ولم تَكُن بمُذعِنهْ واستسلمت كافرةُ لمؤمِنَهْ فقُدَمت كُفّارها للسّيفِ وقتَلوا بالحَق لا بالحَيفِ وذاك مِن يُمن الإمام المُرْتَضىَ وخير مَن بَقِي وخير من مَضىَ ثم انتحى من فوره بُبَشترَا فلم يدَعْ بها قضيبَاً أخضرَا وحَطَّم النباتَ والزُروعَا وهَتك الرِّباع والربوعا فوثق الإمامُ من رِهانهِ كَيلا
يكونَ في عَمى من شانِه وقبِل الإمامُ ذاك منهُ فضلاً وإحساناً وسار عنهُ سنة ثمان وثلثمائة ثمِ غزا الإمامُ دارَ الْحَرب فكان خطباً يا له من خَطب فحُشدت إليه أعلامُ الكُورْ ومَن له في النَاس ذِكرٌ وخطر إلى ذَوي الدَيوان والرياتِ وكُلِّ مَنسوب إلى الشَاماتِ
وكل مَن أخلص للرحمن بطاعةٍ فيً السر والإعلانِ وكلَ مَن طاوع في الجهاد أو ضمه سَرْج على الجياد فكان حشداً ياله من حشدِ من كُل حُرٍ عندنا وعَبدِ فتحسبُ الناسَ جراداً مُنتشرْ كما يقول ربُّنا فيمن حُشر ثم مَضى المُظَفَّر المنصورُ على جَبِينه الهُدى والنُورُ
أمامه جُند من الملائكهْ آخذة لربها وتاركهْ فزُلزلت أقدامُهم بالرُّعب واستُنْفِروا من خوف نار الحَرْب واقتحموا الشِّعابَ والمَكامنَاَ وأسْلموا الحُصونَ والمَدائنَاَ فما بقِي من جَنَبات دُورِ مِن بَيعة لراهب أو دَيْرِ إلا وقد صَيَرها هباءَ كالنَار إذ وافقت الأباءَ وزَعزعت كتائبُ السلطانِ لكُل ما فيها
من البنْيانِ فكان مِن أول حِصْن زَعْزعُوا ومَن له منِ العدوَ أوْقعُوا مَدينة معْرُوفة بوَخْشَمَهْ فغادروها فحمةً مُسخمهْ ثم ارتقوا منها إلى حَواضر
فغادروها مثلَ أمس الدابرِ ثم مَضوْا والعلج يَحْتذيهمُ بجَيْشه يَخشى ويَقْتفيهمُ حتى أتوا تواً لوادِي ديّ ففيه عفِّى الرُّشدُ سبُلَ الغيّ لما الْتقوْا بمَجمع الجَوْزينِ واجتمعت كتائبُ العِلْجين مِن أهل ألْيون وبَنبلونَهْ وأهل أرنيط وبَرْشلونَهْ ورِدُها متصل برِدِّ يُمده بحر عظيمُ المَدِّ فانهزم العِلجان في
عِلاج ولَبسوا ثوباً من العَجاج كلاهما يَنظُر حيناً خَلفَهُ فهو يَرى في كُلِّ وَجْهٍ حتْفهُ والبِيض في إِثرِهم والسمْرُ والقَتْل ماضٍ فيهمُ والأسْرُ فلم يكن للناس منْ بَراح وجاءت الرُّؤوس في الرِّماح فأمر الأميرُ بالتَقْويض وأسرْع العَسكَرُ في النًّهوض فصادفُوا الجُمهور لما هُزمُوا وعاينوا قُوّادَهم
تُخرِّمُوا فدخلوا حديقَةً للموتِ إذ طَمِعوا في حصْنها بالفَوْتِ فيالَها حديقةً ويالَها وافتْ بها نفوسهم آجالَها تحضنوا إذ عاينوا الأهْوالا لمَعقلٍ كان لهم عِقالا وصَخرة كانت عليهم صَيْلمَا وانقلبوا منها إلى جَهنما تساقطوا يستطعمون الماءَ فأخرجت أرواحُهم ظِماءَ مُصمماً بحرْب دار الحرب قُدّامَه كتائبٌ من
عُرْب فداسَها وسامَها بالخَسْفِ والهتكِ والسفك لها والنَّسْفِ فحرّقوا ومزقوا الحُصونا وأسْخنوا من أهلها العُيونَا فانظُر عن اليمين واليسارِ فما تَرى إلا لهيبَ النارِ
وأصبحتْ ديارُهم بلاقعَا فما تَرى إلا دخاناً ساطعَا ونُصر الإمامُ فيها المصطفى وقد شَفى من العدو واشتَفى سنة تسع وثلثمائة وبعدها كانت غَزاة طرشْ لسَما إليها جيشه لم يُنْهَشْ وأحدقتْ بحِصْنها الأفَاعي وكُل صِل أسْود شُجاع ثم بَنى حِصْناً عليهِا راتِبَا يَعتور القوّادُ فيهِ دائبَا
حتى أنابتْ عَنوةَ جِنانُها وغابَ عن يافوخها شَيطانُها فأذعنتْ لسيد السادات وأكرم الأحياء والأمواتِ واستحجب الإمامُ خيْرَ حاجب وخيْرَ مَصحوب وخَير صاحبِ مُوسى الأغَرّ من بني جُدَيرِ عَقيد كُل رأفةٍ وخَير سنة عشر وثلثمائة وبعدها غَزِاةُ عشرْ غَزْوَهْ بها افتتاحُ منتلون عَنوَهْ غزا الإمامُ في
ذوي السلطان يَؤُمّ أهلَ النُّكْث والطغيانِ فاحتلّ حِصْن منتلوِن قاطعَا أسباب مَن أصبح فيه خالعَا سارَ إليه وبَنى عليه حتى أتاهُ مُلْقِياً يَدَيْه ثم انثنى عنه إلى شَذُونَهْ فعاصَها سهلاً من الْحُزونَهْ وساقَها بالأهل والوِلدانِ إلى لُروم قُبّة الإيمانِ ولم يَدَعْ صَعْبًا وَلا منيعاً إلا
وقد أذلهَم جميعَا ثم انثنَى بأطيبِ القفُول كما مَضىَ بأحسنِ الفضول سنة إحدى عشرة وثلثمائة فاحتلّ مِن بُبَشْتَر ذَراها وجال في شاطٍ وفي سواها فخرّب العُمران من بُبَشْتَرِ وأذعنت شاطُ لربِّ العَسكرِ فأدخل العدة والعديدَا فيها ولم يَتركْ بها عَنِيدَا ثم انتَحى بعدُ حُصونَ العُجْم
فداسها بالقَضْم بعد الخَضْم ما كان في سواحل البُحورِ منها وفي الغاباتِ والوُعور وأدخل الطاعةَ في مكانِ لم يدْر قط طاعةَ السلطانِ ثم رَمى الثغرَ بخير قائدِ
وذادهم عنه بخير ذائد به قما الله ذوي الإشراكِ وأنقذ الثغرَ من الهلاكِ وانتاش من مَهْواتها تُطِيلَهْ وقد جرت دماؤُها مَطلُولَهْ وطَهر الثغرَ وما يَليهِ من شِيعةِ الكُفر ومن ذَويهِ ثم انثنى بالفَتح والنجاح قد غيّر الفسادَ بالصلاح سنة اثنتي عشرة وثلثمائة غزا وسيفُ النّصر
في يَمينه وطالعُ السٌعدِ على جَبينه وصاحبُ العَسكر والتدبير موسى الأغرُّ حاجب الأمير فدمَّر الحُصونَ من تُدْمِير واستنزل الوحشَ من الصخورِ فاجتمعتْ عليه كُلّ الأمهَ وبايعته أمراء الفتنة حتى إذا أوعب من حصونها وجمَّل الحق على مُتونها مَضى وسار في ظلال العَسكرِ تحت لواءِ الأسد
الغَضَنْفَرِ رجال تُدمير ومَن يليهمُ من كلّ صِنفٍ يعتزى إليهم حتى إذا حَلَّ على تُطيله بكت على دمائها المَطلولَهْ وعِظْم ما لاقت من العدو والحرب في الَّرواح والغدوِّ فهمّ أن يديخ دار الحرب وأن تكَونَ رِدأهُ في الدَرْب ثم استشار ذا النُّهى والحِجْرِ من صَحْبِه
ومِن رجال الثغْر فكُلهم أشار أن لا يُدْرِبا ولا يَجوز الجبل المُؤشبا وأن أديخ أرض بَنْبلونَهْ وساحة المدينة الملْعُونَهْ وكان رأيا لم يكُن من صاحب ساعدَه عليه غيرُ الحاجبِ فاستنصر الله وعبى ودَخلَ فكان فتحاً لم يكُن له مَثَلْ لما مَضى وجاوز الدروبَا وادّرعٍ الهَيْجاء
والحُروبَا عبَّى له عِلْجٌ من الأعلاج كتائبا غَطت على الفِجاج فاستنصرَ الإمامُ رب الناس ثم استعان بالندى والباس وعاذ بالرَّغْبَةِ والدُّعاء واستنزل النصرَ مِن السماءِ فقدَم القوَّادَ بالحُشود وأتْبع المُدود بالمدودِ فانهزم العلجُ وكانت مَلْحَمَهْ جاوز فيها الساقةُ المُقدَمهْ فقُتَلوا مَقتلة الفَناءِ فارتوت البِيضُ من
الدَماءِ ثم أمال نحوَ بَنْبلونهْ واقتحم العسكرُ في المَدينهْ حتى إذا جاسوا خلالَ دُورها
وأسرع الخرابُ في مَعْمورها وكم بها حَقّر من كنائِس بدَّلت الآذان بالنواقِس يَبكي لها الناقوس والصَّليبُ كلاهما فَرض له النحيبُ وانصرَفَ الإمامُ بالنجاح والنصرِ والتأييدِ والفلاح ثم ثَنى الراياتِ في طريقِه إلى بَني ذي النون من تَوفيقِه فأصبحُوا من بَسْطهم في قَبْض قد ألصقت خدودُهم
بالأرض حتى بدَوْا إليه بالبرهانِ من أكبر الأباء والوِلْدانِ فالحمدُ لله على تأييدِه حمداً كثيراً وعلى تسديدِه سنة ثلاث عشرة وثلثمائة ثم غزا بيُمنه أشُونا وقد أشادُوا حولها حُصونَا وحَفَها بالخيل والرجال وقاتلوهم أبلغَ القِتال حتى إذا ما عاينُوا الهلاكَا تبادروا بالطَوْع حينذاكَا وأسلمُوا حِصْنَهمُ
المنِيعَا وسَمحوا بخَرْجهم خُضوعَا وقبلَهم في هذه الغَزاةِ قد هُدَمت معاقل العُصاةِ ومَن سواهم من ذوي العشيرَهْ وأمراء الفتنةِ المُغيرَة إذ حُبسوا مراقباً عليهمُ حتى أتوا بكل ما لديهمُ من البنينَ والعيال والحشمْ وكلّ من لاذ بهم من الخَدَمْ فهَبطُوا من أجمَع البُلدانِ وأسكنُوا مدينةَ
السلطانِ فكانَ في آخِر هذا العام بعد خُضوع الكُفرِ للإسلام مشاهدٌ من أعظم المَشاهِد على يَدَي عبد الحميد القائدِ لما غَزا إلى بنى ذي النون فكان فتحاً لم يَكُن بالدُّونِ إذ جاوزوا في الظلْم والطُّغيانِ بقَتْلهم لعامِل السُلطانِ وحاولُوا الدُخولَ في الأذيّة حتى غزاهمْ أنجد
البرِيّة فعاقَهم عنْ كلَ ما رَجَوْهُ بنَقضه كُلّ الذي بنوه وضَبْطه الحِصْن العظيمَ الشانِ أشنين بالرَّجْل وبالفُرسانِ ثم مَضى الليثُ إليهم زحفاً يَختطِفُ الأرواحَ منهم خَطْفَا ثم لجوا إلى طِلاب الأمنِ وبَذْلهم ودائعاً من رَهْنِ فقبضت رِهانُهم وأمَنوا وأنْغَضوا رؤوسَهم وأذْعنوا ثم مَضى القائدُ بالتأييدِ
والنصر من ذي العَرْش والتسدِيد حتى أتى حِصْن بني عِمَارَهْ والحرْبُ بالتّدْبير والإدارَهْ فافتتح الحِصْنَ وخلى صاحبَهْ وأمَن الناسَ جميعاً جانبَهْ سنة أربع عشرة وثلثمائة لم يَغْزُ فيها وغَزَتْ قُوادُه
واعتورت ببُشْترا أجنادُهُ فكلهم أبلَى وأغنَى واكتفَى وكُلُهم شَفَى الصُدورَ واشتفَى ثم تلاهم بعدُ لَيثُ الغِيل عبدُ الحميدِ من بني بسيل هو الذي قامَ مقامَ الضَّيغَم وجا في غَزاتِه بالصَيلم برأس جالوتِ النّفاق والحسَدْ من جُمَع الخِنزيرُ فيه والأسدْ فهاكه مع صحبه في عِدَّة مُصلَبين