ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 27 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 27 من 811,739 كلمة في هذا الجزء

7

فضائل الكتابة

قالت أبو عثمان الجاحظ: ما رأيتُ قوماً أنفذ طريقةً في الأدب من هؤلاء الكتّاب فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعِّراً وَحشيّا ولا ساقطاً سُوقيا. وقال بعضُ المهالبة لبنيه: تزيّوا بزِيّ الكُتّاب فإنهم جَمعوا أدب الملوك وتواضُع السوقة. وعَتب أبو جعفر المنصور على قوم

من الكُتاب فأمر بحَبْسهم فرفعوا إليه رُقعة ليس فيها إلا هذا البيت: ونحنُ الكاتبون وقد أسأنا فَهَبْنا للكرام الكاتِبينَا فعفا عنهم وأمر بتَخْلية سبيلهم. وقال المؤيد: كُتّاب المُلوك عُيونهم الناظرة وآذانهم الواعية وألسنتُهم الناطقة. والكتابةُ أشرفُ مراتب الدُّنيا بعد المحلافة وهي صناعةٌ جليلة تَحتاج إلى

آلات كثيرة. وقال سهلُ بن هَارون: الكتابة أولُ زِينة الدُنيا التي إليها يتناهَى الفضلُ وعندها تَقِف الرَّغبة.

ما يجوز في الكتابة وما لا يجوز فيها

قال إبراهيم بن محمد الشَيباني: إذا احتجت إلى مُخاطبة المُلوك والوُزراء والعُلماء والكُتّاب والخُطباء والأدباء والشُّعراء وأوساط الناس وسُوقتهم فخاطبْ كُلاً على قَدْر أبهته وجلالته وعُلوَه وارتفاعه وفِطْنته وانتباهه. واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام منها: الطبقات العَلِية أربع والطبقات الآخرً وهي دونها أربع لكل

طبقة منها درجة ولكلّ قَسْمها لا ينبغي للكاتب البليغ أن يقصّر بأهلها عنها ويَقْلب معناها إلى غيرها. فالحدّ الأوّل: الطبقات العُليا وغايتها القُصوى الخِلافة التي أجل الله قدرَها وأعلَى شأنها عن مُساواتها بأحد من أبناء الدُّنيا في التعظيم والتوقير والطبقة الثانية لوزرائها وكتّابها الذين يُخاطبون

الخلفاء بعقُولهم وألسنتهم ويَرْتِقُون الفُتوق بآرائهم والطبقة الثالثة أمراء ثُغورهم وقُوّاد جُنودهم فإنه تجب مُخاطبة كل أحد مِنهم على قدره ومَوْضِعه وحظّه وغَنائه وإجزائه واضطلاعه بما حَمل من أعباء أمورهم وجلائل أعمالهم والرابعة القضاة فإنهم وإن كان لهم تواضع العُلماء وحِلْية الفضلاء فمعهم أبهة السَّلطنة

وهَيْبة الأمراء. وأما الطبقات الأربع الآخرً فهم: الملوك الذين أوجبت نعمُهم تعظيمَهم في الكَتْب إليهم وأفضالُهم تَفضيلَهم فيها والثانية وزراؤهم وكتَّابهم وأتباعهم الذين بهم تُقرع أبوابهم وبعناياتهم تُستماح أموالهم والثالثة هم العلماء الذين يجب توقيرهم في الكَتب بشرف العِلم وعلوّ درجة أهله والطبقة الرابعة لأهل

القدر والجلالة والحلاوة والطلاوة والظرف والأدب فإنهم يضطرونك بحدّة أذهانهم وشدّة تمييزهم وانتقادهم وأدبهم وتصفّحهم إلى الاستقصاء على نفسك في مُكاتبتهم. واستغنينا عن الترتيب للسّوقة والعوامّ والتجّار باستغنائهم بمهناتهم عن هذه الآلات واشتغالهم بمهماتهم عن هذه الأدوات. ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب

عليك أن ترعاها في مراسلتك إياهم في كتبك فتزن كلامك في مُخاطبتهم بميزانه وتعطيه قَسمه وتُوفّيه نصيبه فإنك متىِ أهملت ذلك وأضعتَه لم آمن عليك أن تَعدل بهم عن طريقهم وتسلك بهم غير َمسلكهم ويَجرىَ شُعاع بلاغتك في غير مجراه وتَنْظَمِ جوهر كلامك في غير

سِلكه. فلا تعتدّ بالمعنى الجَزْل ما لم تُلْبسه لفظاً لاثقاً لمن كاتبته ومُلتئماً بمن راسلته فإنّ إلباسَك المَعنى وإن صَحّ وشَرُف لفظاً مُتخلّفاً عن قَدْر المكتوب إليه لم تَجْر به عاداتهم تهجينٌ للمعنى وإحلال بقَدْره وظُلم بحق المَكتوب إليه ونَقْص مما يجب له كما أن

في إتباع تعارفهم وما انتشرت به عادتهم وجَرت به سُنتهم قطعاً لعُذرهم وخُروجاً من حقوقهم وبُلوغاً إلى غاية مُرادهم وإسقاطاً لحُجة أدبهم. فمن الألفاظ المَرغوب عنها والصُّدور المستوحش منها في كتب السادات والمُلوك والأمراء على اْتفاق المعاني مثل: أبقاك الله طويلًا وعَمَّرك مَلِيّا. وإن كنّا

نعلم أنه لا فرق بين قولهم: أطال الله بقاك وبين قولهم: أبقاك الله طويلًا. ولكنهم جعلوا هذا أرجَح وَزْناً وأنبه قدراً في المُخاطبة. كما أنّهم جعلوا: أكرمك الله وأبقاك أحسن منزلاً في كُتب الفُضلاء والأدباء من: جُعلت فداك على اشتراك معناه واحتمال أن يكون فداءَه

من الخير كما يحتمل أن يكون فداءَه من الشر ولولا أنّ رسول الله ﷺ قال لسعد بنٍ أبي وقّاص: ارْم فداك أبي وأمي، لكرِهنا أن يَكْتب بها أحد. على أن كُتّاب العَسكر وعوامّهم قد وَلعوَا بهذه اللَفظة حتى استعملوها في جميع مُحاوراتهم وعلوها هِجِّيراهم في

مخاطبة الشريف والوَضيع والكبير والصغير. وذلك قال محمود الورَّاق: كُلّ مَنْ حَلّ سُرّ مَنْ نرى مِن الناس ومَن قد يُداخل الأملاكا لو رأى الكَلْب ماثلاً بطريق قال للكَلْب يا جُعِلت فِدَاكا وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل أبقاك الله وأمتع بك إلا في الابن والخادم

المنقطع إليك وأما في كتب الإخوان فغير جائز بل مَذموم مَرغوب عنه. ولذلك كتب عبدُ الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات: أحُلْتَ عما عَهدْتُ من أدبكْ أم نِلْتَ مُلْكاً فتِهْتَ في كُتبكْ أم قد تَرى أنًّ في مُلاطفة الْ إخوان نَقْصاً عليك

في أدبك أكان حقّا كتابُ ذي مِقَة يكون في صَدْره: وأمْتَع بك أتعبت كفَّيك في مُكاتبتي حسبُك ما قد لقيتَ في تَعبك فكتب إليه محمد بن عبد الملك الزيات: أنكرتَ شيئاً فلستُ فاعلَه ولن تُراه يُخَطِّ في كتبك إنْ يك جهلٌ أتاك مِن قِبلي فعُد

ْبفَضْلٍ عَليّ من حَسبك فاعفُ فدَتْك النُّفوس عن رجلٍ يَعيش حتى المماتِ في أدبك ولكلّ مَكْتوب إليه قدرٌ ووَزنْ يَنبغي للكاتب ألاّ يَتجاوز به عنه ولا يُقصّر به دونه. وقد رأيتهم عابُوا الأحوص حين خاطب المُلوك خطاب العوامّ في قوله: وأراك تَفعل ما تقُول وبعضًهم

مَذِق الحديث يقول ما لا يَفْعلُ وهذا معنى صحيح في المدح ولكنهم أجلّوا قدر الملوك أن يُمدحوا بما تُمدح به العوامّ لأن صِدْق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان من المدح فهو واجب على العامّة والمُلوكُ لا يُمدحون بالفرائض الواجبة إنما يَحسن مدحُهم بالنّوافل لأنّ المادح

لو قال لبعض المُلوك: إنك لا تَزْني بحليلة جارك وإنك لا تخون ما استودعْت وإنك لتصدًق في وَعدك وتَفي بعهدك فكأنه قد أثنى بما يجب ولو قَصد بثنائه إلى مَقصده كان أشبهَ في الملوك. ونحن نعلم أنَّ كل أمير يتولَّى من أمر المؤمنين شيئاً فهو

أميرُ المؤمنين غير أنهم لم يُطلقوا هذه اللفظة إلا على الخُلفاء خاصة. ونحنِ نعلم أن الكَيّس هو العاقل لكن لو وصفتَ رجلاً فقلت: إنه لعاقل كنت مدحته عند الناس وإن قلت: إنه لكيّس كنت قد قَصَّرْت به عن وَصْفه وصَغَّرت من قدره إلا عند أهل

العلم باللغة لأنَّ العامَّة لا تلتفت إلى معنى الكلمة ولكن إلى ما جرت به العادة من استعمالها في الظاهر إذ كان استعمال العامَّة لهذه الكلمة مع الحَداثة والغِرّة وخَساسة القدر وصِغَر السن. وقد روينا عن عليّ كرم الله وجهه أنه تسمّى بالكيّس حين بَنى سِجن

الكوفة فقال في ذلك: أما تُراني كَيِّساً مُكَيسَا بنيتُ بعد نافع مُخَيَّسَا حِصْناً حصيناً وأميناً كيسا وقال الشاعر: ما يَصْنع الأحمقُ المرْزوق بالكَيْس وكذلك نعلم أن الصلاة رحمة غير أنهم كرهوا الصلاة إلا على الأنبياء كذلك روينا عن ابن عباس. وسمع سعدُ بن أبي وقّاص

ابن أخ له يلبّي ويقول في تَلْبيته: لَبَّيك يا ذا المعارج فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج ولكن ليس كذا كنَّا نلبّي على عهد رسول الله ﷺ إنما كنِّا نقول: لبَّيك اللهم لبيك. وكان أبو إبراهيم المُزني يقول في بعض ما خاطب به داود ابن

خَلَف الأصبهاني: فإِن قال كذا فقد خرج عن الملّة والحمد لله. فنقض ذلك عليه داودُ وقال فيما ردّ عليه: تَحمد الله على أن تُخرج امرأ مُسلماً من الإسلام وهذا موضع استرجاع فامتثِل هذه المذاهب واجر على هذه القواعد وتحفّظ في صُدور كُتبك وفًصولها وخواتمها وضَع

كل معنى في موضع يليق به وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها وليكن ما تختم به فُصولك في موضع ذكر البَلْوى بمثل: نسأل الله دَفْعَ المَحْذور وصَرف المكروه وأشباه هذا وفي موضعِ ذكر المُصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون وفي موضع ذكر النِّعمة: الحمد لله خالصاَ

والشكر لله واجباً. فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقَدها ويتحفظ فيها فإن الكاتب إنما يصير كاتباً بأن يَضع كل معنى في موضعه ويعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى. واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمالُ ما أتت به أيُ القرآن من الاقتصار

والحذف ومخاطبة الخاصّ بالعام والعام بالخاصّ لأنَّ الله جل ثناؤه خاطَب بالقرآن قوماً فُصحاء فَهِموا عنه جلّ ثناؤه أمرَه ونَهيه ومُراده والرسائل إنما يُخاطب بها أقوامٌ دخلاء على اللغة لا علم لهم بلسان العرب. وكذلك ينبغي للكاتب أن يَجتنب اللفظ المشترك والمعنى المًلْتبس فإنه إذن

ذهب يُكاتب على مثل معنى قول الله تعالى: " واسأل القَرْية التي كُنّا فيها والعِيَر التي أقبلنا فيها " وكقوله تعالى: " بل مكر الليل والنهار " أحتاج الكاتب أن يُبين معناه: بل مكرهم بالليل والنهار ومثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره. وكذلك لا

يجوز أيضاًً في الرسائل والبلاغات المشهورة ما يجوز في الأشعار المَوزونة لأنّ الشاعر مُضطر والشِّعرَ مَقْصور مقيَّد بالوزن والقوافي فلذلك أجازوا لهم صَرْفَ ما لا ينصرف من الأسماء وحذفَ ما لا يُحذف منها واغتفروا فيه سوء النظم وأجازوا فيه التَّقديم والتأخير والإضمار في موضع الإظهار

وذلك كله غير مُستساغ في الرسائل ولا جائز في البلاغات. فمما أجيز في الشعر من الحذف مثل قول الشاعر: قواطناً مَكةَ من وُرْق الحَمَى يعني الحمام وقول الآخر: صِفر الوشاحين صَموت الخَلْخل يريد: الخلخال وكقول الآخر: دار لسَلْمَى إذ مِن هَواكا يريد: إذ هي وكقول