وكَذب الشاعر. أُتي الحجاجُ بامرأة عبد الرحمن بن الأشعث بعد دَير الجماجم فقال لَحرْسى: قُل لها: يا عدوة الله أين مالُ الله الذي جَعلته تحت ذَيلك فقال: يا عدوة الله أين مالُ الله الذي جعلته تحت استك فقال له: كذبتَ ما هكذا قلتُ أرسلها فخلى
عنها. الأصمعي قال: ماتت رُفقة عَطَشاً بالشجِي - والشَّجِي: رَبو من الأرض في بطنَ فلج - فَشَجِيَ به الوادي فسُمِّى شج - فقال الحجاج: إني أراهم قد تضرَّعوا إذا نَزل بهم الموت فاحفروا في مكانهم فحفروا. فأمر الحجّاج رجلا يقال له عضيدة يحفر البئر فلما
أنبطها حمل منها قِربتين إلى الحجاج بأواسط فلما قدم بهما عليه. قال: يا عديدة لقد تجاوزت مياهاً عذاباً أخسف أم أشلت لا واحدَ منهما ولكنْ نَبَطا بين الماءين. قال: وكيف يكون قَدره قال: مرّت بنا رًفقة فيها خمسة وعشرون جملاً فَرويت الإبل وأهلها. قال: أو
لِلإبل حَفرتها إنما حفرتَها للناس! إن الإبل ضُمْر خُسْف ما جُشّمت تجشّمتْ. بعث عبدُ الملك بن مَروان الحجَّاج بن يوسف والياً على العراق وأَمره أن يَحْشر الناسَ إلى المهلَّب في حَرب الأزارقة. فلما أتى الكُوفة صَعِد المِنبَر مُتلثّماً متنكِّبا قوسَه فجلس واضعاً إِبهامه على فيه.
فنظر محمدُ بن عُمير بن عُطارد التميمي فقال: لَعن الله هذا ولَعن مَن أرسله إلينا! أرسل غلاماً لا يستطيع أن يَنطق عِيَّاً! وأخذ حصاةً بيده لِيَحْصبه بها. فقال له جليسُه: لا تَعجل حتى ننظر ما يَصنع فقام الحجاج فكشف لِثامَه عن وجهه وقال: أنا ابنُ
جلاَ وطَلاَّع الثَنايا متى أضع العِمامةَ تَعْرفوني صليبُ العُود مِن سَلَفْي نِزار كنَصل السيفِ وضّاح الجَبَين أخو خَمْسين مجتمعٌ أشدِّي ونَجَّذني مداورة الشؤون أما والله إني لأحملُ الشرَّ بثِقْله وأحذوه بنَعله وأجزيه بمثله أما والله إني لأرى رؤسا قد أَينعت وحان قِطافها وكأني أرى الدماء
تبق العمائم واللِّحى لترقرق هذا أوانً الشدِّ فاشتدّي زيمْ قد لفّها الليلُ بسواق حُطَمْ ليس براعي إبلٍ ولا غَنم ولا بجزَار على ظَهر وَصَمْ ألا إنّ أميرَ المؤمنين عبدَ الملك بن مروان كَبَّ كنانته فعجَم عيدانَها فوجدني أصلبهاعوداً. فوجّهني إليكم فإنكم طالما سَعيتم في الضَّلالة
وسَننتم سُنن البَغي. أما والله لألحونَّكم لحوَ العصا ولأعصَبنّكم عصْب السِّلمة ولأقرعنَّكم قَرْع المَرْوة ولأضربنَّكم ضَرْب غَرائب الإبل. والله ما أخْلُق إلا فَريت ولا أعد إلا وفّيت. إني والله لا أغمز تَغمازَ التّين ولا يُقعقع لي بالشِّنان. إياي وهذه الزرافات والجماعات وقيل وقال وما يقول
وفيم أنتم ونحو هذا. من وجدتُه بعد ثالثة من بعث المُهلَّب ضربت عنقه. ثم قال: يا غلام اقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان إلى مَن بالكوفة من المسلمين. سلامٌ عليكم. فلم يقُل أحد شيئاً. فقال
الحجاج: اسكت يا غلام هذا أدب ابن نِهّية والله لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمُنّ. اقرأ يا غلام كتابَ أمير المؤمنين. فلما بلغ قولَه: سلام عليكم لم يبقَ أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فأتاه عُمير بن ضابيء فقال: أيها
الأمير إنّي شيخ كبير عليل وهذا ابني أقوَى على الغَزْو منّي. قال: أجيزُوا ابنَه عنه فإن الحدَثَُ أحبُّ إلينا من الشيخِ. فلما وَلّى الرجلً قال له عنبسةُ بن سَعيد. أيها الأمير هذا الذي رَكض عثمان برجله وهو مَقتول. فقال: رُدُّوا الشيخ فردُّوه فقال: أضربوا عُنقه.
فقال فيه الشاعر. تجهَّزْ فإمّا أن تزور ابنَ ضابىء عُمَيراً وإمّا أن تَزور المهلَّبَا هما خُطَّتا خَسْفٍ نجاؤك منهما ركوبُك حَوْليا من الثَّلْج أَشهبا أريده دائم العُبوس طويلَ الجلوس سمينَ الأمانة أعجفَ الخِيانة لا يَحْنق في الحق على حُرّ أو حُرة يَهون عليه سؤال الأشراف
في الشَفاعة. فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عُبيد التّميمي. فأرسل إليه فاستعمله: فقال له: لستُ أقبلها إلا أن تكفيَنِي عمالَك وولدَك وحاشيَتك. فقال الحجاج: يا غلام نادِ: مَن طَلب إليه منهم حاجةَ فقد برئتْ الذمةُ منه. قال الشعبيُّ: فوالله ما رأيتُ قطُّ صاحب شرطة
مثلَه كان لا يَحبس إلا في دَيْن وكان إذا أتي برجل نَقب على قوم وَضع مِنْقبته في بَطنه حتى تَخرج من ظهره وكان إذا أُتي برِجل نَبّاش حَفر له قبراً ودَفنه فيه حيّاً وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شَهر سلاحاً قَطع يَده فربما أقام
أربعين يوماً لا يُؤتى إليه بأحد. فضمّ الحجاجُ إليه شرُطة البَصرة معِ شرُطة الكوفة. ولما قَدِم عبد الملك بنُ مروان المدينة نزل دارَ مروان فمرّ الحجّاجُ بخالد ابنِ يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد وعلى الحجّاج سيف محلَّى وهو يَخطِر مُتبختراً. في المسجد. فقال
رجل من قُريش لخالد: من هذا التّختارة فقال بخ بخ! هذا عمرُو بن العاص! فسمعه الحجاجُ فمال إليه فقال: قلتَ: هذا عمرو بن العاص! والله ما سرّني أن العاص وَلدني ولا ولدتُه ولكن إن شئتَ أخبرتُك من أنا: أنا ابنُ الأشياخ من ثَقيف والعقائل من
قُريش والذي ضَرب مائة بسيفه هذا كلهم يَشهدون على أبيك بالكفر وشُرب الخمر حتى أقرُّوا أنه خليفة. ثم ولّى وهو الأصمعي قال: بعث الحجاجُ إلى يحيى بن يَعْمرً فقال له: أنت الذي تقول إنّ الحسنَ بن على ابنُ رسول الله ﷺ والله لتأتينّي بالمخرج أو
لأضربنّ عُنقك. فقالت له: فإن أتيت بالمخرِج فأنا آمن قال: نعم. قال له: اقرأ: " وتلْك حُجتنا آتيناها إبراهيمَ على قَوْمه نرْفع درجاتٍ مَن نَشاء " إلى قوله " ومِن ذُرّيته داودَ وسُليمانَ وأيوبَ ويُوسفَ ومُوسى وهاَرون وكذلك نَجْزي المُحْسنين. وزَكريّا ويَحيى وعِيسى " فمن
أقربُ: عيسى إلى إبراهيم وإنما هو ابنه بنته أو الحسن إلى محمد قال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأتُ هذه الآية قط وولاّه قضاءَ بلد. فلم يزل بها قاضياً حتىِ مات. قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كان عبدُ الملك بنُ مَروان سِنان قُريش وسيفَها
رأياً وحزماً وعابدَها قبل أن يُستخلفَ ورعاً وزُهداً فجلس يوماً في خاصّته فقَبض على لِحيته فشمَّها مليا ثم اجتر نَفسَه ونَفخ نفخةً أطالها ثم نَظر وُجوه القوم فقال: ما أطول يومَ المسألة عن ابن أمِ الحجّاج وأدحضَ المحتجّ على العليم بما طَوته الحُجب. أما إنّ
تَمليكي له قرَن بي لوعةً يَحشّها التّذكار. كيف وقد علمتُ فتعاميتُ وسمعتُ فتصاممت وحَمله الكرامُ الكاتبون. والله لكأني إلفُ ذي الضِّغن على نَفْسي وقد نَعتِ الأيامُ بتصرّفها أنفساً حُق لها الوعيد بتصرّم الدُّول. وما أبقت الشًّبهة للباقي متعلَقاً وما هو إلا الغِلّ الكامن من النَّفس
بحَوْبائها والغَيْظ المُندمل. اللهم أنت لي أوسع غيرَ مُنتصر ولا مُعتذر. يا كاتب بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الملك بن مَروان إلى الحجَّاج بن يوسف: أما بعد. فقد أصبحتُ بأمرك بَرِماً يُقعدني الإشفاقُ ويُقيمني الرجاء وإذا عجزتُ في دار السعة وتوسًّط الملك
وحين المَهل واجتماع الفكر أن ألتمسالعُذرَ في أمرك فأنا لعمرُ اللهّ في دار الجَزاء وعَدَم السلطان واشتغال الحامّة والرُّكون إلى الذِّلة من نفسي والتوقّع لما طُويت عليْة الصحفُ أعجز. وقد كنتُ أشركتُك فيما طوقني الله عزَ وجل حملَه ولاثَ بحَقْويّ من أمانته في هذا الخلق
المَرْعيّ فدُللتُ منك على الحزم والجِدّ في إماتة بِدعَة وإنعاش سُنّة فقعدتَ عن تلك ونهضتَ بما عاندَها حتى صِرْت حُجة الغائب والشاهدِ القائم وعُذّر اللاعنِ. فلعن الله أبا عَقيل وما نَجل فالأم والد وأخبث نَسل. فَلعمري ما ظَلمكم الزِّمان ولا قَعدت بكم المراتب. لقد ألْبسْتكم
مَلبسكم وأقعدتكم على رَوابي خططكم وأحلّتكم أعلى مَنَعتكم فمن حافر وناقل وماتِح للقُلُب المُقْعَدة في الفيافي المتفيهقة ما تقدَّم فيكم الإسلام ولقد تأخّرتم وما الطائف منّا ببعيد يُجهل أهلهُ. ثم قمتَ بنفسك وطمحتَ بهمَتك. وسرّك انتضاءُ سَيفك فاستخرجك أميرُ المؤمنين من أعوان رَوْح ابن زِنباع
وشُرطته وأنت على معاونته يومئذ مَحسود فهفا أميرُ المؤمنين والله يُصبح بالتوبة والغفران زلّته وكأني بك وكأنَ ما لو لم يكن لكان خيراً مما كان. كل ذلك مِن تجاسرك وتَحاملك على المُخالفة لرأي أمير المؤمنين. فصدعْتَ صفاتَنا وهَتكت حُجبنا وبَسطت يديك تحقِن بهما من كرائم
ذوي الحقوق اللازمة والأرحام الواشجة في أوعية ثَقيف. فاستغفر الله لذَنْب ما له عُذر. فلئن استقال أميرُ المؤمنين فيك الرأيَ فقلد جالت البصيرةُ في ثَقيف بصالح النبيّ صلى الله عليه و سلم إذ ائتمنه على الصدقات وكان عبدَه فهرب بها عنه وما هو إلا اختبار
الثّقة والتلطًّف لمواضع الكفاية فقعد به الرجاءُ كما قَعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له. فكأنّ هذا أَلبس أميرَ المؤمنين ثوبَ العزاء ونهض بعُذره إلى استنشاق نَسيم الرّوْح. فاعتزِلْ عمل أمير المُؤمنين واظعن عنه باللَّعنة اللازمة والعُقوبة الناهكة إن شاء الله إذ استحكم لأمير المُؤمنين ما
يُحاول من رَأيه والسلام. ودعا عبدُ الملك مولى يقال له نُباتة له لسان وفَضْل رأي فناوله الكتابَ ثم قال له: يا نُباتة العَجلَ ثم العجلَ حتى تأتَي العراق فضَع هذا الكتاب في يد الحجاج وترقّب ما يكون منه فإن اجبَل عند قراءته واستيعاب ما فيه
فاقْلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به وهَدِّن الناسَ حتى يأتيهم أمري بما تَصفني به في حين انقلاعك من حُبِّي لهم السلامة. وإن هَشَّ للجواب ولم تَكْتنفه أربة الحَيرة فخُذ منه ما يُجيب به وأفْرِزه على عمله ثم اعجَل عليّ بجوابه. قال نُباتة: فخرجتُ