ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 74 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 74 من 811,780 كلمة في هذا الجزء

19

وقال زُفر بن الحارث لعبد الملك بن مَروان: الحمد لله الذي نَصرك على كُره من المؤمنين. فقال أبو زعيزعة: ما كره ذلك إلا كافر. فقال زُفَر: كذبت قال الله لنبيّه: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ". وبعث عبد

الملك بن مروان إلى المدينة حبيش بن دلجة القيسي في سبعة آلاف. فدخل المدينةَ وجلس على منبر رسول الله ﷺ فدعا بخبز ولحم فأكل ثم دعا بماء فتوضأ على المنبر ثم دعا جابر بن عبد الله صاحبَ النبي ﷺ فقال: تُبايع لعبد الملك بن مروان

أمير المؤمنين بعَهد الله عليك وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خَلقه في الوفاء فإن خُنتنا فَهَراق الله دَمك على ضلال. قال: أنت أطوقُ لذلك مني ولكن أبايعه على ما بايعتُ عليه رسولَ الله ﷺ يوم الحُديبية على السمع والطاعة. ثم خرج ابنُ

دُلْجة من يومه ذلك إلى الربذة وقدم على أثره من الشام رجلاًن مع كل واحد منهما جَيش ثم اجتمعوا جميعاَ في الربذة وذلك في رمضان سنة خمس وستين. وأميرُهم ابن دلجة. وكتب ابنُ الزبير إلى العبّاس بن سَهل الساعديّ بالمدينة أن يَسير إلى حُبيش بن

دُلجة. فسار حتى لَقِيه بالربذة. وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو عامل ابن الزبير على البصرة - مدداً إلى العباس بن سهل حُنيفَ بن السِّجف في تسعمائة من أهل البصرة. فساروا حتى انتهوا إلى الربذة. فبات أهلُ البصرة وأهل المدينة يقرأون

القرآن ويُصلون. وبات أهل الشام في المَعازف والخمور فلما أصبحوا غَدوا على القِتال فقُتل حُبيش بن دُلجة ومن معه. فتحصّن منهم خمسمائة رجل من أهل الشام على عمود الربذة وهو الجبل الذي عليها وفيهم يوسف أبو الحجَّاج فأحاط بهم عباس بن سهل فطلبوا الأمان فقال:

انزلوا على حُكمي فنزلوا عَلى حكمه فضرب أَعناقَهم أجمعين. ثم رجع عبّاس بن سهل إلى المدينة وبعث عبدُ الله بن الزُّبير ابنَه حمزة عاملاً عَلَى البصرة فاستضعفه القومُ فبعث أخاه مُصعب بن الزُّبير فقدم عليهم فقال: يا أهل البصرة بلغني أنه لا يَقْدَم عليكم أمير

إلا لَقّبتموه إني ألقَب لكم نفسي: أنا القصَّاب. خبر المختار بن أبي عبيد ثم أرسل عبدُ الله بن الزبير إبراهيمَ بن محمد بن طلحة أميراً عَلَى الكوفة ثم عزله وأرسل المختار بن أبي عُبيد. وأرسل عبدَ الملك عبيدَ الله بن زياد إلى الكوفة. فبلغ المختارَ

إقبالُ عبيد الله بن زياد فوجّه إليهم إبراهيم بن الأشتر في جيش فالتقوا بالجازِر وقَتل عبيدَ الله بن زياد وحُصين بن نمير وذا الكَلاع وعامة من كان معهم. وبعث برؤوسهم إلى عبد الله بن الزبير. أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدٌثنا شرَيك بن عبد

الله عن أبي الجُويرية الجَرْمي قال: كنتُ فيمن سار إلى أهل الشام يوم الجازِر مع إبراهيم بن الأشتر فلقيناهم بالزَّاب فهبت الريحُ لنا عليهم فأدبروا فقتلناهم عَشِيّتنا وليلتنا حتى أصبحوا: فقال إبراهيم: إني قتلت البارحة رجلاً فوجدتُ عليه ريح طِيب فالْتَمِسوه فما أراه إلا ابن

مَرْجانة. فانطلقنا فإذا هو والله مَعْكوس في بطن الوادي. ولما التقى عُبيد الله بن زياد وإبراهيم بن الأشتر بالزاب قال: مَن هذا الذي يُقاتلني قيل له: إبراهيم بن الأشتر. قال: لقد تركته أمس صبيّا يلعب بالحَمام. قال: ولما قُتل ابن زياد بَعث المختارُ برأسه إلى

عليّ بن الحسين بالمدينة. قال الرسول: فقدمتُ به عليه انتصافَ النهار وهو يتغدّى قال: فلما رآه قال: سبحان الله! ما اغتر بالدًّنيا إلا مَن ليس لله في عُنقه نِعْمة! لقد أدخل رأس أبي عبدِ الله على ابن زياد وهو يتغدّى. وقال يزيد بن مُفَرّغ: إنَّ

الذي عاش ختّاراً بذمَّته وماتَ عَبداً قتيلُ الله بالزَّابِ ثم إن المختار كتب كتاباً إلى ابن الزبير وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفَعتَ كتابي إلى ابن الزبير فأتِ المهديّ - يعني محمدَ بن الحفنية - فاقرأ عليه السلام وقل له: يقول لك أبو إسحاق: إني

أحبك وأحب أهل بيتك. قال: فأتاه فقال له ذلك. فقال: كذبتَ وكذب أبو إسحاق وكيف يُحبني ويُحب أهل بيتي وهو يُجلس عمر بن سعد عَلَى وسائده وقد قتل الحُسين! فلما قدم عليه رسولُه وأخبره. قال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يَبكين الحُسين

على باب عمر بن سَعد ففَعل. فلما بكيَن قال عمر لابنه حَفْص: يا بني ايت الأمير فقل له: ما بالً النوائح يبكين الحسين على بابي فأتاه فقال له ذلك. فقال: إنه أهلٌ أن يُبكى عليه. فقال: أصلحك اللهّ انههن عن ذلك. قال: نعم تم دعا

أبا عمرو صاحبَ حَرسه قال له: اذهب إلى عمر بن سعد فأتني برأسه. فأتاه فَقَام له: قم إليّ أبا حفص. فقام إليه وهو مُلتحف بملحفة فجلّله بالسيف فقتله وجاء برأسه إلى المختار. ثم قال: ائتوني بابن عمر. فلما حضره قال: أتعرف هذا قال: نعم رحمه

اللهّ. قال: أتحب أن نُلحقك به قال: لا خير في العَيش بعده. فأمر به فضُرب عنقه. ثم إن المختار لما قَتل ابنَ مَرْجانة وعمر بن سعد جعل يَتْبع قتلة الحسين بن علي ومن خَذله فقتلهم أجمعين وأمر الحُسينية وهم الشيعة أن يطوفوا في أزقَّة المدينة

بالليل ويقولوا: يا ثارات الحسين! فلما أفناهم ودانت له العراق ولم يكن صادق النيَّة ولا صحيحَ المذهب وإنما أراد أن يَستأصل الناس فلما أدرك بُغيته أظهر قُبح نيّته للناس فادّعى أنّ جبريل ينزل عليه ويَأتيه بالوحي من الله. وكتب إلى أهل البصرة: بلغني أنكم تُكَذبونني

وتكذبون رُسلي وقد كُذبت الأنبياء من قبلي ولست بخير من كثير منهم. فلما انتشر ذلك عنه كَتَب أهلُ الكوفة إلى ابن الزبير وهو بالبَصًرة فخرج إليه. وبَرز إليه المختار فأسلمه إبراهيمُ بن الأشتر ووُجوه أهل الكوفة فقتله مُصعب وقَتل أصحابَه. أبو بكر بنُ أبي شَيبة

قال: قيل لعبد الله بن عمر: إن المختار ليزعم أنه يوحَى إليه. قال: صَدق الشياطين يوحون إلى أوليائهم. وقَتل مصعبٌ من أصحاب المختار ثلاثةَ آلاف. ثم حج سنة إحدى وسبعين فقَدِم على أخيه عبد اللهّ بن الزبير ومعه وجوه أهل العراق فقال: يا أمير المؤمنين

قد جئتُك بوجوه أهل العراق ولم أدعْ لهم بها نظيراً فأعطهم من المال. قال جِئتني بعبيد أهل العراق لأعطيَهم من مال اللهّ وددتُ أنّ لي بكل عشرْة منهم رجلاً من أهل الشام صَرْفَ الدينار بالدرهم. فلما انصرف مُصعب ومعه الوفدُ من أهل العراق وقد حِرمهم

عبدُ الله بن الزبير ما عنده فسدت قلوبهم فراسلوا عبد الملك بن مروان حتى خرج إلى مصعب فقتله. فيُ بن عبد العزيز عن حجاج عن أبي معشر قال: لما بَعث مُصعبٌ برأس المختار إلى عبد الله بن الزُّبير فوُضع بين يديه قال: ما مِن شيء

حَدَثنيه كعبُ الأحبار إلا قد رأيتُه غيرَ هذا فإنه قال لي: يَقتلك شاب من ثقيف فأراني قد قتلتُه. وقال محمد بن سيرين لما بلغه هذا الحديث: لم يعلم ابنُ الزبير أنّ أبا محمد قد خُبىء له. ولما قتل مصعب المختارَ بن أبي عُبيد ودانت له

العراق كلها: الكوفة والبصرة قال فيه عبيدُ اللهّ بن قيس الرّقيات: كيف نَوْمي على الفِراش ولما تَشْمَل الشامَ غارةٌ شَعْوَاءُ تُذْهلُ الشيخَ عن بنيه وتُبْدِي عن خِدام العَقِيلةُ العَذْرَاء إنما مصعبٌ شهاب من الل ه تجلّت عن وَجْهه الظلْماء وتزوج مُصعب - لما ملك العراقَ

- عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحُسين ولم يكن لهما نظير في زمانهما. وقَتل مصعب امرأةَ المختار وهي ابنة النُّعمان بن بَشير الأنصاري فقال فيها عمرُ بن أبي ربيعة المَخزومي: إنَّ من أعظمِ المَصائب عندي قَتْل حَوْراءَ غادةٍ عَيْطَبول قُتلت باطلاً على غير ذَنْب إن

لله دَرَّها مَن قَتيل كُتب القَتل والقِتال عليناً وعلى الغَانيات جَرُ الذيول مقتل عمرو بن سعيد الأشدق أبو عُبيد عن حجّاج عن أبي مَعشرِ قال: لما قَدم مُصعب بوجوه أهل العراق على أخيه عبد اللهّ بن الزُبير فلم يُعطهم شيئاً أبغضوا ابنَ الزُّبير وكاتَبوا عبد

الملك بن مروان فخرج يُريد مصعبَ بن الزبير فلما لِم أخذ في جَهازه وأراد الخُروج أقبلت عاتكةُ بنت يزيد بن معاوية في جَواريها وقد تزينت بالحُلى فقالت: يا أمير المؤمنين لو قعدت في ظلال مُلكك ووجهت إليه كلْباً من كلابك لكَفاك أمرَه. فقال: هيهات! أما

سمعت قولَ الأول: قَوْمٌ إذا ما غَزَوْا شَدوا مآزرَهم دون النِّساء ولو باتت بأطْهارِ. فلما أبى عليها وعَزم بكت وبكى معها جواريها. فقال عبدُ الملك: قاتل الله ابنَ أبي جُمعة كأنه ينظر إلينا حيث يقول: نهته فلما لم تَر النّهي عاقَه بَكت فَبكى مما دهاها

قَطِينُها ثم خرج يُريد مصعب فلما كان من دِمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشقَ وخالف عليه فقيل له: ما تصنعِ أتريد العراق وتَدع دمشق أهلُ الشام أشدّ عليك من أهل العراق فرجع مكانه فحاصر أهلٍ دمشق حتى صالح عمرو بن سَعيد على

أنه الخليفةُ بعدَه وأن له مع كل عامل عاملا. ففَتح له دمشق وكان بيت المال بيد عمرو بن سَعيد فأرسل إليه عبدُ الملك: أن أخْرِج للحَرس أرزاقهم. فقال: إذا كان لك حَرس فإنِّ لنا حَرساً أيضاً. فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أيضاً أرزاقَهم. فلما كان

يوم من الأيام أرسل عبدُ الملك إلى عمرو بن سعيد نِصف النهارَ أن ائتني أبا أمية حتى أدبِّر معك أموراً. فقالت له امرأته: يا أبا أمية لا تذهب إليه فإنني أتخوّف عليك منه. فقال: أبو الذباب! والله لو كنت نائماً ما أيقظنِي. قالت: والله ما

آمنُه عليك وإني لأجد ريح دم مَسْفوح. فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجَّها. فخرج وخرج مه أربعة آلاف من أبطال أهل الشام الذين لا يُقدر على مثلهم مسلَحين فأحدقوا بخَضراء دِمشق وفيها عبدُ الملك فقالوا: يا أبا أُمية إن رابك رَيب فأَسمعنا صوتَك.

قال: فدخل فجعلوا يصيحون: أبا أمية! أسمعنا صوتك وكان معه غلام أسحم شُجاع فقال له: اذهب إلى الناس! فقل لهم: ليس عليه بأس. فقال له عبد الملك: أمكراً عند الموت أبا أمية! خُذوه فأخذوه. فقال له عبد الملك: إني أقسمتُ إن أمكنتني منك يدٌ أن