ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 22 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 22 من 811,424 كلمة في هذا الجزء

استفتاح الكتب

إبراهيم بن محمد الشَّيباني قال: لم تزل الكتب تُستفتح باسمك اللهم حتى أنزلت سورة هود وفيها: بسم الله مَجْراها ومُرْساها فكتب: بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل: قل أدعوا الله أو أدعوا الرَّحمَن فكتب بسم الله الرحمن ثم نَزلت سورة النمل: " إنّه من

سُليمان وإنه بسم الله الرَحمن الرحيم " فاستفتح بها رسول الله ﷺ وصارت سُنة. وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى أصحابه وأمراء جُنوده: مِن محمد رسول الله إلى فلان. وكذلك كانوا يَكتبون إليه يبدءون بأنفسهم فممن كَتب إليه وبدأ بنفسه: أبو بَكْر والعلاء بن الحَضْرمي

وغيرُهما وكذلك كُتُب الصحابة والتابعين ثم لم تَزل حتى وَلي الوليد بنِ عبد الملك فعظم الكِتَابَ وأَمر أن لا يُكاتبه الناسُ بمثل ما يُكاتِب به بعضهمِ بعضاً فَجَرت به سُنّة الوليد إلى يومنا هذا إلّا ما كان من عُمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل فإنهما

عَمِلا بسنة رسول اللهّ ﷺ ثم رجع الأمر إلى رأي الوليد والقومّ عليه إلى اليوم.

ختم الكتاب وعنوانه

وأمّا خَتْم الكتاب وعنوانه: فإن الكتب لم تزل مَشهورةً غيرَ مُعنونة ولا مختومة حتى كُتبت صحيفة المُتلمِّس فلما قرأها خُتمت الكتب وعُنونت. وكان يُؤتىَ بالكتاب فيقال: مَن عُنِيَ به فسُمّى عُنْواناً. وقال حسَّان بن ثابت في قتل عثمان: صَحِّوا بِأَشْمَط عُنْوانُ السجود به يُقَطِّع الليلَ

تَسْبيحاً وقُرآنَا وقال آخر: وحاجةٍ دون أخرى قد سَمَحْتُ بها جعلتُها للذي أحببتُ عُنوانَا وقال أهلُ التفسير في قول اللهّ تعالى: إني أُلْقِي إليّ كِتَابٌ كَرِيم أي مختوم إذ كانت كَرامة الكتابة خَتمه.

تأريخ الكتاب

لا بد من تأريخ الكتاب لأنه لا يُدَلّ على تحقيق الأخبار وقُرْب عهد الكِتاب وبُعْده إلا بالتأريخ. فإذا أردتَ أن تُؤَرّخ كتابَك فانْظُر إلى ما مَضى منِ الشَهر وما بِقِي منه فإن كان ما بَقي أكثر من نصف الشهر كتبت: لكذا وكذا ليلةً مضت من

شهر كذا وإن كان الباقي أقلَّ من النصف جعلتَ مكان: مَضت بقيت. وقد قال بعضُ الكتاب: لا تكتب إذا أرّخت إلا بما مَضى من الشهر لأنه معروف وما بقي منه مجهول لأنك لا تدري أيتمّ الشَّهر أم لا. ولا تَجعل سِحاءة كتابك غليظة إلا في

كُتب العُهود والسجلاّت التي يُحتاج إلى بقاء خواتيمها وطَوابعها فإنَّ عبد الله بن طاهر كتب إليه بعضُ عمّاله على العراق كتاباً وجعل سِحَائته غليظة فأمر بأشخاص الكاتب إليه فلما ورَد عليه قال عبدُ الله بن طاهر: إن كانت معك فأس فاقطع خَتم كتابك ثم ارجعِ

إلى عملك وإن عُدت إلى مثلها عُدنا إلى إشخاصك لقطعها. ولا تُعظِّم الطَينة جداً وطِنْ كُتُبكَ بعد كَتْبك عناوينها فإن ذلك من أدب الكاتب فإن طِينت

تفسير الأمي

فأما الأمي فمجازُه على ثلاثة وجوه: قولهم أمي منسوب إلى أُمّة رسول الله ﷺ ويقال: رجل أمي إذا كان من أم القُرى. قال الله تعالى: " لِتُنْذِر أمّ القُرَى ومَن حَوْلَها " وأما قوله تعالى: النبيّ الأمي فإنما أراد به الذي لا يقرأ ولا يكتب.

والأمية في النبيّ ﷺ فضيلة لأنها أدلُّ على صِدْق ما جاء به أنه من عند الله لا من عنده وكيف يكون مِن عنده وهو لا يَكْتب ولا يقرأ ولا يقول الشَعر ولا يُنشده. قال المأمون لأبي العلاء المِنْقري: بَلَغني أنك أمي وأنك لا تُقيم الشَعر

وأنك تلحن في كلامك. فقال: يا أمير المؤمنين أمّا اللّحن فربما سَبقني لساني بالشيء منه وأما الأمية وكَسْر الشعر فقد كان النبيّ ﷺ أميّاً وكان لا يُنشد الشعر. فقال المأمون: سألتُك عن ثلاثة عُيوب فيك فزِدتني رابعاً وهو الجهل أمَا علمتَ يا جاهل أن ذلك

في النبي ﷺ فَضيلة وفيك وفي أمثالك نَقيصة!

شرف الكتّاب وفضلهم

فمن فضلهم قولُ الله تعالى على لسان نبيه ﷺ : " علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " وقوله تعالى: " كِرَاماً كاتبين ". وقولُه: " بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ " وللكُتاب أحكام بينة كأحكام القُضاة يُعرفون بها ويُنسبون إليها ويتقلدًون التدبير وسيارة المُلك

بها دون غيرهم وبهم يُقام أوَد الدين وأمور العالمين. فمن أهل هذه الصناعة: عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان مع شرفه ونُبله وقَرابته من رسول اللهّ ﷺ يكتب الوحي ثم أفضت إليه الخلافة بعد الكتابة وعثمان بن عفان كانا يكتبان الوحي فإن غابا

كتب ابن بن كعب وزيد بن ثابت فإن لم يَشهد واحد منهما كَتب غيرُهما. وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتبان بين يديه في حَوائجه وكان المُغيرة بن شُعبة والحُصين بن نمير يكتبان ما بين الناس وكانا ينوبان عن خالد ومُعاوية

إذا لم يحضرا وكان عبد الله بن الأرقم ابن عبد يغوث والعلاء بن عُقبة يكتبان وبين القوم في قبائلهم ومِياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء وكان ربما كتب عبدُ الله بن الأرقم إلى الملوك عن النبي ﷺ وعلى آله وكان حُذيفة بن اليمان يكتب

خَرْص ثمار الحجاز وكان زيدُ بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي وقيل: إنه تعلّم بالفارسية من رسول كِسْرى وبالرومية من حاجب النبيّ ﷺ وبالحبشية من خادم النبي ﷺ وبالقِبْطية من خادمه عليه الصلاة والسلام. ورُوي عن زيد بن ثابت قال:

كنت أكتب بين يدي رسول الله ﷺ يوماً فقام لحاجة فقال لي: ضَع القلم على أذنك فإنه أذكر للمُملي وأقضى للحاجة. وكان مُعَيْقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبيّ ﷺ . وكان حَنْظلة بن الربيع بن المُرقَّع بن صَيفيّ ابن أخي أكثم بن صيْفيّ الأسيديّ

خليفة كُل كاتب من كُتَاب النبيّ ﷺ إذا غاب عن عمله فغلب عليه اسم الكاتب وكان يضع عنده خاتمه وقال له: الزمني وأذكر في بكل شيء أنا فيه وكان لا يأتي على مالك ولا طعام ثلاثة أيام إِلا أذكره فلا يَبيت ﷺ وعنده منه شيء.

ومَرّ رسول الله ﷺ يوماً بامرأة مقتولة يوم فتْح مكة فقال لحنظلة: الحق خالداً وقل له: لا تقتلن ذُرْية ولا عَسِيفا. ومات حَنظلة بمدينة الرها فقالت فيه امرأته وحُكي أنه من قول الجِن وهذا محال: يا عَجَبَ الدَّهْرِ لمَحْزونة تَبْكي على ذي شَيْبَةٍ شاحِبِ إن

تسألنّي اليومَ ما شَفّني أخبرْك قِيلا ليس بالكاذب أن سَوادَ الرأس أوْدَى به وَجْدي على حَنْظلةَ الكاتب ولما وَجّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعداً إلى العراق وكتب إليه أن يسبع القبائل أسباعاً ويَجعل على كل سُبع رجلاً فَفعل سعد ذلك وجعل السبع الثالثِ

تميماً وأسداً وغطفان وهوازن وأميرَهم حنظلَة بن الربيع الكاتب وكان أحدَ من سُيَر إلى يَزْدجرد يدعوه إلى الإسلام. وكان الحْصين بن نُمير من بني عبد مناة شَهد بَيْعة الرِّضوان ودعاه رسولُ الله ﷺ يكتب صُلْح الحّديبية فأبى ذلك سهَيْل بن عمرو وقال: لا يكْتب إلا

رجل منّا فكتب عليّ بن أبي طالب. ورُوي عنه عليه السلام أنه قال: لما جاء سُهَيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحُدَيبية حين صالَح قُريشاً كان عبدُ الله بن سعد بن أبي سرح يكتب له ثم ارتد ولَحِق بالمُشركين وقال: إن محمداً يكتب

بما شِئْتُ. فَسمع ذلك رجل من الأنصار فَحَلف بالله إن أمكنه الله منه ليضربنِّه ضَرْباً بالسَّيف فلما كان يوم فَتح مكة جاء به عثمانُ وكان بينهما رَضاع فقال: يا رسولَ اللهّ هذا عبدُ الله قد أقبل تائباً فأعْرضَ عنه والأنصاريُّ مُطيفٌ به ومعه سَيفُه فمدّ

رسولُ اللهّ ﷺ جمعه يدَه وبايعه وقال للأنصاري: لقد تَلَوَّمتُك أنْ تُوفِي بنَذرك. فقال: هلَّا أومضت إليّ. فقال ﷺ : لا يَنْبغي لي أن أومض.