ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 28 من 86

العقد الفريد — الجزء الرابع

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 28 من 861,766 كلمة في هذا الجزء

رحباً ومُعاندة قديمة إلا أنّ هذا من أيسر ما يَحتجّ به العبدُ المُشفق على سيِّده المُغضب والأمر إلى أمير المؤمنين عَزل أم أقرّ وكلاهما عَدْل مُتَّبع. وصواب معتفد. والسلام عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله. قال نُباتة: فأتيتُ على الكتاب بمَحضر أمير المؤمنين عبد الملك

فلما استوعبتُه سارقتُه النظَر على الهيبَة منه فصادف لَحظي لَحظه فقال: اقطعه ولا تُعلمنَّ بما كان أحداً فلما مات. عبدُ الملك فشا عنّي الخبر بعد موته. محمد بن المُنتشر بن الأجدع الهَمداني قال: دَفع إليَّ الحجاج رجلاً ذِمِّيا وأَمرني بالتَّشديد عليه والإستخراج منه فلمِا انطلقتُ

به قال لي: يا محمد إنّ لك لشَرَفاً ودِيناً وإن لا أعطي على القَسر شيئاً فاستَأْذِني وارفُق بي. فقال: ففعلتُ فأدى إليّ في أسبوع خَمسمائة ألف. فبلغ ذلك الحجَّاجَ فأَغضبه فانتزعه منِ يدي ودَفعه إلى الذي كان يتولّى له العذاب فدقّ يديه ورجليه ولم يُعطهم

شيئاً قال محمد بن المنتشر: فإني لسائرٌ يوماً في السوق إذا صائح بي يا محمد فالتفتُّ فإذا أنا به مُعرّضاً على حمار مَدقوقَ اليدين والرِّجلين. فخفت الحجاجِ إن أتيتُه وتذمَّمتُ منه فملتُ إليه فقال لي: إنك وَليتَ منّي ما ولي هؤلاء فرفقتَ بي وأحسنتَ إليَّ

وإنهم صنعوا ما ترى ولم أعطهم شيئاً ولي خُمسمائة ألف عند فلان فخُذها مكافأة لما أحسنتَ إليّ. فقلت: ما كنْتُ لآخذ منك على معروفي أجراً ولا لأرزأك على هذه الحال شيئاً. قال: فأمّا إذا نبت فاسْمع منِّي حديثاً أحدِّثك به حدَّثنيه بعض أهل دينك عن

نبيِّك صلى الله عله وسلم أنه قال: " إذا رضي الله عن قوم أَنزل عليهم المطر في وَقته وجعل المالَ في سُمحائهم واستْعمل عليهم خِيارهم وإذا سَخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وَقته وجعل المال في بُخلائهم واسْتعمل عليهم شرارهم ". فانصرفتُ فما

وضعت ثوبي حتى أتاني رسولُ الحجَّاج. فسرتُ إليه فألفيتُه جالساً على فراشه والسيفُ مُصَلت بيده. فقال لي: ادْنُ فدنوْتُ شيئاً. ثم قال لي: ادن فدنوتُ شيئاً. ثم قال لي الثالثة: ادْنُ لا أبَالك! فقلتُ: ما بي إلى الدنوَ من حاجة وفي يد الأمير ما أَرى.

فضحك وأغمد سيفَه وقال: اجْلس ما كان من حديث الخبيث فقلت له أيها الأمير والله ما غششتُك منذ اسْتنْصحتَني ولا كذبتُك منذ اسْتَخبرتني ولا خُنتك منذ ائتمنتني ثم حدَثته. فلما صرتُ إلى ذكر الرجل الذي المالُ عنده اعرض عنّي بوجهه وأومأ إليَّ بيده وقال: لا

تُسَمِّه ثم قال: إنَّ للخبيث نفساً وقد سمع الأحاديث. ويقال: إن الحجَّاج كانَ إذا اسْتَغرب ضَحِكاً والَى بين الاسْتغفار وكان إذا صَعد المِنبر تلفّع بمطْرَفه ثم تكلَم رويداً فلا يكاد يسمع ثم يتزيّد في الكلام فيُخرج يَده من مطْرَفه ثم يَزجر الزَّجرة فيَقْرع بها أقصى

مَن في المسجد. صعد خالدُ بن عبد الله القَسريّ المِنبر في يوْم جمعة وهو إذ ذاك على مكة فذكر الحجَّاجَ فحَمِد طاعته وأثنى عليه خَيْراً. فلما كان في الجمعة الثانية وَرد عليه كتابُ سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشَتم الحجاج ونَشرْ عُيوبه وإظهار البراءة

منه. فَصَعِد المِنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ إبليس كان مَلَكاً من الملائكة وكان يظْهر منِ طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلاً وكان الله قد عَلم من غِشّه وخُبثه ما خفِي على ملائكته فلما أراد الله فضيحتَه أَمره بالسُّجود لآدم

فظهر لهم منه ما كان مُخفيه فلعنوه. وإن الحجَّاج كان يُظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كُنَّا نرى له به فَضْلاً وكأنَّ الله قد أطلعَ أميرَ المؤمنين من غِشه وخبثه على ما خفي عنَّا فلما أراد الله فضيحتَه أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين فلعنه

فالْعنوه لَعنه الله ثم نزل. ولما أُتي الحجاج بامرأة ابن الأشعث قال للحَرسيِّ: قل لها: يا عدوَّة الله أين مال الله الذي جعلتِه تحت ذَيلك فقال لها الحرسيُ: يا عدوة الله أين مال الله الذي جعلتِه تحت استك قال الحجاج: كذبْت ما هكذا قلت. أرْسِلْها.

فخلي سبيلَها. أبو عَوانة عن عاصم عن أبي وائل قال: أرسل الحجاج إلي فقال لي: ما اسمك قلت: ما أرسل الأميرُ إليّ حتى عَرف اسمي! قال لي: متى هبطتَ هذه الأرض قلت: حين ساكنتُ أهلها. قال: كم تقرأ من القرآن قلتُ: أقرا منه ما إن

اتّبعتُه كفاني قال: إني أريد أن أستعين بك على بعض عَملي. قلت: إن تستعن بي بكبيرِ أخرَق ضعيف يخاف أعوان السوء وإن تَدَعْني فهو أحبُّ إليَّ وإن تُقحمني أتقحم. قال: إن لم أجد غيرَك أقْحمتك وإن وجدتُ غيرَك لم أقحمك. قلت: وأخرى أكرم الله الأمير

إني ما علمتُ الناس هابوا أميراً قط هيبَتهم لك والله إني لأتعارّ من الليل فأَذكرك فما يَأتيني النومُ حتى أصبح هذا ولستُ لك على عمل. فأعجبه ذلك وقال: هيه كيف قلتَ فأعدتُ عليه الحديث. فقال: إنّي والله ما أعلم اليومَ رجلاً على وجه الأرض هو

أجرأ على دمٍ منّي. قال: فقمتُ فعدلتُ عن الطريق عمداً كأنّي لا أبصر. فقال: اهدوا الشَيخ أرشدوا الشيخ. أبو بكر بن أبي شَيبة قالت: دخل عبدُ الرحمن بن أبي لَيلى على الحجَّاج فقال لجلسائه: إذا أردتم أن تنظروا إلى رجل يَسُب أميرَ المؤمنين عثمان فانْظروا

إلى هذا. فقال عبدُ الرحمن: معاذَ الله أيها الأميرُ أن أكون أسب عثمان إنه لَيحجِزُني عن ذلك آياتٌ في كتاب الله تعالى: " للفُقراء المُهاجرين الذين أخْرِجوا مِن دِيارهم وأموالهم يَبْتغون فَضلاً من الله ورِضْواناً ويَنْصرون الله ورسولَه أولئك هم الصادِقون " فكان عثمانُ منهم.

ثم قال: " والَّذِينِ تَبوؤا الدارَ والإيمان مِن قَبْلهم يُحبُّون مَن هاجَرَ إليهم ولا يَجدُون في صُدُورهم حاجةَ مما أوتُوا ويُؤثِرون على أنفُسهم ولو كان بهم خَصَاصة " فكان أبي منهم. ثم قال: " والَّذِين جاءُوا مِن بَعْدِهمِ يَقولون ربنا اغْفِر لنا وَلإخْواننا الَّذين سَبَقُونا

بالإيمان " فكنتُ أنا منهم. قال: صدقت. أبو بكر بن أبي شَيبة عن أبي مُعاوية عن الأعمش قال: رأيتُ عبدَ الرحمن ابن أبي ليلى ضَربه الحجَّاج ووقفه على باب المسجد فجعلوا يقولون له: ألعن الكاذبين: علي بن أبي طالب وعبدَ الله بن الزبير والمُختارَ بن

أبي عُبيد. فقال: لعَنَ الله الكاذبين ثم قال: فيُ علي بن أبي طالب وعبدُ الله بن الزُّبير والمُختار بن أبي عُبيد بالرفع. فعرفتُ حين سَكت ثم ابتدأ فرفع أنه ليس يُريدهم. قال الشَعبيُ: أتي بي الحجاجُ مُوثَقاً فلما جئتُ باب القصر لَقِيني يزيدُ بن أبي

مسلم كاتبُه فقال: إنا لله يا شَعبي لما بين دَفتيك مِن العلم وليس اليومُ بيوم شفاعة. قلتُ له: فما المَخرج قال: بُؤ للأمير بالشرك والنفاق على نفسك وبالحَرَي أن تنجوَ. ثم لقيني محمدُ بن الحجّاج فقال لي مثلَ مَقالة يزيدَ. فلما دخلتُ على الحجاج قال

لي: وأنعت يا شَعبيُ فيمن خَرج علينا وأكثر قلتُ: أصلحَ الله الأمير نَبا بنا المنزل وأجدب بنا الجَناب واستحلَسَنا الخوفُ واكتحلنا السَّهر وضاق المسلك وخَبَطتنا فتنةٌ لم نكنْ فيها بررة أتقياء ولا فَجرة أقوياء. قال: صدق والله ما برُّوا بخروجهم علينا ولا قووا أطلقوا عنه.

فاحتاج إلي في فَريضة بعد ذلك فأرسل إليَّ فقال: ما تقول في أم وأخت وجَدّ فقلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب محمد ﷺ عبدُ الله بن مسعود وعليّ وعثمان وزَيد وابنُ عباسِ. قال: فما قال فيها ابنُ عباس إن كان لِمَنْقَباً قلت: جعل الجَد أباً

ولم يُعط الأخت شيئاً وأعطى الأم الثلث. قال: فما قال فيها ابنُ مسعود قلت: جَعلها من ستَة فأعطى الجدَّ ثلاثة وأعطى الأم اثنين وأعطى الأختَ سهماً. قال: فما قال زَيد قلت: جعلها من تِسعة فأعطى الأمَّ ثلاثة وأعطى الجد أربعة وأعطى الأختَ اثنين فجعل الجَدّ

معها أخاً. قال: فما قال فيها أميرُ المؤمنين عثمان قلتُ: جعلها ثلاثاً. قال: فما قال فيها أبو تُراب قلتُ: جعلها من ستة فأعطى الأختَ ثلاثة وأعطى الأمّ اثنين وأعطى الجدّ سهماً. قال: مُر القاضي فلْيُمضها على ما أمضاها أميرُ المؤمنين. فبينما أنا عنده إذ جاءه

الحاجبُ فقال له: إن بالباب رُسلاً. فقال: إيذن لهم. قال: فدخلوا وعمائمهم على أوساطهم وسيوفُهم على عواتقهم وكُتبهم بأيمانهم وجاء رجل من بني سُليم يقال له شَبابة بن عاصم فقال له: مِن أين قال: من الشام. قال: كيف تركتَ أمير المؤمنين وكيف تركتَ حَشمه فأخبره.

قال: هل وراءك من غيث قال: نعم. أصابتني فيما بَيني وبين الأمير ثلاث سحائب. قال: فانعتْ لي كيف كان وَقْع المطر وتَباشيره قال: أصابتني سحابةٌ بحوارين فَوقع قَطر صغار وقَطْر كبار فكانت الصغار لحْمة للكبار ووقع نشيطاَ ومُتداركاً وهو السّيح الذي سمعتَ به فوادٍ سائل

ووادٍ نازح وأرض مُقبلة وأرض مُدبرة. وأصابتني سحابةٌ بَسرا ء فلَبّدت الدِّماث وأسالت العَزَاز وأدحضت التِّلاع وصَدَعت عن الكمأة أماكنها. وأصابتني سحابةٌ بالقَرْيتين فقاءت الأرضُ بعد الرّي. وامْتلأت الأخاديد وأفعمت الأودية وجِئْتك في مثل وِجار الضَبُع. ثم قال: إيذَن فدخل رجل من بن أسد. فقال:

هل وراءَك من غيث قال: لا كثُر الإعصار وأغبرت البلاد وأيقنّا أنه عام سَنة. قال: بئس المُخبر أنت. قال: أخبَرْتُك الذي كان ثم قال: إيذَن. فَدَخَل رجل من أهل اليمامة. قال: هل وراءك من غيث قال: نعم سمعت الرُّوّاد يَدْعون إلى الماء وسمعتُ قائلاً يقول:

هَلُمّ ظَعنَكم إلى محلّة تَطفأ فيها النيران وتشكّى فيها النساء وتنافسُ فيها المِعزى. وقال الشعبيّ: فلم يدر الحَجّاج ما قال. فقال له: تبا لك! إنما تُحدّث أهلَ الشام فأَفْهِمْهم. قال: أصلح الله الأمير أخصب الناسُ فكَثُر التمر والسمن والزُبد والّلبن فلا تُوقَد نار يُختبر بها.