ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 50 من 94

العقد الفريد — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 50 من 941,529 كلمة في هذا الجزء

وفود الزرقاء على معاوية

عبيد الله بن عمرو الغساني عن الشعبي قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية قالوا: بينما معاوية ذات ليلة مع عمرو وسعيد وعتبة والوليد إذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس الهمدانية وكانت شهدت مع قومه صفين فقال: أيحكم

يحفظ كلامها قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين قال: فأشيروا علي في أمرها فقال بعضهم: نشير عليك بقتلها قال: بئس الرأي الذي أشرتم به علي أيحسن بمثلى أن يتحدى عنه أنه قتل امرأة بعدما ظفر بها! فكتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه ما

ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها وأن يمهد لها وطاء ليناً ويسترها بستر خصيف ويوسع لها في النفقة فأرسل إليها فأقرأها الكتاب فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي فإني لا آتية وإن كان حتم فالطاعة أولى. فحملها وأحسن جهازها على ما

أمر به فلما دخلت على معاوية قال: مرحباً وأهلاً قدمت خير مقدم قدمه وافد كيف حالك قالت: بخير يا أمير المؤمنين. أدام الله لك النعمة قال: كيف كنت في مسيرك قالت: ربيبة بيت أو طفلاً ممهداً قال: بذلك أمرناهم أتدرين فيما بعثت إليك قالت: أنى

لي بعلم ما لم أعلم قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر والوقفة بين الصفين يوم الصفين تحضين على القتال. وتوقدين الحرب فما حملك على ذلك قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب ولم يعد ما ذهب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعد

الأمر قال لها معاوية: صدقت. أتحفظين كلامك يوم صفين قالت: لا والله لا أحفظه ولقد أنسيته قال: لكني أحفظه لله أبوك حين تقولين: أيها الناس ارعووا وارجعوا إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها فتنة عمياء صماء

بكماء لا تسع لناعقها ولا تنساق لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس ولا تنير الكواكب مع القمر ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص

فكأن قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل ودمغ الحق باطله فلا يجهلن أحد فيقول: كيف العدل وأنى ليقض الله أمراً كان مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ولهذا اليوم ما بعده. والصبر خير في الأمور عواقبا أيهاً في الحرب قدماً غير

ناكصين ولا متشاكسين. ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت علياً في كل دم سفكه قالت: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك فمثلك بشر بخير وسر جليسه قال: أو يسرك ذلك قالت: نعم والله. لقد سررت بالخبر فأنى لي بتصديق الفعل فضحك معاوية وقال: والله

لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته اذكري حاجتك قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميراً أعنت عليه أبداً ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد من غير طلبة قال: صدقت وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكسا.

وفود أم سنان بنت خيثمة على معاوية

سعيد بن أبي حذافة قال: حبس مروان بن الحكم وهو والي المدينة غلاماً من بني ليث في جناية جناها فاتته جدة الغلام أم أبيه وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية فكلمته في الغلام فأغلظ مروان فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه فانتسب فعرفها فقال

لها: مرحباً يا بنة خيثمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتميننا وتحضين علينا عدونا قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقاً طاهرة وأحلاماً وافرة لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا ينتقمون بعد عفو وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت قال: صدقت

نحن كذلك فكيف قولك: عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا إن العدو لآل أحمد يقصد هذا علي كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محمد إن يهدكم بالنور منه تهتدوا ما زال

مذ شهد الحروب مظفراً والنصر فوق لوائه ما يفقد قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين وأرجو أن تكون لنا خلفاً بعده. فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة: فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريا قد كنت بعد محمد

خلفاً كما أوصى إليك بنا فكنت وفيا فاليوم لا خلف يؤمل بعده هيهات نأمل بعده إنسيا قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر والله ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأدحض مقالتهم وأبعد منزلتهم فإنك

إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا قال: وإنك لتقولين ذلك قالت: سبحان الله! والله ما مثلك مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب إلينا من غيرك قال:

ممن قالت: مروان بن الحكم وسعيد بن العاصي قال: وبم استحققت ذلك عندك قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك قال: فإنهما يطمعان في ذلك قال: والله لقد قاربت فما حاجتك قالت: يا أمير المؤمنين إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح. لا حكم

بعدل ولا يقضي بسنة يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن ابني فأتيته فقال: كيت وكيت فألقمته أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصاب ثم رجعت إلى نفس باللائمة وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين

لتكون في أمري ناظراً وعليه معديا قال: صدقت لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه قالت: يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفذ زادي وكلت راحلتي. فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم.

وفود عكرشة بنت الأطرش على معاوية رحمه الله تعالى

أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكئة على عكاز لها فلمت عليه بالخلافة ثم جلست فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين قالت: نعم إذ لا علي حي قال: ألست المتقلدة حمائل السيف بصفين

وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل عنها من قطنها ولا يرهم من سكنها ولا يموت من دخلها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها وكونوا قوماً مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر

على طلب حقهم إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه واستدعاهم إلى الباطل فلبوه فالله الله عباد الله في دين الله وإياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى

والعقبة الأخرى يا معشر المهاجرين والأنصار امضوا على بصيرتكم واصبروا على عزيمتكم فكأني بكم غداً ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البقر وتروث روث العتاق. فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة فإن كدت

لتقتلين أهل الشام لولا قدر الله وكان أمر الله قدراً مقدوراً فما حملك على ذلك قالت: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " وإن اللبيب إذا كره أمراً لا يحب إعادته قال:

صدقت فاذكري حاجتك قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا وإنا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك من انتبه عن الغفلة وراجع التوبة وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من

استعان الخونة ولا استعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق وبحور تنفهق قالت: يا سبحان الله والله ما فرض الله لنا حقاً فجعل فيه ضرراً على غيرنا وهو علام الغيوب قال معاوية: هيهات يا أهل العراق نبهكم علي بن

أبي طالب فلن تطاقوا. ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وإنصافها. مع معاوية رحمه الله تعالى سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية فسأل عن امرأة من بني كناية كانت تنزل بالحجون يقال لها دارمية الحجونية وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها فبعث

إليها فجيء بها فقال: ما حالك يا بنة حام فقالت: لست لحام إن عبتني أنا امرأة من بني كنانة قال: صدقت أتدرين لم بعثت إليك قالت: لا يعلم الغيب إلا الله قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت علياً وأبعضتني وواليته وعاديتني قالت: أوتعفيني يا أمير

المؤمنين قال: لا أعفيك قالت: أما إذ أبيت فأني أحببت علياً على عدله في الرعية وقسمه بالسوية وأبغضتك على قتالك من هو أولى منك بالأمر وطلبتك ما ليس لك بحق وواليت علياً على ما عقد له رسول الله ﷺ من الولاء وحبه المساكين وإعظامه لأهل

الدين وعاديتك على سفكك الدماء وجورك في القضاء وحكمك بالهوى قال: فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك قالت: يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي قال معاوية: يا هذه اربعي فإنا لم نقل إلا خيراً إنه إذا انتفخ بطن المرأة

تم خلق ولدها وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت. قال لها: يا هذه هل رأيت علياً قالت: إي والله قال: فكيف رأيته قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك قال: فهل سمعت كلامه

قالت: نعم والله فكان يجلو القلب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطست قال: صدقت فهل لك من حاجة قالت: أو تفعل إذا سألتك قال: نعم قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فحلها وراعيها قال: تصنعين بها ماذا قالت: أغذوا بألبانها الصغر وأستحيي بها الكبار وأكتسب

بها المكارم وأصلح بها بين العشائر قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب قالت: ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك يا: سبحان الله أو دونه. فأنشأ معاوية يقول: إذ لم أعد بالحلم مني عليكم فمن ذا الذي

بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئاً واذكري فعل ماجد جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال: أما والله لو كان علي حياً ما أعطاك منها شيئاً قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين.