ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 79 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 79 من 811,760 كلمة في هذا الجزء

فلم يَفعل. فقالوا له: لو أتيتَه فقال: أقول ماذا: أعْطِني ثمن قِراي الذي قريتُكه! العُتبي عن أبيه عن الشَّمردل وكيل آل عمرو بن العاص قال: لما قَدِمٍ سليمان بن عبد الملك الطائفَ دَخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو. قال: فجال في

البستان ساعةً ثم قال: ناهيك بمالِكم هذا مالاً! ثم ألْقى صدرَه على غُصن وقال: ويلك يا شَمَرْدل! ما عندك شيء تُطعمني قلت: بلى والله عندي جَدْي كانت تَغدو عليه بقرة وتروح أخرى. قال: عجٌل به ويحك! فأتيتُه بن كأنه عُكٌة سَمْن فأكله وما دعا عُمَرَ

ولا ابنه حتى إذا بَقي الفَخِذ قال: هلم أبا حَفْص. قال: أنا صائم فأتى عليه. ثم قال: ويلك يا شَمَرْدل! ما عندك شيء تُطعمني قلت: بلى والله دَجاجتان هِنْديتان كأنهما رَألا النعام فأتيتُه بهما فكان يأخذ برجل الدجاجة فيُلقى عظامَها نقية حتى أتى عليهما. ثم

رفع رأسَه فقال: وبلك يا شَمَرْدل! ما عندك شيء تُطعمني قلت: بلى عندي حَريرة كأنها قُراضة ذهب. قال: عَجِّل بها ويلك! فأتيتُه بعُس يَغيب فيه الرأس فجعل يَتَلَقَّمها بيده ويَشرب. فلما فرغ تجشَّأ فكأنما صاح في جُب. ثم قال: يا غلام أفرغِتَ من غَدائي قال

نعم. قال: وما هو قال: ثمانون قِدْراً. قال: ائتني بها قِدْراً قدراً. قال: فأكثرُ ما أكل مِن كل قدر ثلاث لُقم وأقل ما أكل لقمة. ثم مسح يده واستلقى على فِراشه ثم أذن للناس ووُضعت الخِوانات وقَعد يأكل فما أنكرتُ شيئاً من أكْله. خلافة عمر

بن عبد العزيز المدائني قال: هو عمرُ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم وكُنيته أبو حَفْص. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وولي الخلافةَ يوم الجُمعة لعشر خَلْون من صَفر سنة تسع وتسعين. ومات يومَ الجمعة لستٍّ بقين من رَجب بدَيْرِ

سِمْعان من أرض دِمَشق سنة إحدى ومائة وصَلّى عليه يزيدُ بن عبد الملك. علي بن زيد قال: سمعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقوله: تمَت حُجّة الله على ابن الأربعين. ومات لها. وكان على شرطته يزيدُ بن بَشير الكِنانيّ. وعلى حرسه عمرو بن المُهاجر ويقال! أبو

العباس الهِلالي. وكان كاتبَه على الرسائل ابنُ أبي رُقَيَّة وكاتبه أيضاً إسماعيل بن أبي حَكيم. وعلى خاتَم الخلافة نُعيم ابن أبي سَلامة. وعلى الخراج والجُند صالحُ بن أبي جُبير. وعلى إذْنه أبو عُبيدة الأسود مولاه. يعقوب بن داود الثَّقفي عن أشياخ من ثَقيف قال: قُرىء

عهدُ عُمر بالخلافة وعُمر من ناحية فقام رجلٌ من ثقيف يقال له: سالم من أخوال عمر فأخذ بضَبْعيه فأقامه. فمال عمر: أما والله ما الله أردتَ بهذا ولن تُصيب بها مني ديناً. أبو بِشر الخُراساني قال: خَطب عمرُ بن عبد العزيز الناسَ حين استُخلف فقال:

أيها الناس والله ما سألتُ الله هذا الأمرَ قَط في سر ولا علانية فمن كان كارهاً لشيء مما وليتُه فالآن. فقال سعيدُ بن عبد الملك: ذلك أسرعُ فيما تَكره أتريد أن نَخْتَلف ويضرب بعضُنا بعضاً قال رجل: سبحان الله! وليها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي

ولم يقولوا هذا ويقوله عُمر!

أخبار عمر بن عبد العزيز

بِشر بن عبد الله بن عمر قال: كان عمر يخلو بنفسه ويَبْكي فنَسمع نَحيبَه بالبكاء وهو يقول: أبعدَ الثلاثة الذين واريتهم بيدي: عبدِ الملك والوليد وسليمان! وقدم رجلٌ من خراسان على عمرَ بن العزيز حين استُخلف فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيتُ في منامي قائلًا

يقول: إذا ولي الأشجّ من بني أمية يملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جَوراً. فولي الوليدُ فسألتُ عنه فقيل لي: ليس بأشجّ ثم ولي سليمان فسألتُ عنه فقيل: ليس بأشجّ. ووليتَ أنت فكنت الأشجّ. فقال عمر: تقرأ كتابَ الله قال: نعم. قال: فبالذي أنعم به عليك

أحق ما أخبرتني قال: نعم. فأمره أن يُقيم في دار الضِّيافة. فمكث نحواً من شهرين ثم أرسل إليه عمر فقال: هل تَدري لم احتبسناك قال: لا. قال: أرسلتُ إلى بلدك لنسألَ عنك فإذا ثناءُ صديقك وعدوّك عليك سواء فانصرفْ راشداً. وكان عمرُ بن عبد العزيز

لا يأخذ من بيت المال شيئاً ولا يُجري على نفسه من الفيء درهماً. وكان عمرُ بن الخطاب يُجري على نفسه من ذلك دِرْهمين في كلّ يوم. فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذتَ ما كان يأخذ عمرُ بن الخطاب فقال: إنّ عمر بن الخطاب لم

يكن له مال وأنا مالي يُغنيني. ولما ولي عمرُ بن عبد العزيز قام إليه رجل فقال: يِا أمير المؤمنين أعدِني على هذا وأشار إلى رجل. قال فيم قال: أخذ مالي وضرب ظهري. فدعا به عمر فقال: ما يقول هذا قال صَدق إنه كتب إليّ الوليدُ

بن عبد الملك وطاعتُكم فريضة. قال: كذبتَ لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله وأمر بالأرض فرُدتْ إلى صاحبها. عبدُ الله بن المُبارك عن رجل أخبره قال: كنتُ مع خالد بن يزيد بن معاوية في صَحن بيت المَقدس فلقينا عمرُ بن عبد العزيز ولا

أعرفه فاخذ بيد خالد وقال: يا خالد أعلينا عَين قلتُ: عليكما من الله عينٌ بَصيرة وأذن سميعة. قال: فاستلّ يدَه من يد خالد وأرعد ودَمعت عيناه ومَضى. فقلت لخالد: مَن هذا قال: هذا عمرُ بن عبد العزيز إن عاش فيُوشك أن يكون إماماً عدلًا. وقال

رياح بن عُبيدة: اشتريتُ لعمر قبل الخلافة مُطرَفا بخمسمائة فاستخشنه وقال: لقد اشتريتَه خَشناً جداً واشتريت له بعد الخلافة كِساء بثمانية دراهم فاستلانه وقال: اشتريتَه ليِّناً جداً. ودخل مسلمةُ بن عبد الملك على عمر وعليه رَيْطة من رياط مصر فقال: بكم أخذت هذه يا أبا

سعيد قال: بكذا وكذا. قال: فلو نقصتَ من ثمنها ما كان ناقصاً من شرَفك. فقال مسلمة: إنّ الاقتصاد ما كان بعد الجدَة وأفضلَ العَفو ما كان بعد القُدْرة وأفضلَ اللِّين ما كان بعد الولاية. وكان لعمرَ غلامٌ يقال له دِرْهم يحتطب له فقال له يوماً:

ما يقول الناس يا دِرْهم قال: وما يقولون الناسُ كلهم بخير وأنا وأنت بشرّ. قال: وكيف ذلك قال: إني عهدتُك قبل الخلافة عَطِراً لبّاساً فاره المَرْكب طَيّب الطعام فلما وليتَ رجوتُ أن أستريح وأتخلّص فزاد عملي شدّة وصِرْتَ أنت في بلاء. قال: فأنت حُر فاذهب

عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعلَ الله لي منه مخرجاً. ميمون بن مهران قال: كنتُ عند عمرِ فكثُر بكاؤه ومسألتُه ربَّه الموت فقلت: لمَ تسأل الموت! وقد صَنع الله على يديك خيراً كثيراً أحْيا بك سُننا وأمات بك بِدَعا. قال: أفلا أكون مثل العَبد

الصالح حين أقرّ الله عينَه وجَمع له أمره قال: " رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ". ولما وَلي عمرُ بن عبد العزيز قال: إن فَدك كانت مما أفاء الله

على رسوله فسألتها فاطمةُ رسولَ اللهّ. فقال لها: ما لَكِ أن تَسأليني ولا لي أن أعطيك. فكان رسولُ الله ﷺ يصطنع فيها حيث أمره اللهّ. ثم وَلي أبو بكر وعمر وعثمان فكانوا يضعونها المواضعَ التي وَضعها رسولُ اللهّ صلى الله عليه وسلم. ثم وَلي معاوية

فأقطعها مروانَ ووَهبها مروانُ لعبد الملك وعبدِ العزيز فقسمناها بيننا أثلاثاً أنا والوليد وسليمان. فلما ولي الوليدُ سألتُه نصيبَه فوهبه لي وما كان لي مالٌ أحب إلي منها وأنا أشهدكم أني قد رددتُها إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال عمر: الأمور ثلاثة أمر استبان رُشدُه فاتبِعْه وأمر استبان ضره فاجتنبْه وأمر أشكل أمرهُ عليك فرُدّه إلى الله. وكتب عمر إلى بعض عُماله: الموالي ثلاثة: مَولى رَحِم ومولى عَتاقة ومولى عَقد فمولى الرحم يَرث ويُورَث ومولى العَتاقة يُورَث ولا يَرِث ومولى العقد لا يَرث

ولا يُورث وميراثه لعصبته. وكتب عمر إلى عُمَّالة: مُرُوا مَن كان على غير الإسلام أن يَضعوا العمائم ويَلبسوا الأكسية ولا يَتشبهوا بشيء من الإسلام ولا تتركوا أحداً من الكُفار يستخدم أحداً من المسلمين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عَدِيّ بن أرطاة عامِله علِي العراق:

إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرةَ الخالق القادر عليك واعلم أن مالَكَ عند الله أكثرُ مما لك عند الناس. وكتب عمرُ بن عبد العزِيز إلى عُمَّاِله: مُروا من كان قِبَلكم فلا يبقى أحد من أحرارهم ولا مماليكهم صغيراً ولا كبيراً وذكراً ولا أنثى إلا

أخرج عنه صدقَة فِطر رمضان: مُدين من قمح أو صاعاً من تمر أو قيمة ذلك نصفَ درهم. فأما أهل العطاء فيُؤخذ ذلك من أعطياتهم عن أنفسهم وعيالاتهم. واستعملوا على ذلك رجلين من أهل الأمانة يَقْبضان ما اجتمع من ذلك ثم يُقسّمانه في مَساكين أهل الحاضرة.

ولا يُقسّم على أهل البادية. وكتب عبدُ الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر: إنّ رجلاً شَتمك فأردتُ أن أقتله. فكتب إليه: لو قَتلته لأقدتك به فإنه لا يُقتل أحد بشتم أحد إلا رجل شَتم نبيًّا. وكتب رجل من عُمَّال عمر إلى عمر: إنا أتينا بساحرة

فألقيناها في الماء فطفت على الماء فما تَرى فيها فكتب إليه: لسنا من الماء في شيء إن قامت عليها بيّنة وإلا خَلَ سبيلها. كان عمرُ بن عبد العزيز يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامِله علىِ المدينة في المظالم فيُرادّه فيها. فكتب إليه: إنه

يُخيل لي أني لو كتبتُ لك أن تُعطِيَ رجلاً شاة لكتبت إلى: أذكر أم أنثى ولو كتبتُ إليك بأحدهما لكتبت إلي: أصغيرة أم كبيرة ولو كتبتُ بأحدهما لكتبتَ: ضائنة أم معز فإذا كتبت إليك فنفّذ ولا تَردّ عليّ. والسلام. وخطب عمرُ فقال: أيها الناس لا