لا عَقلَ له. وقال بعضُ الحًكماء: لو استغنى أحدٌ عن الأدب لاستَغْنى عنه العاقل ولا يَنتَفع بالأدب مَن لا عَقل له كما لا ينتَفع بالرّياضة إلا النِّجيب. وكان يُقال: بالعقل تُنَال لذَّة الدنيا لأنّ العاقل لا يَسْعَى إلا في ثلاث: مَزِية لمَعاش أو مَنْفعة لمَعاد
أو لذة في غير مُحرم. ولبعضهم: إذا أحببتَ أقواماً فلاصِقْ بأهْل العَقل منهم والحَيَاء فإنّ العقلَ ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من كفاء لمحمّد بن يزيد: وأفضَل قَسْم الله للمَرْء عقلًه وليس منَ الخَيراتِ شيءٌ يُقارِبهُ إذا أكمل الرحْمن للمرء عقلَه فقد كَمُلت أخلاقُه
ومآربُه يَعِيش الفتَى بالعقلِ في النَاس إنّه على العقل يَجْري عِلْمهُ وتجَاربهً فَزَينُ الفتَى في النًاس صِحَّةُ عقله وإن كان مَحْصوراً عليه مَكاسِبه وشَين الفَتى في النَّاس قِلّة عقله وإن كَرُمت أعراقهُ ومَناسِبهُ ولبَعْضهم: العقْلُ يأمر بالعَفاف وبالتُّقَى وإليه يَأْوِي الحِلْمُ حين يؤولُ فإن استطعتَ
فخُذْ بفَضلك فَضْلَه إنَّ العُقول يُرى لها تَفضيل ولبعضهم: إذا جمُع الآفاتُ فالبُخْل شَرها وشرَ منَ البُخل المواعيدُ والمَطلُ ولا خَيرَ في عقل إذا لم يَكًن غنىً ولا خَيْر في غِمْدٍ إذا لم يكًن نَصْل وإن كان للإنسان عقل فعَقْلُه هُو النَصْل والإنسانُ مِن بعده
فَضْل ولبَعضهم: يُمَثَل ذو العقل في نَفْسه مصائبَه قبْل أن تنْزِلا فإن نزلت بَغْتةً لم ترعه لِما كان في نفسه مَثَلا رأى الهمَّ يُفْضي إلى آخِرٍ فَصيَّرَ آخرَه أوَّلا الحكمة قال النبي ﷺ : ما أخلصَ عبدٌ العملَ لله أربعين يوماً إلا ظهرت يَنابيعُ الحِكْمة
من قَلْبه على لسانه. وقال عليه الصلاةُ والسلام: الحِكْمة ضالّة المُؤْمن يأخذها ممَن سَمِعها ولا يبالي من أيَ وعاء خَرجت. وقال عليه الصلاةُ والسلام: لا تَضَعوا الحِكْمة عِنْدَ غير أهلها فتَظلِمُوها ولا تَمْنعوها أهلَها فَتَظْلِمُوهم. وقال الحُكماء: لا يطلب الرجلُ حِكْمة إلا بحكمة عنده. وقالوا:
إذا وَجَدتم الحِكْمة مَطْرُوحة على السكك فخُذوها. وفي الحديث: خُذوا الحِكْمة ولو من أَلْسِنة المُشْركين. وقال زياد: أيها الناس لا يَمْنعكم سوءُ ما تَعْلمون منَّا أن تنَنْتفعوا بأحْسَنِ ما تسمعون منّا فإِنَّ الشاعر يقول: اعْمل بعِلْمي وإن قَصَّرْت في عَمَلي يَنْفَعْك قولِي ولا يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي
قيل لقُس بن ساعدة: ما أفضلُ المَعْرِفة قال معْرفة الرجل نَفْسَه قِيل له: فما أَفضلُ العِلْم قال: وقوف المرء عند عِلْمه قِيل له: فما أفضلُ المروءة قال: استبقاءُ الرجل ماء وَجْهه. وقال الحسنُ: التّقْدِير نِصْف الكَسْب والتًّؤدة نِصف العقل وحُسْن طَلب الحاجة نِصْف العِلْم. وقالوا:
لا عقلَ كالتَّدبير ولا وَرَع كالكفّ ولا حَسَب كحُسْن الخُلق ولا غِنى كرِضا عن الله وأَحقُّ ما صبر عليه ما ليس إلى تَغْييره سَبيل. وقالوا: أفضلُ البرِّ الرّحمة ورَأْس المودّة الاسترسالُ ورَأس العُقوق مُكاتمة الأَدْنين ورَأْس العَقْل الإصابة بالظنّ. وقالوا: التفكًر نور والغَفلة ظُلْمة والجهالة
ضَلالة والعِلم حَياة والأوّل سابق والآخِر لاحِق والسعِيد من وُعِظ بغَيْره. حَدَّث أبو حاتم قالِ: حدّثني أبو عُبيدة قال: حدّثني غيرُ واحد من هَوازِنَ من أولي العِلم وبعضُهم قد أدرك أبوه الجاهلية " أو جدُّه " قالوا: اجتمع عامر بن الظرِب العَدْواني وحُممَة بن رافعِ
الدَّوْسيّ - ويَزعمُ النُّساب أنّ ليلى بنت الظَّرب أُمُّ دوس وزينبَ بنت الظرب أُمُ ثقيف " وهو قَيْسي " - عند مَلك من مُلوك حِمْير فقال: تَساءَ لا حتى أَسْمع ما تقولان. فقال عامر لحُممة: أين تُحِب أن تكون أياديك قال: عند ذي الرَّثْية العَدِيم
وعند ذي الخلّة الكَريم والمُعْسِر الغَريم والمُسْتَضْعف الهضِيم. قال: مَن أحقُّ الناس بالمقْت قال: الفَقِير المُختال والضعيف الصوال والعَييّ القوّال قال: فمَن أَحق الناس بالمنّع قال: الحَرِيص الكاند والمُستميد الحاسد والمُلْحِف الواجِد. قال: فمن أجدرُ الناس بالصَنيعة قال: من إذا أُعطى شَكر وإذا مُنِع عَذر
وإذا مُطِل صَبر وإذا قدُم العهدُ ذكَر قال: من أكرمُ الناس عِشْرة قال: من إذا قَرُب مَنَح " وإذا بَعُد مدح " وإذا ظُلم صَفَح وإذا ضُويق سَمح قال: مَن ألأم الناس قال: مَن إذَا سأل خَضع وإذا سُئل مَنع وإذا مَلك كَنَع ظاهِره جَشع
وباطنه طَبع. قال: فمن أحْلم الناس قال: من عَفا إذا قَدَر وأجملَ إذا انتصر ولم تُطْغِه عِزَّة الظَّفر. قال: فمن أحزمُ الناس قال: مَن لا أَخذ رقابَ الأمور بيدَيه وجَعل العواقبَ نُصْب عَيْنَيه ونَبذ التهيب دَبْر أُذنيه. قال: فمن أَخرقُ الناس قال: مَن رَكِب الْخِطار
واعتَسف العِثَار وأَسرعَ في البِدَار قبلَ الاقتِدار. قال: مَن أَجوَدُ الناس قال: مَن بذل المجهود ولم يأس على المعهود. قال: مَن أَبلغ الناس قال: مَن جَلَّى المعنى المزِيز بالّلفظ الوجيز وطَبَّق المفْصل قبل التَّحزيز. قال: من أنعم الناس عَيشاً قال: من تحلَّى بالعَفاف ورَضي بالكَفاف
وتجاوز ما يَخاف إلى مالا يَخاف. قال: فمن أشقى الناس قال: من حسد على النِّعم وسَخِط على القِسَم واستَشعر النَّدَم على فوْت ما لم يُحتم. قال: من أغنى الناس قال: من آستَشعر الياس وأظْهر التَّجمُّل للناس واستكثر قليلَ النِّعم ولمِ يَسْخط على القِسَم. قال: فمن
أحكم الناس قال: من صَمت فادًكر ونَظر فاعتبر وَوُعِظ فازْدَجر. قال: مَن أَجْهل الناس قال: من رأى الخُرْق مَغْنما والتَّجاوزَ مَغْرما. وقال أبو عُبيدة: الخَلة: الحاجة والخُلَّة: الصداقة. والكاند: الذي يَكفر النِّعمة والكنود: الكفور والمُسْتَمِيد: مثل المُسْتَمِير وهو المُسْتعطِي. ومنه اشتقاق المائدة. لأنها تًمادُ. وكَنع:
تَقَبَّض يُقال منه: تَكَنًع جِلْدُه إذا تَقَبَّض. يريد أنه مُمْسك بخَيل. والجَشَع: أسوأ الحِرْص. والطَّبع " الدَنس. والاعتساف: رُكوب الطريق على غير هِداية وركوبُ الأمر على غير مَعرفة. والمَزيز: من قولهم: هذا أمزّ من هذا أي أفضل منه وأزيد. والمُطبِّق من السيوف: الذي يُصيب المفاصل
لا يجاوزها. وقال عمرو بن العاص: ثلاثٌ لا أناة فيهنّ: المُبادرة بالعَمل الصالح ودَفْن الميِّت وتَزْويج الكُفْء. وقالوا: ثلاثة لا يُندم على ما سَلف إليهم: الله عزَ وجَلّ فيما عُمل له والمَوْلى الشَّكُور فيما أُسْدى إليه والأرضُ الكَريمة فيما بُذر فيها. وقالوا: ثلاثة لا بقاء
لها: ظِلُّ الغَمام وصُحْبة الأشرْار والثًناء الكاذب. وقالوا: ثلاثة لا تكون إلاّ في ثلاثة: الغِنَى في النَّفس والشَّرف في التَّواضع والكرم في التَّقوى. وقالوا ثلاثة لا تًعرف إلا عند ثلاثة ذو البَأس لا يُعرف إلاّ عند اللقاء وذو الأمانة لا يُعرف إلا عند الأخذ والعَطاء.
والإخوان لا يُعرفون إلا عند النَّوائب. وقالوا: مَن طلب ثلاثة لم يَسْلم من ثلاثة: مَن طلب المالَ بالكيمياء لم يسلم من الإفلاس ومَن طلب الدِّين بالفَلْسفة لم يَسلم من الزًندقة ومَن طلب الفِقه بغرائب الحديث لم يَسلم من الكَذِب. وقالوا: عليكم بثلاث: جالِسوا الكبراء وخالطوا
الحكماء وسائلوا العُلماء. وقال عمرُ بن الخطّاب رضوان الله عليه: أخوفُ ما أخاف عليكم شُحٌّ مُطاع وهَوًى مُتَّبع وإعجاب المرء بنفسه. واجتمعت عُلماء العَرب والعجم على أربع كلمات: لا تحمل على ظَنِّك ما لا تُطيق ولا تَعْمل عملاً لا يَنْفعك ولا تَغْترّ بامرأة ولا تَثِق
بمال وإن كثر. وقال الرِّياحي فيِ خُطبته باْلمِرْبَد: يا بَني رِياح لا تَحْقِرُوا صغيراً تأخذون عنه فإني أخذتُ من الثعلب رَوَغانه ومن القِرْدَ حِكايته ومن السِّنَّوْر ضَرَعه ومن الكلب نُصرَته. ومن ابن آوَى حذَره ولقد تعلَمت من القَمر سَيْرَ اللَّيل ومن الشَّمس ظهور الحيِن بعد
الحين. وقالوا: ابن آدم هو العالَم الكَبير الذي جَمع الله فيه العالَم كلّه فكان فيه بَسالة اللَّيث وصَبْر الْحِمار وحِرْص الخنزير وحَذَر الغُراب ورَوَغان الثّعلب وضَرَع السِّنَّور وحِكاية القِرْد ولما قَتَل كِسْري بُزُرْجمهرَ وجد في مِنْطقتِهِ مكْتوباً: إذا كان الغدرْ في الناس طِبَاعاً فالثقة بالناس