نهاراً فأمر الوليدُ بحَبسه فلم يزل محبوساً حتى شرب الوليدُ يوماً فطَرِب فكلمه مَعبد فأمر الوليدُ بإخراجه ودعاه فغنَاه فقال: أنت ابنُ مسلنطح البِطاح ولم تَطْرُق عليك الحُنِيّ والوُلجُ فرضي عنه وكان سعيدٌ الأحوصُ ومَعبَد حين قدما على الوليد نزلا في الطريق على غَدير يا
بيتَ عاتكة الذي أتعزّل حَذَرَ العدا وبه الفؤادُ مُوَكَّلُ فقال لها: يا جارية لمن أنت فقالت: كنت لآل الوليد بن عُقبة بالمدينة فاشتراني مولاي وهو من بنى عامر بن صعصعة أحد بني الوَحيد من بني كلاب وعنده بنتُ عمّ له فوهبنى لها فأمرتني أن أستقي
لها. فقالا لها: فلمن الشعرُ قالت: سمعتُ بالمدينة أن الشعرَ للأحوص والغناء لمعبد فقال مَعبد للأحوص: قل شيئاً أغنِّى عليه. فقال: إنّ زَين الغدير مَن كسر الْج رِّ وغَنَى غِناء فَحْل مُجيدِ قلتُ: مَن أنتِ يا مَليحة قالت: كنتُ فيما مَضى آل الوليد ثم قد
صِرْتُ بعد عِز َقريش في بنى عامرٍ آل الوَحيد وغِنائي لمعبدٍ ونشيدِي لفتَى الناس الأحوص الصِّنديد فتضاحكت ثم قلتً أنا الأحْوص والشيخُ مَعبدٌ فأعيدي فأعادتْ وأحسنت ثم ولّت تتهادَى فقلتُ أمّ سعيد يَقْصر المال عن شِراكِ ولكن أنت في ذِمه الإمام الوليد وأمّ سعيد كانت
للأحوص بالمَدينة فغنّى مَعبد على الشِّعر. فقال: ما هذا فاخبراه فاشتراها الوليد. قال أبو الحسن: وقال ابنُ أبي الزِّناد: إنِّي كنتُ عند هشام وعنده الزّهري فذُكر الوليد فتنقّصاه وعاباه عيباً شديداً ولم أعْرض لشيء مما كانا فيه فاستأذن فأذن له فدَخل وأنا أعرفُ الغَضب لا
وجهه فجَلس قليلاً ثم قام. فلما مات هشام: كَتب بي فحُملت إليه فرحّب بي وقال: كيف حالك يا بن ذكوان وألطفَ المسألة. ثم قال: أتذكر هشاماً الأحول وعنده الفاسقُ الزُّهري وهما يَعيباني فقلت: أذكر ذلك ولم أعْرض لشيء مما كانا فيه. قال: صدقتَ أرأيتَ الغُلام
الذي كان على رأس هشام قائماً قلتُ: نعم. قال: فإنه نَمّ إلىّ بما قالاه. وايم الله لو بقى الفاسقُ الزهري لقتلتُه. قلت: قد عرفتُ الغضبَ في وجهك حين دخلتَ. قال: يا بن ذكوان ذَهب الأحولُ. قلت: يُطيل الله عُمرك وُيمتّع الأمة ببقائك. ودعا بالعشاء فتعشَّينا
وجاءت المغرب فصلًينا وتحدّثنا حتى حانت العشاء الآخرة فصلّينا وجلس. فقال: اسقني فجاؤوا بإِناء مُغطَّى وجيء بثلاث جوار فصُفِفن بيني وبينه حتى شرب وذَهَبْن فتحدثّنا واستسقى فصنعوا مثلَ ذلك. فما زال كذلك يَستَسقى ويتحدّث ويَصنعون مثل ذلك حتى طلع الفجر فأحصيت له سبعين قدحاً. على
بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته إذ أتي بشُراعة من الكوفة فوالله ما سأله عن نَفسه ولا عن مَسيره حتى قال له: يا شُراعة إني والله ما بعثتُ إِليك لأسألك عن كتاب الله وسُنِّة رسول ﷺ . قال: والله لو سألتَني
عنهما لوجدتَني فيهما حماراً قال: إنما أرسلتُ إِليك لأسألك عن القهوة. قال: دِهْقانُها الخَبير ولُقمانها الحكيم وطبيبُها العليم. قالت: فأخبرني عن الشراب قال: يَسأل أميرُ المؤمنين عما بدا له. قال: ما تقول في الماء قال: لا بُد لي منه والحمارُ شريكي فيه. قالت: ما تقول
في اللَّبن ما رأيتُه قط إِلا استحييتُ من أمي لطُول ما أرْضَعتني به. قال: ما تقول في السويق قال: شرابُ الحَزين والمُستعجل والمَريض. قال: فنبيذُ التمر قال: سريعُ المَلْء سريعُ الآنفشاش. قال: فنبيذ الزَبيب قال: تلهَّوْا به عن الشراب. قال: ما تقول في الخَمر قال:
أوهِ! تلك صَديقة رُوحي. قال: وأنت والله صديقُ رُوحي. قال: فأيّ المجالس أحبُّ قال. ما شُرب الكأسُ قطُّ على وَجه أحسنَ من السماء. قال أبو الحسن: كان أبو كامل مُضحكا غَزِلا مُغنّيا! فغنّى الوليدَ يوماً فطَرِب فأعطاه قَلَنْسوة بَرُودا كانت عليه فكان أبو كامل لا
يَلبسها إلا في عيد ويقول: كَسانيها أميرُ المؤمنين فأنا أصُونها وقد أمرتُ أهلي إذا مِتُّ أن تُوضع في أكفاني. وله يقول الوليد: مَن مُبْلِغ عني أبا كامل أنّي إذا ما غاب كالهابِل وزادني شوقاً إلى قُرْبه ما قد مَضىَ من دَهرنا الحائل إنّي إذا عاطيتُه
مُزَّةً ظَلْت بيوم الفَرَح الجاذل قال: وجلس الوليدُ يوماً وجاريةٌ تُغَنيه فأنشدها الوليدُ: قالت الجارية المغنية: لو أتممتَ الشعر غنيتُ به. قال: لست أرويه وكتب إلى حماد الراوية فحُمل إليه: فلما دخل عليه قال له الوليد: قينة في يمينها إِبريق فأنشد حماد الراوية: ثم نادى
ألا أصبحُوني فقامتْ قينةٌ في يمينها إِبريقُ فَذَمَته على عُقار كعَينْ الدِّيك صَفَّى لسُلافَه الرَّاووق مُزَةً قبل مَزْجها فإذا ما مُزِجت لذَ طَعْمُها مَن يذوق وكتب الوليدُ إلى المدينة فحمل إليه أشعب فألبسه سراويل جِلد قِرْد له ذَنب وقال له: ارقُص وغَنّ صوتاً يعجبني فإن
فعلتَ أعطيتُك أسف درهم. فرَقص! وغَنى فأعجبه فأعطاه ألف درهم: وأنشد الوليدُ هذا الصوتَ: علِّلاني واسقيانِي مِن شَراب أصْفهاني من شَراب الشيخ كِسْرَى أو شرابً الهُرْمزَان إنَّ بالكأس لمِسْكاً أو بكَفَّيْ من سَقاني إنما الكأسُ ربيعٌ يُتعاطى بالبَنانْ وصَفْراء في الكأس كالزَعْفَران سَباها الدَهاقينُ من
عَسْقلانِ لها حَبَبٌ كلما صفقت تراها كلَمعة بَرْق يَماني وقال أيضاً: ليت حَظي اليومَ من كل ل مَعاش لي وزَادِ قهوة أبذُل فيها طارفي بعد تِلادي فيظل القلبُ منها هاشماً في كل وادِي إنّ في ذاك فَلاحي وصَلاحي ورشادي وقال امدح الكأسَ ومَن أعملها واهجُ
قوماً قتلونا بالعَطشْ إنما الكأس ربيعٌ باكر فإذا ما لم نَذُقها لم نعِشْ وبلغ الوليدَ أن الناس يَعيبونه ويتنقصونه بالشراب وطَلب اللّذات فقال في ذلك: ولقد قضيتُ ولم يُجَلِّل لمتي شَيب على رَغم العِدا لذَّاتي مِن كاعباتٍ كالدُّمَى ومَناصفٍ ومَراكب للصَّيد والنّشوات وقال معاويةُ بن
عمرو بن عُتبة للوليد بن يزيد حين تغير له الناسُ وطَعنوا عليه: يا أمير المؤمنين إنه يُنطقني الأنْس بك وتُسْكتني الهيبةُ لك وأراك تأمن أشياء أخافُها عليك أفأسكت مُطيعاً أم أقول مُشفقاً قال: كل مَقْبول منك وللهّ فينا عِلمُ غيب نحن صائرون إليه. فقُتل بعد
ذلك بأيام. وقال الوليد إذا أكثر الناسُ القولَ فيه: خُذوا مُلْكَكم لا ثَبت الله مُلْكَكم ثباتاً يُساوى ما حييتُ عِقالَا دَعُوا لي سُليْمى معْ طِلاء وقَيْنة وكأسٍ ألا حَسْبي بذلك مالا أبا لملكِ أرْجو أن أخلَد فيكم ألا رب مُلكٍ قد أزيل فَزالا ألا رُب
دارٍ قد تحَمّل أهلُها فأضحتْ قِفاراً والقِفار حِلالا قال إسحاق بن محمد الأزرق: دخلتُ على مَنصور بن جُمْهور الكَلْبي بعد قَتْل الوليد بن يزيد وعنده جاريتان من جَواري الوليد فقال لي: اسمع مِن هاتين الجاريتين ما يقولان. قالتا: قد حدَثناك. قال: بل حَدَثاه كما حَدّثتُماني.
قالت إحداهما: كُنّا أعزَّ جواريه عنده فنَكح هذه وجاء المُؤذّنون يؤذّنونه بالصلاة فأخرجها وهي سَكْرى جُنبة متلثّمة فصلّت بالناس. مقتل الوليد بن يزيد إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني عبدُ الله بن واقد الجَرْمي وكان شَهدَ مقتل الوليد قال: لما أجمعوا على قَتله فقدوا أمرَهم يزيدَ
بن الوليد بن عبد الملك فخرج يزيدُ بن الوليد بنِ عبد الملك فأتى أخاه العباس ليلاً فشاوره في قَتل الوليد فنهاه عن ذلك فأقبل يزيد ليلاً حتى دخل دمشقَ في أربعين رجلاً فكسروا باب المَقصورة ودخلوا على واليها فأوثقوه وحَمل يزيدُ الأموال على العَجل إلى
باب المِضمار وعَقد لعبد العزيز بن الحجَّاج بن عبد الملك ونادى مًناديه: من انتدب إلى الوليد فله ألفان فانتدب معه ألفا رجل وضَم مع عبد العزيز ابن الحجاج يعقوبَ بن عبد الرحمن ومنصور بن جُمْهور. وبلغ الوليدَ بن يزيد بن عبد الملك ذلك فتوجّه من
البلقاء إلى حِمْص وكتب إلى العباس ابن الوليد أن يأتيه في جند من أهل حمص وهو منها قريب وخرج حتى انتهى إلى قمر في بَرية ورَمل من تَدْمر على أميال وصبحت الخيلُ الوليدَ بالبخراء. وقدم العباسُ بن الوليد بغير خَيل فحَبسه عبدُ العزيز ابن الحجّاج
خلفه ونادى مُنادي عبد العزيز: مَن أتى العبّاسَ بن الوليد فهو آمن وهو بيننا وبينكم. وظَن الناس أن العبّاس مع عبد العزيز فتفرقوا عن الوليد وهجم عليه الناس. فكان أول من هجم عليه السريّ بن زياد بن أبي كَبشة السَّكْسكيّ وعبد السلام اللِّخمي فأهوى إليه
السري بالسيف وضَربه عبد السلام على قَرنه فقُتل.
العقد الفريد - الجزء الرابع
لابن عبد ربه
العقد الفريد/الجزء الرابع/1
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/2
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/3
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/4
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/5
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/6
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/7
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/8
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/9
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/10
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/11
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/12
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/13
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/14
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/15
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/16
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/17
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/18
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/19
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/20
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/21
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/22
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/23
|
العقد الفريد/الجزء الرابع/24
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐7b499d86dc‐nrk9c Cached time: 20260827161156 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.027 seconds Real time usage: 0.035 seconds Preprocessor visited node count: 7/1000000 Revision size: 49313/2097152 bytes Post‐expand include size: 1811/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152
bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 6.557 1 -total 51.50% 3.377 1 قالب:صل 46.24% 3.032 1 قالب:العقد_الفريد/الجزء_الرابع