ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 90 من 94

العقد الفريد — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 90 من 941,800 كلمة في هذا الجزء

باب من أخبار الخوارج

لما خرجت الخوارجُ عَلَى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا من أصحابه وكان مِن أمر الحَكمين ما كان واختِداع عمرو لأبي مُوسى " الأشعريّ " قالوا: لا حُكْم إلا للهّ.

فلما سمع عليٌ رضي اللهّ عنه نِداءهم قال: كلمة حق يراد بها باطل وإنما مَذْهبهم أن لا يكون أمير ولا بُدَ من أمير بَرًّا كان أو فاجرًا.

وقالوا لعليّ: شككتَ في أمرك وحكَّمت عدوّك في نَفْسك.

وخرجوا إلى حَرُوراء وخرج إليهم عليٌّ رضي الله عنه فخَطَبهم متوكِّئاً على قوْسه وقال: هذا مَقام مَن أفلح فيه أَفلح يومَ القيامة أنْشُدكم اللهّ هل عَلِمتم أنّ أحداً كان أكرَه للحكومة منِّي قالوا: اللهم لا " قال: أفعلتم أنكم أكرهتموني عليها حتِى قبِلْتُها قالوا: اللهم

نعم " قال: فعلامَ خالفتُموني ونابذتموني قالوا: إنَّا أتينا ذنباَ عظيما فتُبْنا إلى اللهّ منه فتُب إلى اللهّ منه واْستغفره نُعدْ إليك.

فقال عليٌ: إني أستغفر الله من كلّ ذنب فرَجَعوا معه وهم في ستّة آلاف.

فلما استقرُّوا بالكوفة أشاعُوا أن عليَاً رَجع عن التحكيم وتاب منه ورآه ضلالاً.

فأتى الأشعثُ بن قيس عليَاً رضي اللهّ عنه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الناس قد تحدثوا أنك رأيتَ الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كُفْراً وتُبْت.

فخطب عليٌ الناس فقال: مَن زَعم أني رجعتُ عن الحكومة فقد كذَب ومَن رآها ضلالاً فهو أضلّ منها.

فخرجت الخوارج من المسجد فحكّمت فقيل لعليّ: إنهم خارجون " عليك " فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيَفعلون.

فوَجّه إليهمٍ عبدَ الله بن العبّاس فلما سار إليهم رحَّبوا به وأكرموه فرأى لهم جباهًا قَرِحة لطول السجود وأيديًا كثَفِنات الإبل وعليهم قمُص مُرْحَضة وهم مُشمِّرُون فقالوا: ما جاء بك يا بن عبّاس قال: جِئتكم من عند صِهر رسول الله ﷺ وابن عمه وأَعْلمنا برّبه

وسنة نبيّه ومن عند المهاجرين والأنصار فقالوا: إنا أتينا عظيماَ حين حَكّمنا الرجالَ في دين الله فإن تاب كما تُبْنا ونهض لمًجَاهدة عدوّنا رَجعنا.

فقال ابن عبّاس: نَشدتكم الله إلا ما صَدَقتم أنفسَكم أمَا عَلمتم أنَّ الله أمر بتَحْكيم الرِّجال في أَرْنب تُساوي رُبع درْهم تًصَاد في الحَرَم وفي شِقاق رجل وامرأته فقالوا: اللهم نعم قال: فأنشُدكم الله هل علمتم أن رسول الله ﷺ أمْسك عن القِتال للهُدنة بينه

وبين أهل الحُدَيبية قالوا: نعم ولكن عليًّا مَحا نفسَه من خِلافة المسلمين قال ابن عبّاس: ليس ذلك يُزِيلها عنه وقد مَحا رسول الله ﷺ " اسمه " من النبوَّة وقال سُهَيل بن عمرو: لو عَلمتُ أنك رسول الله ما حاربتُك فقال للكاتب: اكتُب: محمد بن

عبد الله.

وقد أخذ على الحَكَمين أن لا يَجُورا " وإِن يَجُورا " فعليٌّ أوْلى من مُعاوية وغيره قالوا: إنّ مُعاويةَ يدَّعي مثلَ دعوى عليّ قال فأيُّهما رأيتُموه أوْلى فولُوه قالوا: صدقتَ.

قال ابن عباس: ومتى جار الحَكَمان فلا طاعة لهما ولا قَبُول لقولهما.

فاتَّبعه منهم ألفان وبَقي أربعة آلاف.

فصلّى بهم صلاتَهُم ابن الكَوّاء وقال: متى كانت حرب فرئيسُكم شَبَث بن رِبْعِيّ الرِّياحي.

فلم يَزالوا على ذلك حتى أجْمعوا على البَيعة لعَبد الله بن وَهْب الرَّاسبيّ فخرج بهم إلى النَّهروان فأوْقع بهم عليّ فقَتل منهم ألفين وثمانمائة وكان عددُهم ستةَ آلاف وكان منهم بالكوفة زُهاء ألفين ممن يُسِرّ أمره فخرج منهم رجلٌ بعد أن قال عليٌّ رضي اللهّ

عنه: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتلَ عبد الله بن خَبّاب قالوا: كلّنا قَتله وشرك في دَمه وذلك أنهمٍ لما خرجوا إلى النَّهْروان لقُوا مُسْلمًا ونَصرانيا فقتلوا المُسْلم وأوْصَو! بالنصرانيّ خَيرا وقالوا: احفظًوا ذمّة نبيّكم.

ولقُوا عبدَ الله بن خبّاب وفي عُنقه المُصحف ومعه امرأته وهي حامل فقالوا: إنّ هذا الذي في عنقك يأمرنا بقَتلك فقال لهم: أحْيوا ما أحْيا القُرآن وأميتوا ما أمات القرآن قالوا: حَدِّثنا عن أبيك قال: حدَّثني أبي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تكون فتنة

يموت فيها قلبُ الرجل كما يموت بدنه يمسى مؤمناً ويُصبح كافرًا فكُن عبدَ اللهّ المقتول ولا تكن عبدَ اللهّ القاتلَ قالوا: فما تَقول في أبي بكر وعمر فأثنى خيراً " قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وفي عثمان فأثنى خيراً " قالوا: فما تقول

في الحكومة والتحكيم قال: أقول: إنَّ عليًّا أعلمُ بكتاب اللهّ منكم وأشد تَوقِّيا على دينه وأبعد بصيرةً قالوا: إنك لستَ تتَّيع الهدى بل الرجالَ على أسمائها ثم قَرَّبوه إلى شاطئ البَحر فذَبحوه فا مذَقَرَّ دمُه أي جَرى مستقيماً على دقة وسامُوا رجلاً نَصْرانيا بنَخْلة فقال:

هي لكم هِبَة قالوا: ما كُنَّا نأخذها إلا بثَمن فقال: ما أَعجبَ هذا! أتقتلون مثلَ عبد الله بن خبّاب ولا تَقبلون منا " جنَى " نخْلة إلا بثَمن! ثم افترقت الخوارج على أربعة أضرب: الإباضية أصحاب عبد اللهّ بن إباض والصُّفرية واختلفوا في نَسبهم فقال

قوم: سُمُّوا بابن الصفار وقال قوم: نهكتهم العبادة فاصفرّت وجوهُهم ومنهم البَيْهسية وهم أصحاب ابن بَيْهس ومنهم الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي وكانوا قبلُ على رَأْيٍ واحد لا يختلفون إلا في الشيء الشاذّ.

فبلغهم خروج مُسلم بن عُقبة إلى المدينة وقَتْلُهُ أَهلَ حَرَّة وأنه مُقبل إلى مكة فقالوا: يجب علينا أن نمنعَ حَرَم الله منهم ونمْتَحن ابن الزبير فإن كان على رأينا تابعناه.

فلما صاروا إلى ابن الزبير عرَّفوه أنفسهم وما قَدِموا له فأظهر لهم أنه على رأْيهم حتى أتاهم مُسلم بن عُقبة وأهل الشام فدافعوه إلى أن يأتي رأْيُ يزيدَ بنِ مُعاوية ولم يُتابعوا ابن الزُّبير ثم تناظَروا فيما بينهم فقالوا: نَدخل إلى هذا الرجل فنْظر ما

عنده فإن قَدّم أبا بكر وعمر وبَرِىء من عُثمان وعليّ وكَفر أباه وطَلْحة بايعناه وإن تكُن الأخرى ظَهر لنا ما عنده وتَشاغلنا بما يجديِ علينا.

فدخلوا على ابن الزًّبير وهو مُتَبذل وأصحابه مُتفرقون عنه فقالوا له: إنَا جِئناك لتُخْبرنا رأْيَكَ فإن كنتَ على صواب بايعناك وإن كنتَ على خلافة دَعَوْناك إلى الحق ما تقولُ في الشَّيخين قال: خيرًا قالوا: فما تقول في عُثمان الذي حَمَى الحِمَى وآوى الطَّريد وأظهر لأهل

مِصرْ شيئاً وكَتب بخلافه وأوطأ آلَ بني مُعيط رِقابَ الناس وآثرهم بَفيْء المُسلمين وفي الذي بعده الذي حكّم " في دين الله " الرجالَ وأقام على ذلك عيرَ تائب ولا نادم وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليًّا وهو إمام عادل مَرْضي لم يَظْهر منه كُفر

ثم نكَثَا بَيْعته وأخرجا عائشة تُقاتل وقد أمرها الله وصَواحبَها أن يَقرنْ في بُيوتهن وكان لك في ذلك ما يَدْعوك إلى التَّوْبة فإن أنتَ قبِلت كلّ ما نقول " لك " فلك الزُّلفي عند اللهّ والنصر على أيدينا إن شاء الله ونَسألُ الله لك التوفيقَ

وإن أبَيتَ خَذلك الله والنصر منك بأيدينا.

فقال ابن الزبير: إنّ الله أمر وله العِزّة والقُدرة في مخاطبة أكْفر الكافرين وأَعتَى العانين بأَرقَّ من هذا القول فقال لموسى وأخيه صلى الله عليهما: " اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إنِّهُ طَغَى فقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعًلّهُ يَتذكَّر أَوْ يَخْشىَ ".

وقال رسول الله ﷺ : " لا تُؤذوا الأحياء بسَبّ المَوْتىَ ".

فنهى عن سبّ أبي جَهل من أجل عِكْرمة ابنه وأبو جهل عدوّ الله وعدوّ رسوله والمُقيم على الشِّرك والجادّ في محاربة رسول الله ﷺ قَبل الهجرة والمُحارب له بعدَها وكفي بالشِّرك ذَنْبًا وقد كان يُغْنيكم عن هذا القول الذي سمَّيتم فيه طلحة وأَبي أن تقُولُوا:

أتَبرأ من الظالمين فإن كانا منهم دخَلا في غُمَار الناس وإن لم يكونا منهم لم تُحْفِظوني بسبّ أبي وصاحبه وأنتم تَعلمون أنّ اللهّ جلّ وعزّ قال للمُؤْمن في أبويه: " وَإنْ جاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصاحِبْهُمَا في

الدًّنْيَا مَعْرًوفاً ".

وقال: " وَقُولُوا للَنَّاس حُسْنًا ".

وهذا الذي دعوتُم إليه أمرٌ له ما بعده وليس يُقْنعكم إلا التَّوقيف والتَّصْريح ولَعَمْري إنّ ذلك أحرَى بِقَطْع الْحجج وأَوْضَح لمنهاج الحقّ وأوْلَى بأن يَعرف كلٌّ صاحبَه من عدوِّه فَرُوحوا إليَّ من عَشِيَّتكم هذه أكْشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى.

فلمَّا كان العشي راحُوا إليه فخَرج إليهم وقد لبِس سلاحه فلما رأى ذلك نَجْدةُ قال: هذا خُروج منا بذلكم فجلس على رَفَع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلىّ على نبيّه ثم ذكراً أبا بكر وعُمر أحسنَ ذِكْر ثم ذكر عُثمان في السِّنين الأوائل من

خِلافته ثم وصلهنّ بالسّنين التي أنكروا سِيرتَه فيها فجعلها كالماضية وأخبر أنه آوى الحَكَم بن أبي العاصي بإذن رسول الله ﷺ وذَكر الحِمَى ومما كان فيه من الصَّلاح وأن القومَ آستعتبوه " من أمور " ما كان له أن يَفعلها أوّلاً مصيِبِا ثم أعتبهم بعد

ذلك مُحسناً وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمِن لهم العُتْبى ثم كُتب ذلك الكتابُ بقَتْلهم فدَفعوا الكتابَ إليه فَحَلف بالله أنه لم يكتبه ولم يأْمر به وقد أَمر الله عزّ وجلّ بقبول اليمين ممَّن ليس له مثل سابقته مع