موسوعة أدبية من أخبار العرب وأشعارهم وآدابهم موزعة وفق أجزاء المصدر. هذه النسخة تضم 20 بابًا أو فصلًا من النطاق المبين في سجل المصادر.
1
كتاب الواسطة في الخطب
قال أبو عمر أحمدُ بن محمد بن عبد ربّه: قد مضى قولُنا في الأجْوبة وتَباين النّاس فيها على قدر عُقولهم ومَبلغ فِطَنهم وحضُورِ أذهانهم بم ونحن قائلون بعَون الله وتَوْفيقه في الخُطب التي يُتخيّر لها الكلامُ وتفَاخرت بها العربُ في مَشاهدهم ونَطقت بها الأئمة على
مَنابرهم وشُهرت بها في وقامت بها على رُؤوس خُلفائهم وتَباهت بها في أعيادهم ومَساجدهم ووصلَتْها بِصَلَواتهم وخوطب بها العوام واستُجزلت لها الألفاظ وتُخيِّرت لها المعاني: أعلم أنّ جميع الخُطب على ضَرْبين: منها الطِّوال ومنها القِصَار ولكُلِّ ذلك مَوْضع يَليق به ومكانٌ يَحسُن فيه. فأول ما
نَبدأ به من ذلك خُطبُ النبيّ ﷺ ثم السَّلف المُتقدمين ثم الجلّة من التابعين والجلّة من الخُلفاء الماضين والفُصحاء المتكلّمين على ما سَقط إلَينا ووَقع عليه اختيارُنا ثم نذكر بعضَ خُطب الخَوارج لجزالة أَلفاظهم وبَلاغة مَنْطقهم كخُطْبة قطريّ بن الفُجاءة في ذَمّ الدنيا فإنها مَعْدومة
النَّظير مُنْقطعة القَرين وخُطبة أبي حَمْزة التي سمعها مالكً بن أنس فقال: خَطَبنا أبو حَمْزة بالمدينة خُطبة شَكّك فيها المُستبصر ورَدّ بها المُرتاب ثم نَسمح بصَدر من خُطب البادية وقَوْل الأعراب خاصَّة لمعرفتهم بداء الكَلام قال عبدُ الملك بن مَرْوان لخالد بن سَلِمة القُرَشيّ المَخْزومي
مَن أخطبُ الناس قال: أنا قال: ثم مَن قال: أنا قال: ثم مَن قال: شيخ جُذام - يَعني رَوْح بن زِنْباع - قال ثم مَن قال: أُخيفش ثقيف - يعني الحجاج - قال: ثم مَن قال: أميرُ المؤمنين. وقال مُعاوية لما خَطب الناسُ عنده فأَكثروا:
والله لأرْمينكم بالخَطيب المِصْقع قُمْ يا زِياد. وقال محمدٌ كاتب المَهديّ - وكان شاعراً راوية وطالباً للنحو عَلَّامة - قال: سمعتُ أبا دُواد يقول: وجَرى شيء من ذِكر الخًطب وتَحْبير الكلام فقال: تَلْخيص المَعاني رِفْق والاستعانة بالغَريب عَجْز والتّشادق في غَيْر أهل البادية نَقْص والنَّظر
في عُيون الناس عِيّ ومَسْح اللِّحية هُلْك والخُروج عَمّا بُني عليه الكلامُ إسهاب. قال: وسمعتُه يقول: رأْسُ الخطابة الطبع وعَمودها الدُّرْبة وحَلْيها الإعراب وبَهاؤها تَخُيّر اللفظ والمحبّة مَقْرونة بقلّة الاستكراه. وأَنشدني بيتاً له في خُطباء إياد: يَرْمُون بالخُطَب الطِّوال وتارةً وَحْيَ المَلاَحظ خِيفةَ الرُّقباء أَنشدني
في عِيّ الخَطِيب واستعانته بمَسْح العثْنون وفَتْل الأصَابع: مَلِيءٌ ببُهْر والتفات وسُعْلة ومَسْحةِ عُثْنون وفَتْل الأصابع مَرّ بِشرْ بن المُعتمر بإبراهيم بن جِبلة بن مَخْرمة السَّكوني الخَطيب وهو يعَلِّم فِتْيانهم الخَطابة فوقف بِشرٌ يستمع فظنّ إبراهيم أنه إنما وَقف ليَسْتفيد أو يكون رجلاً من النظّارة.
فقال بشر: اضربوا عمّا قال صفْحاً واطووا عنه كَشْحاً ثم دفع إليهم صَحيفة من تَنْميقه وتَحْبيره فيها: خُذْ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك فإنّ قليل تلك الساعة أكرمُ جوهراً وأشرفُ حَسباً وأحسن في الأسماع وأَحْلى في الصُّدور وأسلم من فاحش الخَطأ وأجلبُ
لكُلّ عين وغُرّة من لفظ شريف ومَعنى بديع واعلم أنّ ذلك أَجدى عليك مما يُعطِيك يومُك الأطْول بالكدّ والمُطاولة والمُجاهدة بالتّكليف والمُعاودة ومهما أَخطأك لم يُخطئك أن يكون مقبولاً قصداً وخَفيفاً على اللسان سَهْلاً كما خَرج من يَنبوعه ونَجم من مَعدنه وإياك والتوعّرَ فإن التوعّر
يُسلمك إلى التَّعقيد والتّعقيد هو الذي يَسْتهلك مَعانيك ويَشين ألفاظَك. ومَن أراد معنًى كريماً فَلْيَلْتمس له لفظاً كريماً فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ومن حقهما أن تَصونهما عما يُفسدهما ويهجِّنهما وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالاًَ منك قبل أن تَلتمس إظهارهما
وتَرتهن نفسك بمُلابستهما وقضاء حقهما. وكن في ثلاث منازل: وإن أَوْلَى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عَذْباً وفخَماً سهلاً ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً إمّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت وإمّا عند العامة إن كنت للعامة أردت والمعنى ليس يشرف بأن يكون من
مَعاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بأن يكون من مَعاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المَنفعة مع مُوافقة الحال وما يَجب لكل مَقام من المقال وكذلك اللفظ العاميّ والخاصيّ فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولُطف مَداخلك واقتدارك على نفسك على
أن تُفْهم العامة معاني الخاصة وتَكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تَلطف عن الدهماء ولا تَجفو عن الأكفاء فأنت البليغُ التام. فقال له إبراهيم بن جبلة: جُعلت فداك أنا أحوجُ إلى تعلّمي هذا الكلام من هؤلاء الغِلْمة. خطبة رسول الله في حجة الوداع ﷺ في حجة
الوداع إن الحمد للهّ نَحمده ونَستغفره ونَتوب إليه ونعوذ بالله من شرُور أنفسنا ومن سَيئات أعمالنا مَن يَهْد الله فلا مُضِلِّ له ومَن يُضلل فلا هاديَ له وأَشهد أن لا إله الله وحدَه لا شريك له وأنّ محمداً عبدُه ورسولُه. أُوصيكم عبادَ اللهّ بَتْقوى الله
وٍ أَحثُّكم على طاعته وأَسْتَفْتح بالذي هو خير. أما بعد أيّها الناس اسمعوا منّي أبيّنَ لكم فإني لا أدري لعليّ لا أَلْقاكم بعد عامي هذا في مَوْقفي هذا. أيها الناس إن دماءكم وأموالَكم عليكم حَرام إلى أن تَلقوا ربَّكم كحُرمة يومكم هذا في شَهركم هذا
في بلدكم هذا. ألا هل بَلّغت اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فَلْيُؤَدها إلى الذي ائتمنه عليها وإن رِبَا الجاهلية مَوْضوع وإن أوّل ربا أبدأ به ربا عمّي العبّاس بن عبد المطلب وإن دماء الجاهليَّة مَوْضوعة وإن أول دَم أبدأ به دَم عامر بن رَبيعة
بن الحارث بن عبد المطلب وإنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسّقاية. والعَمْدُ قَوَد وشبْه العمد ما قُتل بالعصا والحجر ففيه مائة بعير فمَن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس إنّ الشيطان قد يَئسْ أن يُعبد في أرْضكم هذه ولكنه رضي أن يُطاع فيما
سوى ذلك مما تُحَقِّرون من أعمالكم. أيها الناس إنّما النّسيء زيادة في الكُفر يُضَل به الذين كَفروا يُحلّونه عاماً ويُحَرمونه عاماً ليُواطئوا عدّة ما حَرّم الله وإنالزمان قد استدار كهيئته يوم خَلق الله السموات والأرض وإن عدّةَ الشهور عند اللهّ اثنا عشر شهراً في كتاب
الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حُرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادي وشعبان ألَا هل بلّغت اللهم أشهد. أيها الناس إنّ لنسائكم عليكم حقَاً وإنّ لكم عليهن حقّاَ لكم عليهن أن لا يُوطِئن فَرْشَكم غيركم ولا
يُدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلاّ بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تَعْضُلوهن وتَهْجروهن في المَضاجع وتضربوهن ضرباً غير مُبرِّح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رِزقُهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عَوَار لا يملكن لأنفسهن شيئاً أخذتموهن بأَمانة الله واستحلَلتُم فُروجهن
بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً. أيها الناس إنما المؤمنون إخوة فلا يحل لامرئ مالُ أخيه إلاّ عن طِيب نفسه ألا هل بلّغت اللهم أشهد. فلا تَرْجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم أعناق بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم
تَضلّوا: كتابَ الله ألا هل بلَّغت اللهم أشهد. أيها الناس: إنّ ربكم واحد وإن أباكم واحد كلُكم لآدم وآدم من تراب أكرمُكم عند الله أتقاكم ليس لعربيّ على عجميّ فَضل إلّا بالتقوى ألا هل بلّغت قالوا: نعم قال: فَلْيبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس إن
الله قد قَسم لكل وارث نصيَبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية ولا تجوز وصية في أكثر من الثّلث والولدُ للفراش وللعاهر الحَجر من ادَعى إلى غير أبيه أو تولّى غَير مواليه فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عدلاً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وخطب أبو بكر يوم السقيفة أراد عُمر الكلام فقال له أبو بكر على رِسْلك ثم حَمد الله وأَثنى عليه ثم قال أيها الناس نحن المُهاجرون أوّلُ الناس إسلاماً وأكرمهم أحساباً وأوسطّهم داراً وأحسنُهم وجوهاً وأكثر الناس وِلادةً في العرب وأمسّهم
رَحِماً برسول الله ﷺ أسلمنا قبلكم وقُدِّمنا في القرآن عليكم فقال تبارك وتعالى: والسّابِقون الأوّلون من المُهاجِرين والأنصار والذينَ أتبعوهم بإحْسان. فنحنُ المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدًين وشركاؤنا في الفَيْء وأنصارُنا على العدوّ آويتم وآسيتم فجزاكم اللهّ خيراً فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تَدِين
العرب إلّا لهذا الحيّ من قُرَيش فلا تنْفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم اللهّ من فضله. حمد الله وأَثنى عليه قال: أيها الناس إني قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم فإن رأيتُموني على حق فأَعينوني وإن رأيتُموني على باطل فسدِّدوني. أَطيعوني ما أطعتُ الله فيكم فإذا
عصيتُه لا طاعة لي عليكم. ألاَ إن أقواكم عندي الضَّعيفُ حتى آخذَ الحقَّ له وأَضعفَكم عندي القوي حتى آخذَ الحق منه. أقول قولي هذا وأَستغفر الله لي ولكم. وخطب أخرى فلمّا حمد الله بما هو أهله وصلّى على نبيه عليه الصلاةُ والسلام قال: إنّ أشقَى



