطية ما كان من معسر إلى معسر. وقال عليه الصلاة والسلام: أفضل العطية جهد المقل. وقالت

الحكماء: القليل من القليل أحمد من الكثير من الكثير. أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في أبيات كتب بها إلى الحسن بن وهب الكاتب وأهدى إليه قلماً: قد بعثنا إليك أكرمك الل ه بشيء فكن له ذا قبول لا تقسه إلى ندى كفك الغم ر ولا

نيلك الكثير الجزيل واستجز قلة الهدية مني إن جهد المقل غير قليل وقالوا: جهد المقل أفضل من غنى المكثر. وقال صريع الغواني: وقال أبو هريرة: ما وددت أن أحداً ولدتني أمه إلا أم جعفر بن أبي طالب عليه السلام تبعته ذات يوم وأنا جائع فلما

بلغ الباب التفت فرآني فقال لي: أدخل فدخلت. ففكر حيناً فما وجد في بيته إلا نحيا كان فيه سمن مر فأنزله من رف لهم فشقه بين أيدينا فجعلنا نلعق ما كان فيه من السمن والرب وهو يقول: ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ولا تجود

يد إلا بما تجد وقيل لبعض الحكماء: من أجود الناس قال: من جاد من قلة وصان وجه السائل عن المذلة. وقال حماد عجرد: أروق بخير تؤمل للجزيل فما ترجى الثمار إذا لم يورق العود إن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى تراه غنياً وهو مجهود وللبخيل

على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود بث النوال ولا نمنعك قلته فكل ما سد فقراً فهو محمود وقال حاتم: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب أتهزأ مني أن سمنت وأن

ترى بجسمي مس الجوع والجوع جاهد لأني أمرؤ عافي إنائي شركة وأنت أمرؤ عافى أنائك واحد أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء بارد ومن أحسن ما قيل في الجود والإقلال قول أبي تمام حبيب: فلو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها

فليتق الله سائله ومن أفرط ما قيل في الجود قول بكر بن النطاح: أقول لمرتاد الندى عند مالك تمسك بجدوى مالك وصلاته فتى جعل الدنيا وقاء لعرضه فأسدى بها المعروف قبل عداته فلو خذلت أمواله جود كفه لقاسم من يرجوه شطر حياته وإن لم يجز

في العمر قسم لمالك وجاز له أعطاه من حسناته وجاد بها من غير كفر بربه وأشركه في صومه وصلاته وقال آخر في هذا المعنى وأحسن: ملأت يدي من الدنيا مراراً وما طمع العواذل في اقتصادي قال سعيد بن العاصي: قبح الله المعروف إن لم يكن

ابتدئ من غير مسألة فالمعروف عوض عن مسألة الرجل إذ بذل وجهه فقلبه خائف وفراصه ترتعد وجبينه يرشح لا يدري أيرجع بنجح الطلب أم بسوء المنقلب قد انتفع لونه وذهب دم وجهه. اللهم فإن كانت الدنيا لها عندي حظاً فلا تجعل لي حظاً في الآخرة.

وقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قل أكثر من كل نوال وإن جل. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه: من كانت له إلي منكم حاجة فليرفعها في كتاب لأصون وجوهكم عن المسألة. حبيب قال: عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنى وتبقى وجوه

الراغبين بمائها وقال حبيب أيضاً: ذل السؤال شجاً في الحلق معترض من دونه شرق من خلفه جرض ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت من ماء وجهي إذا أفنيته عوض إني بأيسر ما أدنيت منبسط كما بأكثر ما أقصيت منقبض وقالوا: من بذل إليك وجهه

فقد وفاك حق نعمتك وقالوا: السخي من كان مسروراً ببذله متبرعاً بعطائه لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله ولا طلب مكافأة فيسقط شكره ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه. نظر المنذر بن أبي سبرة

إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص فقال له: رب مملوك لا يستطاع فراقه. فبعث إليه بتخت من ثياب. فقال أبو الأسود: كساني ولم أستكسه فحمدته أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإن أحق الناس إن كنت شاكراً بشكرك

من أعطاك والعرض وافر وسأل معاوية صعصعة بن صوجان: ما الجود فقال: التبرع بالمال والعطية قبل السؤال: ومن قولنا في هذا المعنى: كريم على العلات جزل عطاؤه ينيل وإن لم يعتمد لنوال وما الجود من يعطى إذا ما سألته ولكن من يعطى بغير سؤال وقال

بشار العقيلي: مالكي ينشق عن وجهه الجد ب كما انشقت الدجى عن ضياء ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ف ولكن يلذ طعم العطاء لا ولا أن يقال شيمته الجو د ولكن طبائع الآباء وقال آخر: إن بين السؤال والإعتذار خطة صعبة على الأحرار وقال حبيب

بن أوس لئن جحدتك ما أوليت من نعم إني لفي اللؤم أمضى منك في الكرم أنسى ابتسامك والألوان كاسفة تبسم الصبح في داج من الظلم رددت رونق وجهي في صحيفته رد الصقال بهاء الصارم الخذم وما أبالي وخير القول أصدقه حقنت لي ماء وجهي أو

حقنت دمي استنجاح الحوائج كانوا يستفتحون حوائجهم بركعتين يقولون فيهما: اللهم بك أستنجح وباسمك أستفتح وبمحمد نبيك إليك أتوجه. اللهم ذلل لي صعوبته وسهل لي حزونته وارزقني من الخير أكثر مما أرجو وأصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. وقال النبي ﷺ : استعينوا على

حوائجكم بالكتمان لها فإن كل ذي نعمة محسود. وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها ولا تطلبوها من غير أهلها فإن الحوائج تطلب بالرجاء وتدرك بالقضاء. وقال: مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة ومغلاقها اعتراض الكسل دونها. قال الشاعر: إني رأيت

وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر وقل من جد في أمر يحاوله فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ومن أمثال العرب في هذا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له. أخذ الشاعر هذا المعنى فقال: إن الأمور إذا انسدت مسالكها فالصبر يفتق منها كل

ما ارتتجا لا تيأسن وإن طالت مطالبة إذ تضايق أمر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها وأشد من المصيبة سوء وقالوا: صاحب الحاجة مبهوت وطلب

الحوائج كلها تعزير. وقالت الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذاب فإنه يقر بها بالقول ويبعدها بالفعل ولا من أحمق فإنه يريد نفعك فيضرك ولا من رجل له آكلة من جهة رجل فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته. وقال دعبل بن علي الخزاعي: جئتك مسترفداً بلا

سبب إليك إلا بحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنني رجل غير ملح عليك في الطلب وقال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمراً لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النجح بينهما. قيل له: وما ذاك قال: العقل فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن ولا يرد عما

يمكن. وقال الشاعر: أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد إليك سوى أني بجودك واثق فإن تولني عرفاً أكن لك شاكراً وإن قلت لي عذراً أقل أنت صادق وقال الحسن بن هانئ: فإن تولني منك الجميل فأهله وإلا فإني عاذر وشكور لعمرك ما أخلقت وجهاً بذلته

إليك ولا عرضته للمعاير فتى وفرت أيدي المكارم عرضه عليه وخلت ماله غير وافر ودخل محمد بن واسع على بعض الأمراء فقال: أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها وكنا كريمين وإن شئت لم تقضها وكنا لئيمين. أراد إن قضيتها كنت أنت كريماً بقضائها وكنت أنا

كريما بسؤالك إياها لأني وضعت الطلبة في موضعها. فإن لم تقضها كنت أنت لئيماً بمنعك وكنت أنا لئيما بسوء اختياري لك. وسرق حبيب هذا المعنى فقال: عياش إنك للئيم وإنني إذ صرت موضع طلبي للئيم ودخل سوار القاضي على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان

فقال: أصلح الله الأمير: لنا حاجة والعذر فيها مقدم خفيف معناها مضاعفة الأجر فإن تقضها فالحمد لله وحده وإن عاق مقدور ففي أوسع العذر قال له: ما حاجتك أبا عبد الله قال: كتاب لي إن رأى الأمير - أكرمه الله - أن ينفذه في خاصته

كتبه إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أو غير ذلك أبا عبد الله نعجلها لك من مالنا وإذا وددت كنت مخيراً بين أن تأخذ أو ترد. فأنشد سوار يقول: وكفك حين ترى المجتدي ن أندى من الليلة الماطرة وكلبك آنس بالمعتفين من

الأم بابنتها الزائرة ودخل أبو حازم الأعرج على بعض أهل السلطان فقال: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله فبلك فإن يأذن الله لك في قضائها قضيتها وحمدناك وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وعذرناك. وفي بعض الحديث: اطلبوا الحوائج عن حسان الوجوه. أخذه الطائي

فنظمه في شعره فقال: قد تأولت فيك قول رسول ال له إذا قال مفصحاً إفصاحاً إن طلبتم حوائجاً عند قوم فتنقوا لها الوجوه الصباحا فلعمري لقد تنقيت وجهاً ما به خاب من أراد النجاحا قال المنصور لرجل دخل عليه: سل حاجتك قال: يبقيك الله يا

أمير المؤمنين. قال: سل حاجتك فإنك لست تقدر على مثل هذا المقام في كل حين. قال: والله يا أمير المؤمنين ما أستقصر عمرك ولا أخاف بخلك ولا أغتنم مالك وإن عطاءك لشرف وإن سؤالك لزين وما بامرئ بذل إليك وجهه نقض ولا شين فوصله وأحسن

إليه. من أمثالهم في هذا: أنجز حر ما وعد. وقالوا: وعد الكريم نقد ووعد اللئيم تسويف. وقال الزهري: حقيق على من أورق بوعد أن يثمر بفعل. وقال المغيرة: من أخر حاجة فقد ضمنها. وقال الموبذان الفارسي: الوعد السحابة والإنجاز المطر. وقال غيره: المواعيد رؤوس الحوائج

والإنجاز أبدانها. وقال عبد الله بن عمر رحمه الله: خلف الوعد ثلث النفاق وصدق الوعد ثلث الإيمان وما ظنك بشيء جعله الله تعالى مدحة في كتابه وفخراً لأنبيائه فقال تعالى: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ". وذكر جبار بن سلمى عامر

بن الطفيل فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى وإذا أوعد بالشر أخلف وهو القائل: ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ويأمن مني صولة المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته ليكذب إيعادي ويصدق موعدي وقال ابن أبي حازم: وإلا فقل لا تسترح وترح بها

لئلا يقول الناس إنك كاذب ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " لكفى. وقال عمر بن الحارث: كانوا يفعلون ولا يقولون

ثم صاروا يقولون ويفعلون ثم صاروا يقولون ولا يفعلون ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون: فزعم أنهم ضنوا بالكذب فضلاً عن الصدق. وفي هذا المعنى يقول الحسن بن هانئ: قال لي ترضى بوعد كاذب قلت إن لم يك شحم فنفش ومثله قول عباس بن الأحنف

ويقال إنه لمسلم بن الوليد صريع الغواني: ما ضر من شغل الفؤاد ببخله لو كان عللني بوعد كاذب صبراً عليك فما أرى لي حيلة إلا التمسك بالرجاء الخائب سأموت من كمد وتبقى حاجتي فيما لديك وما لها من طالب قال عبد الرحمن بن أم الحكم

لعبد الملك بن مروان في مواعيد وعدها إياه فمطله بها: نحن إلى الفعل أحوج منا إلى القول وأنت بالإنجاز أولى منك بالمطل. واعلم أنك لا تستحق الشكر إلا بإنجازك الوعد واستتمامك المعروف. القاسم بن معن المسعودي قال: قلت لعيسى بن موسى أيها الأمير ما انتفعت

بك مذ عرفتك ولا أوصلت لي خيراً مذ صحبتك. قال: ألم أكلم لك أمير المؤمنين في كذا وسألته لك كذا قال: قلت: بلى فهل استنجزت ما وعدت واستتممت ما بدأت قال: حال من دون ذلك أمور قاطعة وأحوال عاذرة. قلت: أيها الأمير فما زدت على

أنها نبهت العجز من رقدته وأثرت الحزن من ربضته إن الوعد إذا لم يشفه إنجاز يحققه كان كلفظ لا معنى له وجسم لا روح فيه. وقال عبد الصمد بن الفضل الرقاشي لخالد بن ديسم عامل الري. أخالد إن الري قد أجحفت بنا وضاق علينا رحبها