أربعةً وثمانين رجلاً فدَفعوهم إلى أهل بيت من أَشجع كانت بنو عامر قد أصابُوا فيهم فقتلوهم أجمعين. وانهزم الحَكم بن الطفيل في نفر من أصحابه فيهم جِرِابُ بن كعب حتى انتهوا إلى ماء يقال له المَرَوراة فقطع العطشُ أعناقَهم فماتوا وخنق نفسَه الحكمُ بن الطُّفيل
تحت شجرة مخافَة المُثلة. وقال في ذلك عُروة بن الوَرْد: عجبت لهمِ لمْ يَخْنقون نُفوسهم ومَقْتلهم تحت الوَغى كان أجدرَا يوم النُّتَأة لعبس علي بني عامر خرجتْ بنو عامر تُريد أن تدرك بثأرها يوم الرِّقم فجمعوا على بني عَبس بالنُتَأة وقد أنذروا بهم فالتقوا وعلى
بني عامر عامرُ بن الطُّفيل وعلى بني عَبس الربيعُ بن زياد فاقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزمت بنو عامر وقُتل منهم صَفوان بن مُرة قتله الأحنفُ بن مالك ونهشل بن عُبيدة بن جعفر قَتله أبو زُعبة بن حارث: وعبدُ الله بن أَنس بن خالد. وطَعنِ ضبيعةُ بن
الحارث عامرَ بن الطُّفيل فلم يَضرّه ونجا عامر وهُزمت بنو عامر هَزيمةَ قَبيحة. فقال خراشةُ بن عمرو العَبْسي: وسارو على أَظمائهم وتَواعدُوا مِياهاً تحامتها تَميم وعامِرُ كأنْ لم يكن بين الذُّنَاب وواسطٍ إلى المُنحنَى مِن ذي الأراكة حاضر ألا أَبْلِغَا عنّي خَلِيلِيَ عامراً أتَنْسى سُعادَ
اليومَ أم أنتَ ذاكِر وصدتك أطرا فُ الرِّماحِ عن الهَوى ورُمتَ أموراً ليس فيها مَصادر وغادرتَ هِزّانَ الرئيس ونَهشلاً فلله عينا عامرٍ مَن تُغادر قَذَفْتَهمُ في الموت ثم خَذلْتهم فلا وَالت نفس عليك تحاذر وقال أبو عبيدة: إن عامر بن الطُّفيل هو الذي طَعن ضُبيعة
بن الحارث ثم نجا من طَعنته وقال في ذلك: فإن تَنجُ منها يا ضُبيع فإنّني وَجدِّك لم أعقِدْ عليك التَّمائمَا يوم شُوَاحط لبني محارب على بني عامر غَزت سرّيةٌ من بني عامر بن صعصعة بلاَد غَطفَان فأغارت على إبل لبني مُحارب بن خَصَفة فأدركهم الطلبُ
فقتلوا من بني كلاب سَبعةً واْرتدّوا وإبلهم. فلما رجعوا من عندهم وَثب بنو كلاب على جَسْر وهم من بني مُحارب كانوا حاربوا إخوتهم فخرجوا عنهم وحالفوا بني عامر بن صَعصعة فقالوا: نَقتلهم بقَتل بني محارب من قَتلوا منّا. فقام خِداش بن زُهير دونهم حتى مَنعهم
من ذلك وقال: أيا راكباً إمّا عرِضتَ فبلّغنْ عَقِيلاً وابْلغ إن لقيتَ أبا بَكْر فيا أخَوَينا من أبينا وأمنا إليكم إليكم لا سبيلَ إلى جَسْر أبى فارسُ الضَحياء عمرو بنُ عمرو أبي الذَّم واختار الوَفاء على الغَدْر يوم حوّزة الأول لسُلَيم على غطفان قال أبو
عُبيدة: كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حَرْملة أحد بني مُرة بن غطفان كلام بعُكاظ فقال معاوية: لوددتُ والله أني قد سمعتُ بظعائنَ يَنْدبنْك. فقال هاشم: والله لوددتُ أني قد تَربت الرَّطْبة - وهي جْمة معاوية وكان الدهرَ تَنطِف ماءً ودُهنا
وإن لم تُدْهن - فلما كان بعدُ تهيأ معاوية ليغزو هاشماً فنهاه أخوه صخر. فقال كأني بك إن غزوتهم علق بجمَتك حسك العُرْفط. قال: فأبى مُعاوية وغزاهم يوم حوزة فرآهم هاشم بن حرملة قبل أن يراه مّعاوية وكان هاشماً ناقهاً من مَرض أصابه فقال لأخيه
دُريد ابن حَرملة: إنّ هذا إن رآني لم آمَن أن يَشد عليّ وأنا حديثُ عهد بشَكِيَّة فاستَطْرِدْ له دوني حتى تجعلَه بيني وبينك ففعل. فحمل عليه معاويةُ وأردفه هاشم فاختلفا طَعنتين فأردى معاويةُ هاشماً عن فرسه الشمّاء وأنفذ هاشم سِنانة من عانة معاوية. قال: وكَرّ
عليه دُريد فظنّه قد أرْدى هاشماً فضرب معاويةَ بالسيف فقتله وشدَّ خِفافُ بن عُمير على مالك ابن حارث الفَزاريّ: قال: وعادت الشمّاء فرس هاشم حتى دخلت في جَيش بني سُليم فأخذوها وظنّوها فرس الفَزاري الذي قَتله خفاف ورجع الجيشُ حتى دنوا من صَخْر أخي معاوية
فقالوا: أنْعم صَباحاً أبا حسان. فقال: حُييتم بذلك ما صنع مُعاوية قالوا: قُتل. قال: فما هذه الفرس قالوا: قَتلنا صاحبَها. قال: إذاً قد أدركتم ثأركم هذه فرسُ هاشم بن حرملة. قال: فلما دخل رجب رَكِب صخرُ بن عمرو الشّماءِ صبيحةَ يوِم حَرام فأتى بني مُرة.
فلما رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيوه وقولوا له خيراً وهاشم مريض من الطعنة التي طَعنه معاوية فقال: مَن قَتل أخي فسكتوا. فقال: لمن هذه الفرسُ التي تحتي فسكتوا. فقال هاشم: هَلَم أبا حسان إلى مَن يُخبرك. قال: مَن قتل أخي فقال هاشم: إذا
أصبتَنِي أو دريداً فقد أصبتَ ثأرَك. قال: فهل كفَّنتموه قال: نعم في بُردين أحدهما بخَمس وعشرين بَكْرة. قال: فأروني قبره. فأروه إياه. فلما رأى القبر جَزع عنده ثم قال: كأنكم قد أنكرتُم ما رأيتُم من جَزعي فوالله ما بِت منذ عَقَلتُ إلا واتراً أو موتوراً
أو طالباً أو مطلوباً حتى قُتل معاوية فما ذقت طَعم نوم بعده. يوم حوزة الثاني قال: قم غَزاهم صَخر فلما دنا منهم مضى على الشمّاء وكانت غَرّاء مُحجّلة فسوَّد غُرتها وتَحجيلها فرأتْه بنتٌ لهاشم فقالت لعمّها دُريد: أين الشمّاء قال: هي في بني سُليم قالت:
ما أشبهها بهذه الفرس. فاستوى جالساً فقال: هذه فرس بَهيم والشمّاء غَرّاء محجّلة وعاد فاضطجع. فلم يَشعر حتى طَعنه صخر. قال: فثارُوا وتَناذروا وولّى صَخر وطلبته غَطفان عامّةَ يومها وعارض دونه أبو شَجرة بن عبد العُزّى وكانت أمه خَنساء أخت صَخر وصَخْر خاله فرد الخَيل
عنه حتى أراح فرسَه ونجا إلى قومه. فقال خُفاف بن ندبه لما قتل مُعاوية: قَتلني الله إن بَرحت مِن مَكاني حتى أثار به فشدّ على مالك سيّد بني جُمح فقَتله فقال في ذلك: فإن تَكُ خَيلي قد أصيب صَميمُها فَعمْداً على عَيْنٍ على عَين تَيَمَّمْتُ
مالكا نَصبتُ له عَلْوَى وقد خام صُحبتي لأَبْنيَ مَجداً أو لأثأر هالكا أقول له والرمحُ يَأْطر مَتنْه تَأَمَّل خُفافاً إنني أنا ذلكا وقال صَخر يَرثي مُعاوية وكان قال له قومه أهجُ بني مُرة. فقال: ما بيننا أجل من القَذْع. وأنشأ يقول: وعاذلةٍ هَبّت بليلٍ تَلُومني
ألا لا تلُوميني كَفَى اللومُ مابيا تقول أَلا تَهْجو فوارسَ هاشم وماليَ أنْ أهْجوهم ثُم مالِيا إذا ما أمرؤ أَهدَى لِمَيْتٍ تحيةَ فَحَيّاك ربًّ الناس عَنِّي مُعاويا وهَوَّن وَجدي أنني لم أقُل له كذبت ولم أبخلْ عليه بماليا وذي إخوة قطّعت أقرانَ بَيْنهم كما تَركوني
واحِداً لا أخَالِيا وقال في قَتْل دريد: ولقد دفعت إلى دُريد طَعنةً نَجْلاء تُوغَرِ مثل غَطّ المنخُر ولقد قتلتُكمُ ثُناءَ ومَوْحداً وتركتُ مُرّة مِثل أمس الدَّابر قال أبو عبيدة: وأما هاشم بن حَرملة فإنه خَرج مُنتجعاً فلقيه عمرُو بن قيس الجشميّ فتَبِعه وقال هذا قاتلُ
مُعاوية لا وَألتْ نفسي إن وَأل فلما نزل هاشمٌ كَمَن له عمرو بن قَيس بين الشَجر حتى إذا دنا منه أرسل عليهِ مِعْبلة ففَلق قَحفه فقتله وقال في ذلك: لقد قتلتُ هاشمَ بن حَرْمله إذ المُلوك حوله مُغَرْبله يقتل ذا الذَنب ومن لا ذنَب له
يوم ذات الأَثل قال أبو عُبيدة: ثم غزا صخرُ بن عمرو بن الشَّريد بني أَسد بن خُزيمة واكتسحِ إبلهم فأتى الصريخُ بني أسد فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل فاقتتلوا قِتالاً شَديداً فطعن ربيعةُ بن ثَور الأسديّ صخراً في جَنبه وفات القَوم بالغَنيمة. وجرى صخرٌ من
الطعنة فكان مريضاً قريبا من الحَوْل حتى مَلّه أهلُه فسمِع امرأة من جاراته تسأل سَلْمى امرأته: كيف بعلُكِ قالت: لا حَيّ فيُرجى ولا ميْت فيُنسىَ لقد لقينا منه الأمرَّين. وكانت تُسأل أمه: كيف صخر فتقول: أرجو له العافية إن شاء الله. فقلل في ذلك: أرى
أُمّ صخر لا تَملّ عِيادتي ومَلّت سُلَيمى مَضْجعي ومَكاني فأيّ امرئ ساوَى بأمّ حَليلةً فلا عاش إلا في شَقَى وهَوانَ وما كنتُ أخشِىَ أن أكونَ جِنازة عليكِ ومَن يَغترُّ بالحَدثان لَعمري لقد نبّهتُ مَن كان نائماً وأسمعت مَن كانت له أذنان أَهُمّ بأمر الحَزْم لو
أسْتَطيعه وقد حِيل بين العَيْر والنّزوان فلما طال عليه البلاءُ وقد نَتأت قِطْعة من جَنبه مثْلُ اليد في موضع الطعنة قالوا له: لو قطعْتها فما بالُ عَينِيَ ما بالُها لقد اخضل الدمع سِرْبالَها أمِن فَقدِ صَخْر من آل الشَري د حَلّت به الأرضِ أثقالَها فآليت
أبكي على هالك وأسأل نائحةً ما لَها هممتُ بنَفسيِ كُلَّ الهموم فأولَى لنَفسيَ أولى لها سأحمل نفسي على آلة فإمَّا عليها وإما لها وقالت ترثيه: وقائلة والنَّعشُ قد فات خَطْوَها لِتُدركَه يا لهفَ نَفسي على صَخْرِ ألا ثَكِلَت أمُّ الذين غَدَوا به إلى القبر ماذا
يَحملون إلى القَبْرِ يوم عَدْنِيَّة وهو يوم مِلْحان قال أبو عُبيدة: هذا اليوم قبل يوم ذات الأثْل وذلك أن صخراً غَزا بقومه وترك الحيّ خِلْواً فأغارت عليهم غطفان فثارت إليهم غِلْمانهم ومَن كان تخلّف منهمِ فقُتل من غَطفان نَفر وأنهزم الباقون فقال في ذلك صَخر: