العُتْبيّ قال: أصابت الربيعَ بن زِياد نُشَّابةٌ في جبينه فكانت تنتقض عليه كل عام فأتاه عليُّ بن أبي طالب عائداً فقال له: كيف تَجدك يا أبا عبد الرحمن قال: أجدُني لو كان لا يذهب ما بي إلا بذَهاب بَصري لتمنيّت ذهابَه قال له: وما قيمة
بَصرك عندك قال: لو كانت لي الدُّنيا فديتُه بها قال: لا جَرم ليُعطينّك اللهّ على قَدْر الدُنيا لو كانت لك لأنفقتها في سبيله إِنّ الله يُعطي على قَدْر الألم والمُصيبة وعنده بعدُ تَضْعيفٌ كثير.
قال له الرَّبيع: يا أميرَ المؤمنين ألا أشكو إليك عاصمَ بن زِياد قال: وماله قال: لَبِسَ العَباء وتَرَك المُلاَء وغم أهْلَه وأحْزن وَلَده قال: عليِّ عاصماً.
فلما أتاه عَبس في وَجْهه وقال: وَيْلكَ يا عاصم! أترى الله أباح لك اللذّاتِ وهو يكره " منك " أخْذَك منها أنت أهونُ على الله من ذلك أو ما سَمعْته يقول: " مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان بَيْنهما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَان " حتى قال: " يَخْرُجُ مِنْهَما
اللُؤْلُؤُ والمَرْجَان ".
وتالله لابتذال نِعَم الله بالفِعال أحب إِلي من ابتذالها بالمَقَال وقد سمعته يقول: " وأمَّا بِنِعْمَةِ ربكَ فَحَدًث " وقوله: " قُلْ مَنْ حَرَمَ زِينَةَ الله الَتي أخْرَجَ لِعِبَادهِ والطيبَاتِ مِنَ الرزْقِ ".
قال عاصم: فعلامَ اقتصرتَ أنت يا أميرَ المَؤمنين على لِبْس الخَشِن وأكْل الحَشف قال: إن الله افترض على أئمة محمد بن حاطب الْجُمَحيّ قال: حدّثني من سَمع عمرو بن شُعيب وكنتُ سمعتُه أنا وأبي جميعاً قال: حدّثني عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن
" عبد الله بن مَسعود قال: أتى رسول الله ﷺ ذاتَ يوم أمّ " عبد الله بن عمرو " بن العاص " وكانت امرأة تَلْطُف برسول الله ﷺ وسلّم فقال: كيف أنتِ يا أمَ عبد الله كيف أكونُ وعبد الله بن عمرو رجلٌ قد تخلّى
من الدنيا قال لها: كيف ذلك قالت: حرّم النوم فلا ينام ولا يُفطر ولا يَطْعم اللحم ولا يؤدِّي إلى أهله حقَّهم قال: فأين هو قالت: خرج ويُوشك أن يَرْجع الساعة قال: فإذا رجع فاحبسيه عليَّ.
فخرج رسول الله ﷺ وجاء عبد الله وأوْشك رسول الله ﷺ في الرَّجعة فقال: يا عبد الله بن عَمرو ما هذا الذي بلغني عنك " قال: وما ذاك يا رسولَ الله قال بَلَغني أنك لا تنام " ولا تُفْطر " قال: أردتُ بذلك الأمْنَ من
الفزع الأكبر قال: وبلَغني أنك لا تَطْعم اللَّحم قال: أردتُ بذلك ما هو خيرٌ منه في الجنَّة قال: وبلغني أنك لا تؤدي إلى أهلك حقَهم قال: أردتُ بذلك نساءً هنَّ خير منهنّ فقال رسول الله ﷺ وسلَّم يا عبد الله بن عمرو إن لك في
رسول الله أسوة حَسنة فرسول الله يَصوم ويُفطر ويأكل اللَّحم ويُؤدِّي إلى أهله حقوقَهم.
يا عبد الله بن عمرو إنَ لله عليك حقّا وإنَ لبدنك عليك حقّا وإن لأهلك عليك حقّا.
فقال: يا رسول الله ما تأمرني أن أصوم خمسة أيام وأفطر يوماً قال: لا قال: فأصوم أربعة وأفطر يوماً قال: لا قال: فأصوم ثلاثة وأفطر يوماً قال: لا قال: فيومين وأفطر يوماً قال: لا قال: فيوماً " وأفْطِر يوماً " قال: ذلك صيام أخي داود
يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بَقِيت في حُثالة من الناس قد مَرِجَتْ عهودُهم ومواثيقُهم فكانوا هكذا - وخالف بين أصابعه قال: فما تأمرني " به " يا رسول اللهّ قال: تأخذ ما تَعرف وتَدَع ما تُنكر وتَعمل بخاصَّة نَفْسك وتَدع الناس وعوامَّ
أمرهم.
قال: ثم أخذه بيده وجعل يمشي به حتى وضعَ يده في يد أبيه وقال له.
أطِع أباك.
فلما كان يومُ صِفّين قال له أبوه عمرو: يا عبد الله اخرج فقاتل فقال: يا أبتاه أتأمُرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعتُ من رسول الله ﷺ ما سمعت وعَهِد إليَ " ما عهد " قال: أنشدك الله ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ
بيدك فوضعها في يدي وقال لك: أطِع أباك ٍ قال: اللهم بلى قال: فإني أعزم عليك أن تَخْرج فتقاتل.
قال: فخرج فقاتل متقلَداً بسيفين.
القول في القدر أتى قومٌ من أهل القَدر محمد بن المُنْكدر.
فقالوا له: أنت الذي تقول: إن الله يُعذِّب الخلق على ما قدَّر عليهم فصرف وجهه عنهم ولم يُجبهم.
فقالوا له: أصلحك الله إن كنت لا تُجيبنا فلا تُخْلِنا من بركة دعائك فقال: اللهم لا تُرْدِنا بعُقوبتك ولا تَمكر بنا حِيلتك ولا تُؤاخذنا بتَقْصيرنا عن رِضاك قليلَ أعمالنا تقَبّل وعظيمَ خطايانا اغفر أنت الله الذي لم يكن شيء قبلك ولا يكونُ شيء بعدك وليّ
الأشياء ترفع بالهُدى من تشاء لا مَن أحسن استغنى عن عَونك ولا مَن أساء غَلَبك ولا استبدّ شيء عن حُكومتك وقُدرتك " لا ملجأ إلا إليك " فكيف لنا بالمغفرة وليست إلا في يديك وكيف لنا بالرحمة وليست إلا عندك حفيظ لا ينسى قديم لا
يَبلى حيّ لا يموت بك عرفناك وبك اهتدينا إليك ولولا أنت لم نَدْرِ ما أنت سُبحانك وتعاليت.
فقال القوم: قد والله أخبر وما قَصرّ.
وقال: ذُكر القَدر في مجلس الحسن البصريّ فقال: إن الله خلق الخلق للابتلاء لم يُطيعوه بإكراه ولم يَعْصوه بغَلبة لم يُهْملهم من الملْك وهو القادر على ما أقدرهم عليه والمالك لما ملّكهم إياه فإن يأتمر العِباد بطاعة الله لم يكن اللهّ مُثَبِّطاً " لهم "
بل يَزيدهم هُدىً إلى هُداهم وتَقوَى إلى تَقْواهم وإن يأتمروا بمعْصية الله كان الله قادراً على صرفهم إن شاء وإن خَلّى بينهم وبين المَعْصية فمن بعد إعذار وإنذار.
مروان بن موسى قال: حدّثنا أبو ضَمْرة أنّ غَيْلان قَدِم بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة فقال له: أنت الذي تزعم أنّ الله أحبَّ أن يُعْصىَ فقال له رَبيعة: أنت الذي تزعم أن الله يُعصى كَرها فكأَنما أَلقمه حجراً.
قيل لطاوس: هذا قَتادة يُحب أن يأتيك فقال: إن جاء لأقُومنّ قيل له: إنه فقيه قال: إِبليس أفقه منه قال: " رَبِّ بما أَغْوَيْتَني ".
وقيل للشعبّى: رأيتَ قتادة قال: نعم رأيت كُناسة بين حَشَّين القَدَر هو العِلْم والكِتاب والكَلِمة والإذْن والمشيئة.
قال الأصمعي: سألتُ أعرابياً فقلت له: ما فَضلُ بَني فُلان على بَني فلان قال: الكِتاب يعني القَدَر.
وقال الله عزّ وجلّ: " إنَّا كُلّ شيءِ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر ".
وقال: " كُلُّ في كِتَاب مُبِين ".
وقال: " ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لعِبَادِنَا اْلمًرْسَلِين " يعني القَدَر.
وقال: " وَلَوْلاً كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزَاما ".
قال الخُشني أبو عبد الله محمد بن السَّلام: شاعران من فُحُول الجاهلية لهما " بَيْتان " ذَهب " أحدهما في بيته " مَذْهب العَدْلية والآخر ذَهب مَذْهب الجَبْرية فالذي ذهب مَذْهب العَدْلية أعشى بَكْر حيثُ يقول: آسْتأثر الله بالوَفَاء وبالعَدْل وَوَلًى اللامة الرَّجلاَ إنّ تَقْوَى
ربِّنَا خَيْرُ نَفَل وبإذْن الله رَيثي وعَجَلْ مَن هَداه سُبلَ الخْير اهتدى ناعِمَ البال ومَن شاءَ أَضَل وقال إِياس بن مُعاوية: كلَّمتُ الفِرَق كلها ببعض عَقْلي وكلًمتُ القَدَرِيّ بعَقْلي كلِّه فقلت له: دُخولك فيما ليس لك ظُلْم منك قال: نعم قلت: فإنّ الأمر كله للّه.
ومن قوْل اللهّ عز وجل في القدر: " قُلْ فَلّلهِ الْحُجًةُ البَالِغةُ فَلَوْ شَاء لهَدَاكمْ أجْمَعين ".
وقال: " يَمُنُّون عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَّلَيَ إِسْلامَكُمْ بَل الله يَمُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ هَدَاكُمْ لِإيمَان إِنْ كنْتمْ صَادِقينَ " ابن شِهاب قال: أنزل الله على نبيه آية في القَدرِيَّة: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم
الموت إن كنتم صادقين وقال: " قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ لبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ ".
وقال محمد بنُ سِيرين: ما يُنْكر القَدَرية أن يكونَ الله " قد " عَلِم مِن خَلْقه عِلْماً فكَتبه عليهم.
وقال رجلٌ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما تَقول في القَدَر قال: وَيْحك! أخبرني عن رحمة الله أكانَتْ قبلَ طاعة العباد قال نعم قال علي: أسْلَم صاحبًكم وقد كان كافراً فقال الرجلً له: أليس بالمَشيئة الأولى التي أنشأني بها " وقَوَّم خَلقي "
أقوم وأقعد وأقْبِضً وأبْسُط قال له " علي " إنك بعدُ في المشيئة أمَا إني أسألك عن ثلاث فإن قلتَ في واحدة منهن لا كفرت وإن قلت نعم فأنت أنت فمدَ القومُ أعناقهم ليسمعوا ما يقول فقال له عليّ: أخبرني عنك أخلقك اللهّ كما شِئت
أو كما شاء قال: بل كما شاء قال: فَخَلقَك الله لما شِئْت أو لما شاء قال: بل لما شاء قال: فيومَ القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء قال: بل بما شاء قال: قُمْ فلا مَشيئة لك.