بصاحبكم خيراً ليولوه مثلَ الذي تولوني من البر به والإحسان إليه. وكان حَنظلة بن الطُّفيل المَرثدي أسيراً في بني العَنبر. فقالوا له: على أن تُوصيه ونحن حضُور. قال نعم. فأتوه بغلام لهم. فقال: لقد أتيتموني بأحمقَ وما أراه مُبلِّغاً عني. قال الغلام: لا والله ما
أنا بأحمَق وقل ما ئشت فإني مُبلَغه. فملأ الأعورُ كفه من الرمل فقال: كم هذا الذي في كفِّي من الرمل قال الغلام: شيء لا يُحصى كَثرة ثم أومأ إلي الشمس وقال: ما تلك قال: هي الشمس. قال: فاذهب إلى قومي فابلغهم عني التحيةَ وقُل لهم
يُحسنوا إلى أسيرهم وُيكْرموه فإني عند قوم مُحسنين إلي مُكرمين لي وقل لهم يَقْروا جمل الأحمر ويَرْكبوا ناقتي العَيْساء بآية أكلت معهم حَيْساً وَيرْعوا حاجتي في أبيني مالك. وأخبرهم أنِّ العوسج قد أَوْرق وأنّ النِّساء قد اشتكت. ولْيعصوا هَمَّام بن بَشَامة فإنه مَشْئوم مَحدود وُيطيعوا
هُذَيل بن الأخْنس فإنه حازم مَيمون. قال: فأتاهم الرسول فأبلغهم. فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام ولقد جنّ الأعورُ بعدنا فواللهّ ما نعرف له ناقةً عَيْساء ولا جملاً أحمر. فشخص الرسولُ ثم ناداهم هُذيل: يا بني العنبر قد بَين لكم صاحبُكم: أما
الرمل الذي قبض عليه فإنه يُخبركم أنه أتاكم عددٌ لا يُحصى وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضحُ من الشَّمس وأما جَمله الأحمر فإنه هو الصَمَّان يأمركم أن تُعْروه وأما ناقتهُ العَيساء فهي الدَّهناء يأمركم أن تَحْترزوا فيها وأما أبْناء مالك فإنه
يأمركم أن تنذروا بني مالك بن حنظلة ابن مالك بن زَيد مناة ما حَذركم وأن تُمسكوا الحِلْف بينكم وبينهم وأما العَوْسج الذي أورق فيُخبركم أنّ القوم قد لَبسوا السلاح وأما تشكيَ النساء فيُخبركم بأنهن قد عَمِلنَ شِكاءً يغزون به. قال: وقوله بآية ما أكلت معكم
حَيساً يريد أحلاطاً من الناس قد غزوكم. فتحرَّزت عمرو فركبتَ الدَهناء وَأنذروا بني مالك فقالوا: لسنا ندري ما يقول بنو عمرو ولسنا متحوِّلين لِمَا قال صاحبُكم: قال فصبّحتِ اللهازمُ بني حنظلة فوجدوا بني عمرو قد أجلت وإنما أرادوهم على الوَقيط وعلى الجَيش أبجر بِن جابر
العِجْليّ. وشهدها ناسٌ مع تيم اللات وشهدها الفِزْر بن الأسود بن شريد من بني سِنان. فاقتَتلوا فأسر ضِرارُ بن القَعقاع بن مَعبد بن زُرارة وتَنازع في أسره بِشرُ بن العوراء من تيم اللات والفِزْر بن الأسود فجزّا ناصيتَه وخَليّا سربه من تحت الليل. وأسر عمرو
بن قيس من بني ربيعة عَثْجَلَ بن المأموم بن شَيبان بن عَلقمة من بني زُرارة ومَنَ عليه. وأسرت غَمامةُ بنت طوق بن عُبيد بن زُرارة واشترك في أسِرها الحَطيم بن هلال وظربان بن زياد وقيس بن خالد. ورَدُوها إلى أهلها. وعَير جريرٌ الخَطفي بني دارم
بأسْر ضِرارِ وعَثْجل وغَمامة فقال: أغَمام لو شَهد الوقيطَ فوارسي ما قِيد يقتل عَثجل وضِرَارُ وأسر حنظلةُ بن المأمون بن شيبان بن عَلقمة أسره طَيْسلة بن زِياد أحد بني ربيعة. وأسر جُويرية بن بَدر من بني عبد الله بن دارم فلم يزل في الوثاق حتى
قال أبياتاً يَمدح فيها بني عِجل وأنشأ يتغنّى بها رافعاً عقيرته: وقائلةٍ ما غالَه أن يَزُورها وقد كنتُ عن تلك الزَيارة في شُغل وقد أدركتْني والحوادثُ جَمةٌ مَخالبُ قوم لا ضِعافٍ ولا عُزْل سِراع إلى الدّاعَي بِطاء عن الخَنَا رزانٍ لدى النّادي مِن غير ما
جَهْل لعلهُم أن يمَطروني بنعمية كما طاب ماءُ المُزن في البلَد المَحْل فقد يُنعش الله الفتى بعد عسرة وقد يَبتدي الحُسنَى سَراةُ بني عِجْل فلما سَمعوه أطلقوه. وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وعمرو ابن ناشب وأسر سنان بن عمرو أخو بني سلامة
بن كِندة من بني دارم وأسر حاضر بن ضَمرة وأسر الهيثم بن صَعصعة وهَرب عوفُ بن القَعقاع عن إخوته وقُتل حكيم النّهشلي وذلك أنه لم يَزل يُقَاتل وَهو يَرتجز ويقول: كُل امرئ مُصبَّح في أهله والموتُ أدنى مِن شِراكَ نَعْلِهِ وفيه يقول عَنترة الفوارس: وغادَرْنا
حكيماً في مَجال صَريعاً قد سَلَبناه الإزارَا يوم النِّباج وثَيْتل لتميم على بكر الخُشنيّ قال: أخبرنا أبو غَسّان العَبْديّ - واسمه رفيع - عن أبي عُبيدة مَعمر بن المُثنى قال: غدا قيس بن عاصم في مُقاعس وهو رئيس عليها - ومُقاعس هم: صُريم ورَبيع وعُبيد
بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زَيدَ مناة ابن تَميم - ومعه سَلاَمة بن ظرِب بن نَمِر الحَمّاني في الأجارب وهم حِمّان وربيعة. ومالك والأعرج بنو كعب بن سَعد بن زيد مناة بن تميم. فغَزوا بكر بن وائل. فوجدوا بني ذهل بن
ثَعلبة بن عُكابة واللهازم - وهم قَيس وتيم اللتَ ابنا ثَعلبة وعِجْل بن لُجيم وعَنَزة بن أسد بن ربيعة - بالنِّباج وثَيْتل وبينهما رَوْحة. فتنازع قيسُ بن عاصم وسَلامة بن ظَرِب في الإغارة ثم اتفقا على أن يُغير قَيس على أهل النِّباج ويُعير سلاَمة على
أهل الثَيتل. قال: فبعث قيسُ بن عاصم سنانَ بنَ سُمَي الأهتم شيِّفَةً له - والشَّيفة: الطَّليعة - فأتاه الخبرُ. فلما أصبح قيسُ سقى خَيله ثم أطلق أَفواه الرَّوايا وقال لقومه: قاتلوا فإن الموت بين أيديكم والفلاةَ مِن ورائكم. فلما دنوا من القوم صُبحاً سمعوا ساقياً
من بكر يقول لصاحبه: يا قيس أَوْرد. فتفاءلوا به. فأغاروا على النِّباج قبل الصُبح فقاتلوهم قتالاً شديداً. ثم إن بكر انهزمت وأَسر الأهتمُ حُمْرانَ بن بِشر بن عمرو بن مَرْثد وأصابوا غنائم كثيرة. فقال قيس لأصحابه لا مُقام دون الثَّيتل فالنجاء النجاء. فأبوا. ولم يُغِر
سَلاَمة ولا أَصحابه بعد على من بثَيْتَل فأغار عليهم قيس بن عاصِم فقاتلوه ثم انهزموا. فأصاب إبلاً كثيرة. فقال سلامة: إنكم أعرتُم على ما كان أمره إليّ. فتلاحَوْا في ذلك. ثم اتفقوا على أن سَلّموا إليه غنائم ثَيتل. ففي ذلك يقول ربيعة بن ظَرِيف: فلا
يُبعِدَنْك الله قيسَ بن عاصم فأنتَ لنا عِزٌّ عزيز وَمَوْئل وأنت الذي حَرَّبْت بكر بنَ وائل وقد عَضَّلَتْ منها النِّباجُ وثَيتل غداة دَعت يا آل شَيبان إذ رأت كراديس يَهْدِيهنّ وَرْد مُحجّل وظَلّت عُقاب الموت تَهْفو عليهم وشُعثُ النواصي لجمهنّ تُصَلصل فما منكُم أبناءَ بكر
بن وائل لغارتِنا إلا رَكوبُ مُذلّل وقال جرير يصف ما كان من إطلاق قَيس بن عاصم أفواه المَزاد بقوله: وفي يوم الكُلاب ويوم قَيْسٍ هَرَق على مُسلّحةَ المَزادَ وقال قُرة بن قَيس بن عاصم: أنا ابنُ الذي شَقَّ المَزاد وقد رَأى بثيتل أَحياء اللَهازم حُضَّرَا
على الجُرد يَعَلُكْن الشكِيم عَوابساً إذا الماءُ من أعطافهنَ تَحذَرا فلم يَرها الراءون إلا فُجاءةً يُثرنَ عَجاجاً بالسنابك أكْدرا سَقاهم بها الذِّيفانَ قيسُ بن عاصم وكان إذا ما أوْردَ الأمرَ أصْدرا وحُمران أدته إلينا رِماحُنا فنازَع غُلا مِن ذِرَاعيه أسمَرا وجَشَامة الذُهلي قُدْناه عَنْوةً إلى
الحيّ مَصْفود اليدَيْن مُفكِّرا يوم زرود لبني يربوع على بني تغلب أغار خُزيمة بنِ طارق التغلبي على بني يَرْبوع وهم يزَرود فنَذِروا به فالتقَوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم انهزِمت بنو تَغلب. وأسر خزٍيمة بن طارق أسره أنيف بن جبلة الضبيّ وهو فارس الشَيط وكان يومئذٍ
مُعتلاً في بني يربوع وأسيدُ بن حِناءة السّليطي فتنازعا فيه فحَكما بينهما الحارث بن قُراد وأم الحارث امرأة من بني سَعد بن ضَبّة فحكم بناصية خزيمة لأنيف بن جَبله على أنّ لأسيد على أنيف مائةً من الإبل. قال: ففدا خزيمةَ نفسَه بمائتي بعير وفَرِس. وقال
أنيف: أخذتُك قَسراً يا خُزَيمَ بنَ طارقٍ ولاقيت منِّي الموتَ يوم زَرُود أيام يربوع على بكر وهذه أيام كُلها لبني يربوع على بني بكر من ذلك: يوم ذي طُلوح وهو يوم أوْد ويوم الحائِر ويوم مَلْهَم ويوم القُحْقُح وهو يوم مالة ويوم رأس عَين ويوم
طِخْفة. ويوم الغَبِيط ويوم مُخطط ويوم جَدُود ويوم الْجِبايات ويوم زَرود الثاني. يوم ذي طلوح لبني يَربوع على بكر كان عَمِيرة بن طارق بن خصينة بن أرِيم بن عبيد بن ثَعلبة تَزوَّج مُرية بنت جابر أخت أبجر بن جابر العِجْليّ فَخَرج حتى ابتنى بها في
بني عِجْل. فأتى أبجرُ أختَه مُرَيّة امرأة عَميرة يزورها فقال لها: إني لا أرجو أنْ آتيك ببنت النَطِف امرأة عَميرة التي في قومها. فقال له عَميرة: أترضى أن تُحاربني وتَسْبيني فَندِم أبجر وقال لعَميرة: ما كنتُ لأغزو قومك. ثم غزا أبجر والحَوْفزان مُتساندين. هذا فيمن
تَبعه من بني شَيبان وهذا فيمن تَبعه من بني اللهازم وساروا بعَميرة. معهم قد وكّل به أبجرُ أخاه حُرْفصة بن جابر. فقال له عمَيرة: لو رجعْتُ إلى أهلي فاحتملتُهم فقال حُرْفصة: افعل. فكرّ عَميرة على ناقته ثم نكل عن الجَيش فسار يومين وليلة حتى أتى