متى هبطت هذا البلد قلت: حين هبط أهله قال: ما تقرأ من القرآن قلت: أقرأ منه ما لو تبعته كفاني قال: إني أريد أن أستعين بك في عملي قلت: إن تستعن بي تستعن بكبير أخرق ضعيف يخاف أعوان السوء وإن تدعني فهو أحب إلي وإن
تقحمني أتقحم قال: إن لم أجد غيرك أقحمتك وإن وجدت غيرك لم أقحمك قلت: وأخرى أكرم الله الأمير إني ما علمت الناس هابوا أميراً قط هيبتهم لك والله إني لأتعار من الليل فيما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح هذا ولست لك على عمل قال:
هيه كيف قلت فأعدت عليه فقال: إني والله لا أعلم على وجه الأرض خلقاً هو أجراً على دم مني قال: فقمت فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر فقال: أرشدوا الشيخ. لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم أتي فيهم بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشخمير وسعيد
بن جبير وكان الشعبي ومطرف يريان التقية وكان سعيد بن جبير لا يراها وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلي سبيله ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه
فقال الحجاج للشعبي: وأنت ممن ألب علينا مع ابن الأشعث اشهد على نفسك بالكفر فقال: أصلح الله الأمير نبا بنا المنزل وأحزن بنا الجناب واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء قال: لله أبوك لقد صدقت ما بررتم
بخروجكم علينا ولا قويتم خلوا سبيل الشيخ. ثم قال لمطرف: أتقر على نفسك بالكفر قال: أصلح الله الأمير إن من شق العصا وسفك الدماء ونكث البيعة وفارق الجماعة وأخاف المسلمين لجدير بالكفر فخلى سبيله. ثم قال لسعيد بن جبير: أتقر على نفسك بالكفر قال: ما
كفرت منذ آمنت بالله فضرب عنقه ثم استعرض الأسرى فمن أقر بالكفر خلى سبيله ومن أبى قتله حتى أتي بشيخ وشاب فقال للشاب: أكافر أنت قال: نعم. قال: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج والله لو علمت أعظم
من الكفر لقلته فضحك الحجاج وخلى سبيله. فلما مات الحجاج وقام سليمان قال الفرزدق: لئن نفر الحجاج آل معتب لقوا دولة كان العدو يدالها لقد أصبح الأحياء منهم أذلة وموتاهم في النار كلحا سبالها وكانوا يرون الدائرات بغيرهم فصار عليهم بالعذاب انفتالها ألكني إلى من
كان بالصين أورمت به الهند ألواح عليها جلالها هلم إلى الإسلام والعدل عندنا فقد مات عن أهل العراق خبالها لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردن: اجمع يدي عدي ابن الرقاع إلى عنقه وابعث به إلي على قتب بلا وطاء ووكل به
من ينخس به ففعل ذلك فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقي بين يديه وهو لقى لا حراك فيه ولا روح فتركه حتى ارتد إليه روحه ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك ألست القائل في الوليد: وقال: لا والله يا أمير المؤمنين
ما هكذا قلت وإنما قلت: معاذ ربي أن نبقى ونفقدهم وأن نكون لراع بعدهم تبعا فنظر إليه سليمان واستضحك ثم أمر له بصلة وخلى سبيله. العتبي قال: كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي معارضة فكان الربيع يحمل عليه المهدي فلا يلتفت إليه حتى رأى
المهدي في منامه شريكاً القاضي مصروفاً وجهه عنه فلما استيقظ من نومه دعا الربيع وقص عليه رؤياه فقال: يا أمير المؤمنين إن شريكاً مخالف لك وإنه فاطمي محض قال المهدي: علي به فلما دخل عليه قال له: يا شريك بلغني أنك فاطمي قال له شريك:
أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي إلا أن تعني فاطمة بنت كسرى قال: ولكني أعني فاطمة بنت محمد ﷺ : قال: أفتلعنها يا أمير المؤمنين قال: معاذ الله فماذا تقول فيما يلعنها قال: عليه لعنة الله قال: فالعن هذا - يعني الربيع
- فإنه يلعنها فعليه لعنة الله قال الربيع: لا والله يا أمير المؤمنين ما ألعنها قال له شريك: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال قال المهدي: دعني من هذا فإني رأيتك في منامي كأن وجهك مصروف عني وقفاك
إلي وما ذلك إلا بخلافك علي ورأيت في منامي كأن أقتل زنديقاً قال شريك: إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصديق صلوات الله على محمد وعليه وإن الدماء لا تستحل بالأحلام وإن علامة الزندقة بينة قال: وما هي قال: شرب المر والرشا في
الحكم ومهر البغي قال: صدقت والله أبا عبد الله أنت والله خير من الذي حملني عليك. ودخل شريك القاضي على المهدي فقال له الربيع: خنت مال الله ومال أمير المؤمنين قال: لو كان ذلك لأتاك سهمك. العتبي قال: دخل جامع المحاربي على الحجاج - وكان
جامع شيخاً صالحاً خطيباً لبيباً جريئاً على السلطان وهو الذي قال للحجاج إذ بنى مدينة واسط: بنيتها في غير بلدك وتورثها غير ولدك - لجعل الحجاج يشكو سوء طاعة أهل العراق وقبح مذهبهم. فقال له جامع: أما إنه لو أحبوك لأطاعوك على أنهم ما شنئوك
لنسبك ولا لبلدك ولا لذات نفسك فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقربهم إليك والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك وليكن إيقاعك بعد وعيدك ووعيدك بعد وعدك. قال الحجاج: ما أرى أن أراد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف قال: أيها الأمير إن
السيف إذ لاقى السيف ذهب الخيار قال الحجاج: الخيار يومئذ لله قال: أجل ولكنك لا تدري لمن يجعله الله فغضب وقال: يا هناه إنك من محارب فقال جامع: فقال الحجاج: والله لقد هممت بأن أخلع لسانك فأضرب به وجهك قال جامع: إن صدقناك أغضبناك وإن
غششناك أغضبنا الله فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله قال: أجل وسكن. وشغل الحجاج ببعض الأمر فانسل جامع فمر بين الصفوف من أهل الشام حتى جاوزها إلى صفوف العراق فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وقيس العراق وتميم العراق وأزد العراق فلما رأوه
أشرأبوا إليه وقالوا له: ما عندك دفع الله عنك قال: ويحكم عموه بالخلع كما يعمكم بالعداوة ودعوا التعادي ما عاداكم فإذا ظفرتم تراجعتم وتعاديتم أيها التميمي هو أعدى لك من الأزدي وأيها القيسي هو أعدى لك من التغلبي وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن
بقي معه منكم. وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام واستجار بزفر بن الحارث فأجاره. العتبي قال: كان هارون الرشيد يقتل أولاد فاطمة وشيعتهم وكان مسلم ابن الوليد صريع الغواني قد رمي عنده بالتشيع فأمر بطلبه فهرب منه ثم أمر بكلب أنس بن أبي شيخ
كاتب البرامكة فهرب منه ثم وجد هو ومسلم بن الوليد عند قينة ببغداد فلما أتي بهما قيل له: يا أمير المؤمنين قد أتي بالرجلين قال: أي الرجلين قيل: أنس بن أبي شيخ ومسلم ابن الوليد فقال: الحمد لله الذي أظفرني بهما يا غلام أحضرهما. فلما
دخلا عليه نظر إلى مسلم وقد أنس الهوى ببني علي في الحشا وأراه يطمح عن بني العباس قال: بل أنا الذي أقول يا أمير المؤمنين: أنس الهوى ببني العمومة في الحشا مستوحشاً من سائر الإيناس وإذا تكاملت الفضائل كنتم أولى بذلك يا بني العباس قال:
فعجب هارون من سرعة بديهته وقال له بعض جلسائه: استبقه يا أمير المؤمنين فإنه من أشعر الناس وامتحنه فسترى منه عجباً فقال له: قل شيئاً في أنس فقال: يا أمير المؤمنين أفرخ روعي أفرخ الله روعك يوم الحاجة إلى ذلك فإني لم أدخل على خليفة
قط ثم أنشأ يقول: تلمظ السيف من شوق إلى أنس فالموت يلحظ والأقدار تنتظر فليس يبلغ منه ما يؤمله حتى يؤامر فيه رأيك القدر أمضى من الموت عند قدرته وليس للموت عفو حين يقتدر قال: فأجلسه هارون وراء ظهره لئلا يرى ما هم به حتى
إذا فرغ من قتل أنس قال له: أنشدني أشعر شعر لك فكلما فرغ من قصيدة قال له: التي تقول فيها الوحل فإني رويتها وأنا صغير فأنشده شعره الذي أوله: أديرا علي الراح لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي إذا ما علت منا
ذؤابة شارب تمشت به مشي المقيد في الوحل فضحك هارون وقال: ويحك يا مسلم! أما رضيت أن قيدته حتى جعلته يمشي في الوحل ثم أمر له بجائزة وخلي سبيله. قال كسرى ليوشت المغني: وقد قتل الفهليذ تلميذه كنت أستريح منك إليه ومنه إليك فأذهب حسدك
ونغل صدرك شكر تمتعي وأمر أن يطرح تحت أرجل الفيلة. فقال: أيها الملك إذا كنت أنا قد أهبت شطر تمتعك وأذهبت أنت الشطر الآخر: أليس جنايتك على نفسك مثل جنايتي عليك قال كسرى: دعوه فما دله على هذا الكلام إلا ما جعل من طول المدة.
يعقوب بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال: دخلت يوماً على الرشيد أمير المؤمنين وهو متغيظ متربد فندمت على دخولي عليه وقد كنت أفهم غضبه في وجهه فسلمت فلم يرد فقلت: داهية نآد ثم أومأ إلي فجلست. فالتفت إلي وقال: لله عبد
الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فلقد نطق بالحكمة حيث يقول: يا أيها الزاجري عن شيمتي سفهاً عمداً عصيت مقال الزاجر الناهي أقصر فإنك من قوم أرومتهم في اللؤم فافخر بهم ما شئت أو باهي يزين الشعر أفواهاً إذا نطقت
بالشعر يوماً وقد يزري بأفواه لقد عجبت لقوم لا أصول لهم أثروا وليسوا وإن أثروا بأشباهي ما نالني من غنى يوماً ولا عدم إلا وقولي عليه الحمد لله فقلت: يا أمير المؤمنين ومن ذا الذي بلغت به المقدرة أن يسامي مثلك أو يدانيه قال: لعله
من بني أبيك وأمك. كان الكميت بن زيد يمدح بني هاشم ويعرض ببني أمية فطلبه هشام فهرب منه عشرين سنة لا يستقر به القرار من خوف هشام وكان مسلمة بن عبد الملك له على هشام يوماً إلى بعض صيوده أتى الناس يسلمون عليه وأتاه الكميت
بن زيد فيمن أتى فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته أما بعد: قف بالديار وقوف زائر وتأن إنك غير صاغر حتى انتهى إلى قوله: يا مسلم بن أبي الولي د لميت إن شئت ناشر غلقت حبالي من حبا لك ذمة الجار المجاور فالآن
صرت إلى أمي ة والأمور إلى المصاير والآن كنت به المصي ب كمهتد بالأمس حائر فقال مسلمة: سبحان الله من هذا الهندكي الجلحاب الذي أقبل من أخريات الناس فبدأ بالسلام ثم أما بعد ثم الشعر قيل له: هذا الكميت بن زيد. فأعجب لفصاحته وبلاغته فسأله
مسلمة عن خبره وما كان فيه طول غيبته فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه فضمن له مسلمة أمانه وتوجه به حتى أدخله على هشام وهشام لا يعرفه. فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله بركاته - الحمد لله - قال هشام: نعم الحمد
لله يا هذا - قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه والذي خص بالحمد نفسه وأمر به ملائكته وجعله فاتحة كتابه ومنتهى شكره وكلام أهل جنته أحمده حمد من علم يقيناً وأبصر مستبيناً وأشهد له بما شهد به لنفسه قائماً بالقسط وحده لا شريك له وأشهد أن
محمداً عبده العربي ورسوله الأمي أرسله والناس في هبوات حيرة ومدلهمات ظلمة عند استمرار أبهة الضلال فبلغ عن الله ما أمر به ونصح لأمته وجاهد في سبيله وعبد ربه حتى أتاه اليقين ﷺ . ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة وحرت في سكرة
إدلأم بي خطرها وأهاب بي داعيها وأجابني غاويها فاقطوطيت إلى الضلالة وتسكعت في الظلمة والجهالة حائداً عن الحق قائلاً بغير صدق فهذا مقام العائذ ومنطق التائب ومبصر الهدى بعد طول العمي. ثم يا أمير المؤمنين كم من عاثر أقلتم عثرته ومجترم عفوتم عن جرمه. فقال
له هشام وأيقن أنه الكميت: ويحك! من سن لك الغواية وأهاب بك في العماية قال: الذي أخرج أبي آدم من الجنة فنسي ولم يجد له عزماً وأمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحاباً متفرقاً فلفقت بعضه إلى بعض حتى التحم فاستحكم وهدر رعده وتلألأ برقه فنزل