ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 25 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 25 من 811,784 كلمة في هذا الجزء

من أدخل نفسه في الكتابة ولم يستحقها

صالح بن شيرزاد وجعفر بن سابور كاتب الأفشِين والفَضْل بن مَرْوان وداود بن الجَرَّاح وأبو صالح عبد اللهّ بن محمد بن يَزْداد وأحمد ابن الخصيب. فهؤلاء لَطّخوا أنفسهم بالكتابة وما ؟؟ وقال بعضَ الشعراء في صالح بن شِيرزاد: حِمَار في الكِتابة يَدَّعيها كدَعْوى آل حَرْب

في زِيادِ فَدَع عنك الكِتابة لست منها ولو غَرَّقتَ ثوبك في المِداد ومنهم: أبو أيّوب ابن أخت أبي الزير وهو القائل يَرْثي أمَّ سُليمان بن وَهْب الكاتب: لأمّ سُليمانٍ علينا مُصِيبةٌ مُغَلْغلة مثلُ الحُسام البَواتِر وكُنتِ سرِاجَ البيتِ يا أمَّ سالم فأضحى سراجُ البيت وَسْط

المَقابر فقال سُليمان بن وهب: ما نَزلً بأحدٍ من خَلْق الله ما نَزل به ماتت أمي فرُثيت بمثل هذا الشعر ونُقل اسمي من سُليمان إلى سالم.

صفة الكتاب

قال إبراهيم بن محمد الشَيباني: من صِفة الكاتب اعتدالُ القامة وصِغَر الهامة وخِفَّة اللَهازم وكَثَافة اللِّحية وصِدْق الحِسّ ولُطْف المَذْهب وحًلاوة الشمائل وحُسْن الإشارة ومَلَاحة الزِّي حتى قال بعضُ المَهالبة لولده: تَزَيَّوا بزِيّ الكُتِّاب فإن فيهم أدبَ الملوك وتواضعَ السُّوقة. وقال إبراهيم بن محمد الكاتب:

من كمال آل الكِتابة أن يكون الكتاب: نَقِيّ المَلْبس نَظيف المَجْلس ظاهر المُروءة عَطِر الرّائحة دَقيق الذِّهب صادق الحِسّ حَسَن البيان رَقيق حواشي اللسان حُلْو الإشارة مَليح الاستعارة لطيفَ المسالك مُسْتَقِرّ التّركيب ولا يكون مع ذلك فَضفَاض الجثّة مُتفاوت الأجزاء طويل اللِّحية عظيم الهامة فإنهم

زَعموا أنّ هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذَّكاءُ والفِطْنة. وأنشد سعيد بن حُميد في إبراهيم بن العباس: رأيتُ لهازمَ الكُتّاب خَفَّت ولهزْمتاك شأنُهما الفَدَامة وكُتّاب الملوك لهم بَيانٌ كمِثْل الدُّر قد رَصَفوا نِظَامَ وأنت إذا نطقتَ كأنّ عَيْراً يَلُوك بما يَفُوه به لِجامه وقال آخر:

عليكَ بكَاتب لَبِقٍ رَشِيقٍ زَكِيِّ في شَمائله حرارَه تُناجِيه بطَرْفًك مِن بَعيد فيفهمُ رَجْع لَحْظك بالإشارة ونظر أحمد بن الخَصِيب إلى رجل من الكتاب: فَدْم المنظر مُضْطرر الخَلْق طويل العُثْنون فقال: لأن يكون هذا فِنْطاسٌ مُرَكب أشبهَ من أن يكون كاتباً. فإذا اجتمعت للكاتب هذه

الخلال وانتظمت فيه هذه الخِصال فهو الكافِ البليغ والأديب النِّحْرِير وإن قَصَّرت به آلة من هذه الآلات وقَعدت به أداةٌ كل هذه الأدوات فهو مَنقوص

ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه

قال إبراهيم الشِّيباني: أولَ ذلك حُسْن الخط الذي هو لِسان اليد وبَهجة الضَّمير وسِفير العقل ووَحْي الفِكْرة وسِلاح المَعْرفة وأنس الإخوان عند الفرقة ومحادثتهم على بُعد المسافة ومُسْتودَع السرّ وديوان الأمور. ولستُ أجد لحُسن الحظ حدًا أقف عليه أكثرَ من قول عليّ بن رَبَن النصراني

الكاتب فإني سألته واستوصفتُه الخَطّ فقال: أعلّمك الخطِّ في كلمة واحدة فقلت له: تَفَضَل بذلك فقال: لا تكتبْ حَرْفاً حتى تَسْتَفرغَ مجهودَك في كتابة الحَرْف وتَجْعَل في نفسك إنك تَكْتب غيرَه حتى تَعْجِزَ عنه ثم تنتقل إلى ما بعده. وإياك والنَقْط والشَّكْل في كتابك إلا

أن تمر بالحَرْف المُعضِل الذي تعلم أنّ المكتوبَ إليه يَعْجِز عن استخراجه فإني سمعتُ سعيدَ بن حُميد بن عبد الحميد الكاتب يقول: لأن يُشْكِل الحرفُ عن القارىء أحبُّ إليَ من أن يُعابَ الكتاب بالشَكل. وكان المأمونُ يقول: إيَّاكم والشُّونِيز في كُتبكم - يعني النَّقْط والإعجام.

ومن ذلك أن يُصْلِحَ الكاتبُ آلتَه التي لا بُدَّ منها وأداتَه التي لا تَتم صناعتُه إلا بها مثلِ دَواته فلْيُنْعِمْ ربَّها وإصلاحَها ولْيتخيَّر من أنابيب القَصب أقلَّه عُقداً وأكثرَه لَحْماً وأصلَبه قِشْراً وأعدلَه استواء ويجعلَ لقِرْطاسه سِكِّينَاً حاداً لتكون عَوْناً له على بَرْي أقلامه ويَبريها

من ناحية قال العتّابيّ: سألني الأصمعي يوماً في دار الرّشيد: أيُّ الأنابيب للكتابة أصلَح وعليها أصْبر فقلتُ له: ما نشِفَ بالهَجير ماؤه وسَتره عن تلويحه غشاؤه من التِّبْريّة القُشور الدّرّية الظًّهور الفِضَية الكُسور. قال: فأيّ نوع من البَرْي أصْوبُ وأكْتب فقلت: البَرْية المُستوية القَطَّة التي

عن يمين سِنّها قُرْنة تأمن معها المَجَّة عند المَدة والمَطّة للهواء في شَقّها فَتُيق والرِّيح في جَوْفها خَريق والمدادُ في خُرطُومها رقيق. قال العتّابي: فبقي الأصمعي شاخصاً إليّ ضاحكاً لا يُحير مسألةً ولا جواباً. ولا يكون الكاتب كاتباً حتى لا يَسْتطيع أحدٌ تأخيرَ أوّل كتابه

وتقديمَ آخره. وأفضل الكُتّاب ما كان في أوَّل كِتابته دليلٌ على حاجته كما أنّ أفضلَ الأبيات ما دلَّ أولً البيت على قافيته. فلا تُطيلنّ صَدْرَ كِتابك إطالةً تُخرجه عن حدّه ولا تُقَصِّر به دون حدِّه فإنَّهم قد كَرِهوا في الجُمْلة أن تَزيدَ صًدور كُتب المُلوك

على سَطْرين أو ثلاثة أو ما قارب ذلك. وقيل للشَّعْبيّ: أيّ شيء تَعرف به عقلَ الرجُل قال: إذا كَتب فأجاد. وقال الحسنُ بن وَهْب: الكاتبُ نفسٌ واحدة تجزّأت في أبدان مُتفرِّقة. فأما الكاتب المُستحقّ اسم الكِتابة والبليغُ المَحْكوم له بالبلاغة مَن إذا حاول صِيغَة كتاب

سالت عن قلمه عُيونُ الكلام من ينابيعها وظَهرت من معادنها وبدرت من مواطنهَاَ من غير بلغني أنّ صَديقاً لكُلثوم العتّابي أتاه يوماً فقال له: اصنع ليِ رسالةً فاستعدّ مدّة ثم علّق القلم فقال له صاحبه: ما أرى بلاغَتك إلا شاردةً عنك. فقال له العتِّابيّ: إني

لما تناولتُ القلم تداعتْ عليّ المعاني من كل جهة فأحببتُ أن أترك كل معنَى حتى يرجع إلى موضعه ثم أَجتني لك أحسنَها. قال أحمدُ بن محمد: كنتُ عند يزيد بن عبد الله أخي ذُبْيان وهو يُمْلي على كاتب له فأعجَل الكاتبَ ودَارَك في الإملاء عليه

فتَلجلج لسانُ قَلَم الكاتب عن تَقْييد إملائه فقال له: اكتُب يا حمار. فقال له الكاتبُ: أَصْلَحَ اللهّ الأمير إنه لما هَطلت شآبيبُ الكلام وتَدافعت سُيولُه على حَرْف القَلَم كَلَّ القَلمُ عن إدراك ما وَجب عليه تقييدُه. فكان حُضور جواب الكاتب أبلغَ من بلاغة يزيد. وقال

له يوماً وقد مَطَّ حرْفاً في غير مَوْضعه: ما هذا قال: طُغْيان في القَلَم. فإنْ كان لا بُدّ لك من طَلَب أدوات الكِتابَة فتَصفّح من رسائل المُتقدّمين ما يُعتمد عليه ومن رسائل المُتأخّرين ما يُرْجَع إليه ومن نوادر الكلام ما تَستعين به ومن الأشعار والأخبار

والسِّير والأسمار ما يَتَّسع به مَنْطِقُك ويطولُ به قَلَمك وانظر في كتب المقامات والخُطب ومُجاوبة العَرَب ومعاني العجم وحُدود المَنْطق وأمْثال الفُرس ورسائلهم وعُهودهم وسَيرهم ووقائعهم ومَكايدهم في حُروبهم والوَثائق والصُّور وكُتب السجلاّت والأمانات وقَرْض الشِّعر الجَيِّد وعِلْم العروض بعد أن تكون مُتوسِّطاً في علم

النَّحو والغَريب لتكون ماهراً تنتزعُ آيَ القًرآن في مواضعها والأمثالَ في أماكنها فإنّ تَضْمين المَثل السائر والبَيْت الغابر البارع مما يزين كتابك ما لم تُخاطب خليفةً أو مَلِكاً جليلَ القَدْر فإنّ اجتلاب الشِّعر في كتب الخلفاء عيبٌ إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشِّعر والصانع

له فإنّ ذلك يَزيد في أبّهته. خبر حائك الكلام أبو جعفر البغداديّ قال: حَدثنا عثمانُ بن سَعيد قال: لما رَجع المُعتصم من الثّغْر وصار بناحية الرَّقّة قال لعمرو بن مَسْعدة: ما زلْتَ تسألني في الرُّخجيّ حتى وَلَّيتُه الأهواز فَقَعَد في سرُة الدُّنيا يأكلها خَضما وقَضْما

ولم يُوجِّه إلينا بدِرهم واحد. اخرُج إليه من ساعتك. فقلتُ في نفسي: أبعدَ الوزارة أصيرُ مُحستَحَثا على عامل خراج! ولكنْ لم أجدْ بدًّا من طاعة أمير المؤمنين فقلت: أَخرج إليه يا أمير المؤمنين. فقال: حلف لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوماً واحداً. فحلفتُ له

ثم انحدرت إلى بغداد فأمرتُ ففُرِش لي زَوْرق بالطبريّ وغُشيِّ بالسِّلْخ وطُرح عليه الكُرّ. ثم خرجتُ فلما صرْتُ بين دَيْر هِزْقل ودَيْر العاقول إذا رجل يصيح: يا ملّاح رجلٌ منقطع. فقلتُ للملاّح: قَرَّب إلى الشّطّ. فقال: يا سيدي هذا شَحّاذ فإنْ قَعد معك آذاك. فلم

ألتفتْ إلى قوله وأمرتُ الغِلمان فأدْخلوه فَقَعد في كَوْثل الزَّوْرق. فلما حَضر وقتُ الغِداء عزمتُ أن أدعُوه إلى طَعامي فدعوتُه فجعل يأكل أكلَ جائع بنَهَامة إلاّ أنه نظيف الأكل. فلما رُفع الطعامُ أردتُ أن يَستعمل معي ما يَتسعمل العوامُّ مع الخواص: أن يقومَ فيغسل يدَه

في ناحية فلم يَفعل فغَمزه الغِلْمان فلم يَقُم فتشاغلتُ عنه ثم قلت يا هذا ما صناعتُك قال: حائك: فقلتُ في نفسي: هذه شر من الأولى. فقال لي: جُعِلت فِداك قد سألتَني عن صِناعتي فأخبرتُك فما صناعتُك أنت قال: فقلت في نفسي: هذه أعظمُ من الأولى