ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 50 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 50 من 811,748 كلمة في هذا الجزء

نسب عثمان وصفته

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أمه أروى بنت كُريز بن رَبيعة بن حَبيب بن عبد شمس. وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عم النبيّ ﷺ . وكان عثمان أبيضَ مُشرباً صُفرة كأنها فضة وذهب

حَسنَ القامة حَسن الساعدين سَبط الشعر أصلع الرأس أجمل الناس إذا اعتمَّ مُشرف الأنف عَظيم الأرْنبة كثير شَعر السّاقين والذّراعين ضَخْم الكَراديس بعيدَ ما بين المَنْكبين. ولما أسنَ شدّ أسنانه بالذَهب وسَلِس بَوْلُه فكان يتوضَّأ لكل - صلاة وَلِي الخلافةَ مُنْسلخَ ذي الحِجّة سنة ثلاث

وعشرين وقُتل يوم الجمعة صَبيح عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين. وفي ذلك يقول حسان: ضَحوا بأشمطَ عُنوان السُّجود به يُقطِّع الليلَ تسبيحاً وقُرآنا لنسمعنّ وشيكاً في دِيارهمُ الله أكبرُ يا ثاراتِ عُثمانا فكانت ولايتُه اثنتي عشرةَ سنة وستةَ عشر يوما. وهو ابن أربع وثمانين سنة.

وكان على شرُطته - وهو أوّل من - اتخذ صاحبَ شرطة - عبيدُ الله ابن قُنفذ. وعلى بيت المال عبدُ الله بن أرقم ثم استعفاه. وكاتبه: مروان. وحاجبه: حُمران مولاه. سالمُ بن عبد الله بن عُمر قال: أصاب الناسَ مجاعة في غَزوة تبوك فاشترى عثمان

طعاماً على ما يُصلح العسكر وجَهز به عِيراً. فنظر النبي ﷺ إلى سواد مُقبل فقال: هذا جمل أشقر قد - جاءكم بميرة. فأنيخت الركائب فرَفع رسولُ الله ﷺ يديه إلى السماء وقال: اللهم إني قد رضيتُ عن عثمان فارضَ عنه. وكان عثمان حليما سخيًا مُحببا

إلى قريش حتى كان يقال: " أحبك والرحمن حب قُريش عثمان ". وزوجه النبي ﷺ رُقية ابنته فاتت عنده فزوّجه أم كلثوم ابنته أيضاً. الزهري عن سعيد بنُ المُسيب قال: لما ماتت رُقية جَزع عثمانُ عليها وقال: يا رسول الله انقطع صِهْري منك. قال: إن

صهرك مني لا ينقطع وقْد أمرني جبريلُ أن أزوجك أختَها بأمر الله. عبد الله بن عباس قال: سمعتُ عثمان بن عفان يقول: دخل عليّ رسولُ الله ﷺ في هذا البيت فراني ضجيعا لأم كلثوم فاستعبر فقلت: والذي بَعَثك بالحق ما اضطجعتْ عليه أنثى بعدها. فقال:

ليس لهذا استعبرتُ فإن الثياب للحيّ وللميت الحَجر ولو كُن يا عثمان عشراً لزوجتُكهن واحدةً بعد واحدة. وعرض عمرُ بن الخطاب ابنته حَفصة على عُثمان فأبى منها فشكاه عمرُ إلى النبي ﷺ فقال: سيزوج الله ابنتك خيراً من عثمان ويزوج عثمان خيراً من ابنتك. فتزوج

رسولُ الله ﷺ حَفصة وزوج ابنته من عثمان بن عفان. " ومن حديث الشَّعبي أن النبي عليه إسلام دخل عليه عثمان فسوّى ثوبه عليه وقال: كيف لا أستحي ممن تَستحي منه الملائكة!

مقتل عثمان بن عفان

الرياشي عن الأصمعي قال: كان القواد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أرِبعة: عبدُ الرحمن بن عُديس التَنوخيّ وحَكيم بن جَبلة العَبْديّ والأشتر النَخَعي وعبدُ الله بن فُديك الخُزاعي. فقدمُوا المدينةَ فحاصروه وحاصره معهم قومٌ من المهاجرين والأنصار حتى دخلوا عليه فقتلوه والمصحف بين

يديه. ثم تقدّموا إليه وهو يقرأ يومَ الجمعة صَبيحة النَّحر وأرادوا أن يقطعوا رأسه ويَذهبواِ به فرمَت نفسها عليه امرأتُه نائلةُ بنت الفُرافصة وابنة شَيبة بن ربيعة فتركوه وخرجوا. فلما كان ليلةَ السبت انْتَدب لدفنه رجال منهم: خبير ابن مُطعم وحَكيم بن حِزام وأبو الجَهم

بن حُذيفة وعبدُ الله بن الزُبير فوضعوه على باب صَغير وخرجوا به إلى البَقيع ومعهم نائلةُ بنتُ الفُرافصة بيدها السَراج. فلما بلغوا به البَقيع مَنعهم من دَفْنه فيه رجالٌ من بني ساعدة فردّوه إلى حُش كَوكب فدفنوه فيه وصلّى عليه خبير بن مُطعِم ويقال: حَكيم

بن حِزام. ودَخلت القبرَ نائلةُ بنت الفُرافصة وأمُ البنين بنت عُيينة زوجتاه وهما دلّتاه في القبر. والحُش: البستان. وكان حُشَّ كوكب اشتراه عثمان فجعله أولادُه مقبرة للمُسلمين. يعقوب بن عبد الرحمن: عن محمد بن عِيسى الدِّمشقي عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذِئب عن

محمد بن شهاب الزُّهري قال: قلتُ لسعيد بن المُسيّب: هل أنت مُخبري كيف قتل عثمان وما كان شأن الناسِ وشأنه ولم خَذله أصحاب محمد ﷺ فقال: قُتل عثمان مَظلوماً ومَن قتله كان ظالماً ومَن خذله كان مَعذوراً. قلت: وكيف ذاك قال: إنّ عثمان لما وَلي

كَره ولايتَه نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لأنّ عثمان كان يُحب قومه فوَلي الناسَ اثنتي عشرة سنةً وكان كثيراً ما يُولّي بني أمية ممن لم يكن له من لرسول الله ﷺ صُحبة وكان يَجيء من أمرائِه ما يُنكره أصحابُ محمد فكان يُستعتب فيهم فلا

يَعزلهم. فلما كان في الحِجج الآخرة استأثر ببني عمه فولّاهم وأمرهم بتقوى الله فخرجوا. وولّى عبدَ الله بن أبي صح مصرَ فمكث عليها سِنين فجاء أهلُ مصر يشكونه ويتظلّمون منه. ومن قبل ذلك كانت من عثمان هَناةٌ إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذَرّ وعمّار

بن ياسر. فكانت هُذيل وبنو زُهرة في قلوبهم ما فيها لابن مَسعود. وكانت بنو غِفار وأحلافها ومن غَضب لأبي ذرّ في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخَزوم قد حَنِقت على عثمان بما نال عمّارَ بن ياسر. وجاء أهلُ مصر يشكون من ابن أبي سرَح فكتب

إليه عثمانُ كتاباً يتهدّده فأبى ابن أبي سرح أن يَقبل ما نهاه عثمانُ عنه وضَرب رجلاً ممن أتى عثمانَ فقتله. فخرج من أهل مصر سبعُمائة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجدَ وشكوا إلى أصحاب رسول الله ﷺ في مواقيت الصلاة ما صَنع ابن أبي سَرْح. فقام

طلحةُ بن عُبيد الله فكلَّم عثمانَ بكلام شديد. وأرسلت إليه عائشةُ: قد تقدَّم إليك أصحابُ رسول اللهّ ﷺ وسألوك عَزل هذا الرجل فأبيتَ أن تعزلَه فهذا قد قَتل منهم رجلاً فأنْصِفهم من عاملك. ودخل عليه عليٌّ وكان متكلّمَ القوم فقال: إنما سألوك رجلاً مكَان رجل

وقد ادعوا قِبله دماً فاعزله عنهم واقض بينهم وإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلاً أولِّه عليكم مكانَه. فأشار الناسُ عليهم بمحمد ابن أبي بكر. فقالوا: استعمل علينا محمدَ بن أبي بكر. فكَتب عهدَه وولاّهَ وأخرج معهم عِدَّة من المُهاجرين والأنصار يَنظرون

فيما بين أهل مِصر وابن أبي سَرْح. فخرج محمد ومَن معه فلما كان على مَسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغُلام أسود على بعير يَخبط الأرض خَبْطا كأنه رجل يَطلب أو يُطلب. فقال له أصحابُ محمد: ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب.

فقال: أنا غلامُ أمير المؤمنين وجّهني إلى عامل مصر. فقالوا: هذا عامل مصر معنا. قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمدُ بن أبي بكر فبعث في طلبه فأتي به فقال له: غلامُ من أنت قال: فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين ومرة: غلامُ مَروان حتى

عَرفه رجل منهم أنَّه لعثمان. فقال له محمد: إلى من أرسلت قال: إلى عامل مصر. قال: بماذا قال: برسالة. قال: معك كتاب قال: لا. ففتّشوه فلم يُوجد معه شيء إلا إداوة قد يَبِست فيها شيء يَتقلقل فحركوه ليخرج فلم يَخْرج فشقُوا الإداوة فإِذا فيها كتاب

من عثمان إلى ابن أبي سرَح. فجمع محمدٌ مَن كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثم فُكّ الكتاب بِمَحضر منهم فإذا فيه: إذا جاءك محمد وفلان وفلان فاحتل لقَتْلهم وأبْطل كتابَهم وقَرَّ على عملك حتى يأتيَك رأي واحتبس مَن جاء يتظلّم منك ليأتيك في ذلك

رأي إن شاء الله. فلما قرأوا الكتاب فَزعوا وعَزموا على الرُّجوع إلى المدينة وخَتم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه ودَفعوا الكتاب إلى رجل منهم وقَدِموا المدينة فجمعوا عليًّا وطلحةَ والزُّبير وسعداً ومَن كان من أصحاب رسول الله ﷺ ثمّ فكّوا الكتاب بمَحضر منهم

وأخبروهم بقصّة الغلام وأقرأوهم الكتابَ فلم يبق أحدٌ في المدينة إلا حَنِق على عثمان وازداد مَن كان منهم غاضباً لابن مسعود وأبي ذر وعمّار بن ياسر غَضباً وحَنقا وقام أصحابُ النبي ﷺ فلحقوا منازلَهم ما منهم أحد إلا وهو مُغتم بما قرأوا في الكتاب. وحاصرَ

الناسُ عثمان وأجلب عليه محمدُ بن أبي بكر بنِي تَيم وغيرهم وأعانه طلحةُ بن عبيد اللهّ على ذلك. وكانت عائشة تُقرّضه كثيراً. فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحةَ والزُبير وسَعد وعَمَّار ونفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ كلّهم بَدْري ثم دخل على عثمان ومعه

الكتابُ والغلام والبعير وقال له علي: هذا الغلام غلامك قال: نعم. والبعيرُ بعيرك قال: نعم. والخاتَم خاتمك قال: نعم. قال: فأنت كتبتَ الكِتاب قال: لا وحَلف بالله: ما كتبتُ الكتاب ولا أمرتُ به ولا وجّهت الغلامَ إلى مصر قط. وأما الخط فعرفوا أنه خط مَرْوان

وشكّوا في أمر عثمان وسألوه أن يَدفع إليهم مَروان فأبى. وكان مَروان عنده في الدار. فخرج أصحابُ محمد من عنده غِضاباً وشكّوا في أمر عثمان وعَلِموا أنه لا يَحْلف باطلاً إلا أن قوماً قالوا: لا نُبرىء عثمان إلا أن يدفع إلينا مَروان حتى نَمتَحنه ونَعْرف

أمرَ هذا الكتاب وكيف يأمر بقَتل رجال من أصحاب محمد ﷺ بغير حق! فإن يك عثمانُ كَتبه عَزلناه وإن يك مروان كَتبه على لسانه نَظرنا في أمره ولزموا بيوتَهم. وأبى عثمانُ أن يُخرج إليهم مروانَ وخَشي عليه القتل. وحاصرَ الناسُ عثمانَ ومَنعوه الماء فأشرف عليهم

فقال: أفيكم عليّ قالوا: لا. قال: أفيكم سَعد قالوا: لا. فسكت ثم قال: ألا أحدٌ يبلغ عليّا فَيسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث إليه ثلاث قِرَب مملوءة ماء فما كادت تصلُ إليه وجُرح بسببها عِدَّة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل إليه الماء.

فبلغ عليًّا أن عثمان يراد قَتله فقال: إنما أردنا منه مَروان فأما قَتلِ عثمان فلا. وقالت للحسن والحُسين: اذهبا بسَيْفيكما حتى تَقوماً على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه بمكروه. وبعث الزُّبيرُ ولدَه وبعث طَلحة ولدَه على كُره منه وبعث عِدّة من أصحاب رسول