سيدَهم قال: سأَجزيك شُكْر ذلك. فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد ما دعاك إلى أن تتحرش بهذا الكلب وأنت ضيفي فقال له خالد: إنما هو عَبد من عَبيدي لو وجدني نائماً ما أَيقظني. وانصرف خالدٌ إلى قُبَّته فلامه عِروةُ الرحّال. ثم ناما وقد أشرجت عليهما
القُبة ومع الحارث تَبيع له من بني مُحارب يقال له خِرَاش. فلما هدأت العُيون أخرج الحارث ناقتَه وقال لِخَراش: كُن لي بمَكان كذا فإن طَلع كوكب الصُّبح ولم آتِك فانظُر أي البلاد أحب إليك فأعمِد لها. ثم انطلق الحارث حتى أتى قُبةَ خالد فهتك شرَجَها
ثم ولَجها وقال لعُروة: أسكُت فلا بأس وزعم أبو عُبيدة أنه لم يشعر به حتى أتى خالداً وهو نائم فقتله ونادى عُروة عند ذلك: واجِوَارَ المَلك! فأقبل إليه الناسُ وسَمع الهُتافَ الأسودُ بن المُنذر وعنده امرأة من بني عامر يقال لها المُتجردة فشقت جَيبَها وصرَخت.
وفي ذلك يقولُ - عبد الله بن جَعدة: شَقت عليكَ العامرية جَيْبَها أسفاً وما تَبْكِي عليكَ ضلا يا حارِ لو نَبهتَه لوجدتَه لا طائشاً رعِشاً ولا مِعْزالا واغرورقت عيناي لما أخْبرت بالجَعفري وأسبلتْ إسبالا فلنقتلنَ بخالدٍ سرواتِكم ولنجعلنْ للظالمين نَكالا فإذا رأيتُم عارضاً متهللاً مِنّا
فإنا لا نُحاول مالا يوم رحرحان لعامر على تميم قال: وهرب الحارثُ بن ظالم ونَبَتْ به البلادُ فلجأ إلى مَعبد بنِ زُرارة وقد هَلك زرارةُ فأجاره. فقالت بنو تميم لمَعبد: مالك آويتَ هذا المَشئوم الأنكد وأغريت بنا الأسود وخَذلوه غير بني دمَاوية وبني عبد الله
ابن دارم. وفي ذلك يقول لَقيطُ بن زُرارة: فأمَا نَهشلٌ وبنو فُقَيْم فلم يَصبِر لنا منهم صَبُورُ فإنْ تَعمِد طُهيةَ في أمور تجدْها ثَم ليس لها نَصير ويَربوع بأسْفل ذي طُلوح وعمرو لا تَحل ولا تَسير أسيد والهُجيم لها حُصاص وأقوامٌ من الجَعْراء عُور وأسلمنا
قبائلُ من تميم لها عددٌ إذا حُسبوا كَثير وأما الآثمان: بنو عَديّ وَتيم إذا تُدبرت الأمور فلا تَنعم بهم فِتيانَ حَرْب إذا ما الحيُ صبحهم نذير إذا ذهبت رماحُهمِ بزَيْد فإن رِماحَ تَيْم لا تَضير قال: وبلغ الأحوصَ بن جعفر بنِ كلاب مكانُ الحارث بن
ظالم عند مَعبد فغزى مَعبداً فالتقَوْا برَحرحان. فانهزمت بنو تَميم وأسر مَعبد ابنُ زرارة أسره عامرٌ والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب. فوفد لَقيطُ ابن زُرارة عليهم في فِدائه فقال لهما: لكما عندي مائتا بعير. فقال: لا يا أبا نَهشل أنت سيد الناس وأخوكَ
معبد سيد مضر فلا نقبل فيه إلا ديةَ مَلِك. فأبى أن يَزيدهم وقال لهم: إن أبانا أوصانا أن لا نزيد أحداً في ديته على مائتي بعير. فقال مَعبد للقِيط: لا تَدَعْني يا لقيط فوالله لئن تركتَني لا تراني بعدها أبداً. قال: صبراً أبا القَعقاع فأين
وصاة أبينا ألا تُؤكلوا العربَ أنفسكم ولا تَزيدوا بفدائكم على فِداء رجل منكم فَتذْؤُب بكم ذُؤبان العرب. ورحل لقيط عن القوم. قال: فمنعوا معبداً الماءَ وضارّوه حتى مات هُزالا. وقيل: أبَى معبد أن يَطعم شيئا أو يَشرب حتى مات هُزالا. ففي ذلك يقول عامر ابن
الطفيل: قضينا الجَوْن من عبس وكانت منية مَعبد فينا هُزالاَ وقال جرير: وليلةَ وادي رَحْرحان فَرَرْتُم فِراراً ولم تُلْووا زَفيفَ النعائِم تركتم أبا القَعقاع في الغُل مُصْفَداً وأيَ أخ لم تسلموا وقال: يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم قال أبو عُبيدة: يوم شِعب
جَبلة أعظم أيام العرب وذلك أنه لما انقضت وَقْعة رَحرحان جمع لقيطُ بن زرارة لبني عامر وألب عليهم. وبين يوم رَحرحان ويوم جَبلة سنة كاملة. وكان يوم شِعْب جَبَلة قبلَ الإسلام بأربعين سنة وهو عام وُلد النبيّ ﷺ . وكانت بنو عَبس يومئذ في بني
عامر حُلفاءَ لهم فاْستعدى لَقيط بني ذُبيان لعداوتهم لبني عَبس من أجل حَرب داحس فأجابته غَطفان كلّها غيرَ بني بدر. وتجمّعت لهم تميم كلها غير بني سَعد وخرجت معه بنو أَسد لحلْف كان بينهم وبين غَطفان حتى أتى لقيط الجونَ الكَلْبيّ وهو ملك هَجر وكان
يَجبى مَن بها من العَرب فقال له: هل لك في قوم غارِّين قد مَلئوا الأرض نَعماً وشاء فترسلَ معي ابنيك فما أَصبنا من مال وَسبْى فلهما وما أصبنا من دم فَلِي فأجابه الجَون إلى ذلك وجعل له موعداً رأسَ الحَوْل. ثم أتى لقيطٌ النعمانَ بن
المُنذر فاسنتجده وأطعمه في الغنائم فأجابه. وكان لقيطٌ وجيهاً عند الملوك. فلما كان على قَرن الحَول من يوم رَحرحان انهلّت الجيوش إلى لَقيط وأقبل سِنانُ بن أبي حارثة المُرّي في غَطفان وهو والد هَرِم بن سِنان الجَواد وجاءت بنو أسد وأرسل الجونُ ابنيه معاويةَ وعمراً
وأرسل النعمان أخاه لأمه حسَّان ابن وَبَرة الكَلبيّ. فلما توا فَوْا خرجوا إلى بني عامر وقد أُنذروا بهم وتَأهّبوا لهم. فقال الأحوصُ بن جعفر وهو يومئذ رَحَا هوازن لقيس بنُ زهير: ما ترى فإنك تزعم أنه لم يَعْرض لك أمران إلا وجد تَ في أحدهما
الفَرج. فقال قيسُ ابن زهير: الرأي أن نَرتحل بالعِيال والأموال حتى نَدْخل شِعْب جَبلة فنُقاتِل القوم دونها من وَجه واحد فإنهم داخلون عليك الشِّعب وإنّ لقيطاً رجل فيه طَيش فسيقتحم عليك الجبَل فأرى لك أن تأمر الإبل فلا تَرعى ولا تُسقى وتُعقل ثم تَجعل الذّراري
وراء ظُهورنا وتأمر الرجالَ فتأخذُ بأذناب الإبل فإذا دخلوا علينا الشِّعب حَلّت الرّجّالة عُقل الإبل ثم لَزِمت أذنابَها فإنها تنحدر عليهم وتحنّ إلى مرعاها وورْدها ولا يَردّ وجوهَها شيء وتخرج الفُرسان في إثر الرّجّالة الذين خلفَ الإبل فإنها تُحطّم ما لقيت وتُقبل عليهم الخيل وقد
حُطِّموا من عَل. قال الأحوص: نِعم ما رأيت فأخذ برأيه. ومع بني عامر يومئذ بنو عَبس وغنى في بني كِلاب وباهلةُ في بني كعب والأبناءُ أبناء صَعصعة. وكان رهط المُعَقَر البارقيّ يومئذ في بني نُمير بن عامر وكانت قبائل بَجيلة كُلّها فيهم غير قَسْر. قال
أبو عُبيدة: وأقبل لَقيط والملوك ومن مَعهم فوجدوا بني عامر قد دخلوا شِعْب جَبلة فنزلوا على فَم الشِّعب. فقال لهم رجل من بني أسد: خذوا عليهم فَم الشِّعب حتى يَعْطشوا ويَخْرجوا فوالله ليتساقطُنّ عليكم تساقطَ البَعَر من أست البعير. فأتوا حتى دخلوا الشِّعب عليهمِ وقد
عقلوا الإبل وعَطّشوها ثلاثة أخماس وذلك اثنتا عشرةَ ليلة ولم تَطْعم شيئاً. فلما دخلوا حلّوا عُقُلَها فأقبلت تهوي. فسمع القومُ دَويها في الشِّعب فظنوا أن الشِّعب قد هُدم عليهم والرّجالة في إثرها آخذين بأذنابها فدقّت كلَّ ما لقيتْ وفيها بَعير أعور يتلوه غلام أعسر أخذٌ
بذنبه وهو يرتجز ويقول: " أنا الغلامُ الأعسر الخيرُ فيِّ والشرّ والشرُّ في أَكثرْ " فانهزموا لا يُلوون على أحد. وقُتلَ لقيطُ بنُ زُرارة وأسر حاجبُ بن زرارة أسره ذو الرُّقَيْبة. وأسر سِنان بن حارثة المُري أسره عُروة الرحال فجزّ ناصيَته وأطلقه فلم تَشِنْه. وأسر
عمرو بن أبي عمرو بن عُدس أسره قيس بن المُنتفق فجزّ ناصيته ناصيته وخلاّه طَمعاً في المُكافأة فلم يَفعل. وقُتل معاوية بن الجَوْن ومُنقذ بن طَرِيف الأسدي ومالك بن رِبْعيّ بن جَندل ابن نَهشل. فقال جرير: كأنك لم تَشهدْ لَقِيطاً وحاجباً وعمرو بنَ عمرو إذ
دَعا يا لَدَارم ويومَ الصّفا كُنتم عَبيداً لعامر وبالحَزْن أصبحتم عَبيدَ اللَهازم يعنى بالحَزن يومَ الوقيط. وقال جرير أيضاً في بني دارم: وكبل حاجبٌ بشِمام حَوْلاً فحكَم ذا الرًّقيبة وهو عَانى وقالت دخْتَنوس بنت لَقيط تَرثي لَقيطاً: فَرَّت بنو أسد فِرا رَ الطيْر عن أربابها
عن خَير خِنْدف كلها مِن كهلها وشَبابها وأتَمَها حسباً إذا نُصَّتْ إلى أحسابها وقال المُعقَر البارقيّ: أمِن آل شَعثاء الحُمول البَواكرُ مع الصُّبح أم زَالتْ قُبيلُ الأباعرُ وحَلت سُليمى في هِضاب وأيكة فليس عليها يومَ ذلك قادر وألقتْ عَصاها واستقرت بها النَوى كما قَرّ عيناً
بالإياب المُسافر وصبحها أملاكُها بكتَيبةٍ عليها إذا أمستْ من الله ناظر مُعاويةُ بنُ الجَون ذُبيانُ حولَه وحسان في جَمع الرِّباب مُكاثر وقد زَحفتْ دُودان تَبغي لثأرِها وجاشت تميم كالفُحول تُخاطر وقد جَمَعوا جمعاً كأنَّ زُهاءه جراد هَفا في هَبْوة مُتطاير فلم نَقْرهم شيئاً ولكنْ قِراهُم
صَبوح لدينا مَطْلَع الشمس حازِر وصَبَحهم عد الشَرُوق كتائب كأركان سَلْمى سيرُها مُتواتر كأن نَعام الدَوَ باض عليهمُ وأعينهمُ تحت الحَبيك خَوازر مِن الضاربين الهام يَمْشون مَقدماً إذا غُصّ بالرِّيق القليل الحَناجر أضنّ سرَاةُ القوم أنْ لن يُقاتلوا إذا دُعيت بالسَّفْح عَبْسٌ وعامر ضربنا حَبِيك
البَيْض يا غَمر لجة فلم يَنج في الناجِين منهم مُفاخر هوى زَهْدمٌ تحت العَجَاج لحاجب كما انقضّ بازٍ أقتمُ الرِّيش كاسر يُفرّج عنّا كُلَّ ثَغرٍ نخافه مِسَحّ كسِرْحان القَصيمة ضَامر وكُلُّ طَموح في العِنان كأنها إذا اغتمَست في الماء فَتْخاء كاسِر لها ناهضٌ في الوَكْر