تستصغروا الذنوب والتمسوا تمحيص ما سَلف منها بالتوبة منها. إنَّ الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. وقال عز وجل: " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ". وقال
عمر لبني مَروان: أدُوا ما في أيديكم من حُقوق الناس ولا تُلْجِئوني إلى ما أكره فأحْمِلَكم على ما تكرهون. فلم يُجبه أحد منهم. فقال: أجيبوني. فقال رجل منهم: والله لا نُخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا فنُفقِرَ أبناءنا ونُكَفِّرَ آباءنا حتى تُزايلَ رؤوسنا
أجسادَنا. فقال عمر: أما واللهّ لولا أن تَستعينوا عليِّ بمن أطلب هذا الحق له لأضرعتُ خُدودكم عاجلاً ولكنني أخاف الفتنة ولئن أبقاني الله لأردّن إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله. وكان عمر إذا نظر إلى بعض بني أمية قال: إني أرى رقاباً ستُرد
إلى أربابها. ولما مات عمر بن عبد العزيز قَعد مسلمة على قبره فقال: أما والله ما أمِنْتُ الرِّق حتى رأيتُ هذا القبر. العُتبي قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز من دَفن سُليمان بن عبد الملك تَبعه الأمويون فما دَخلوا إلى منزله قال له الحاجب:
الأمويون بالباب. قال وما يريدون قال: ما عَوَّدتْهم الخلفاءُ قبلك. قال ابنُه عبدُ الملك وهو إذ ذاك ابنُ أربعَ عشرة سنة: ائذن لي في إبلاغهم عنك. قال: وما تُبلغهم قال: أقول: أبي يُقرئكم السلام ويقول لكم: إني أخافُ إن عصيت ربي عذابَ يوم عَظيم. زياد
عن مالك قال: قال عبدُ الملك بن عمرَ بن عبد العزيز لأبيه: يا أبتِ مالك لا تْنفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القُدور غَلت بي وبك في الحق. قال له عمر: لا تَعجل يا بنيّ فإن الله ذَم الخمر في القرآن مرتين وحَرَّمها في
الثالثة وأنا أخاف أن أحمل الحقّ على الناس جملةً فيدفعونه جُمْلة ويكونَ من ذلك فتنة. ولما نزل بعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز الموت قال له عمر: كيف تجدك يا بُني قال: أجدني في الموت فاحتسبني فثوابُ الله خيرٌ لك مني. فقال: يا بني
ولله لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكونَ في ميزانك. قال: أما والله لأن يكونَ ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب ثم مات. فلما فَرغٍ من دفنه وقف على قبره وقال: يَرحمك الله يا بني فلقد كنت سارَّا مولوداً وبارَّا
ناشئاً وما أحب أني دعوتُك فأجبتَني فرحم الله كل عبد من حُر أو عبد ذكر أو أنثى دعا له برحمة وكان الناس يترحّمون على عبد الملك ليدخلوا في دَعوة عمرِ - ثم انصرف. فدخل الناسُ يُعزّونه فقال: إن الذي نزل بعبد الملك أمر لم نزل
نعْرفه فلما وَقع لم نُنكره. وتُوفِّيت أختٌ لعمر بن عبد العزيز فلما فَرغ من دَفنها دنا إليه رجل فعزّاه فلم يردّ عليه ثم آخر فلم يردّ عليه. فلما رأى الناس ذلك أمسكوا ومشوا معه. فلما دخل الباب أقبل على الناس بوجهه فقال: أدركتُ الناسَ وهم
لا يُعزَّون في المرأة إلا أن تكون أمًّا. وفاة عمر بن عبد العزيز مَرض عمرُ بن عبد العزيز بأرض حِمْص ومات بدير سِمعان فيرى الناس أنّ يزيدَ بن عبد الملك سمّه دسّ إلى خادم كان يخدُمه فوضع السمّ على ظِفْر إبهامه فلما استسقى عمر غَمس
إبهامَه في الماء ثم سَقاه فمرض مرضَه الذي مات فيه. فدخل عليه مَسلمةُ بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المُؤمنين عنّا خيراً فلقد عطفتَ علينا قلوباً كانت عنّا نافرة: وجعلتَ لنا في الصالحين ذكراً. زياد عن مالك قال: دَخل مسلمةُ
بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المَرْضة التي مات فيها فقال له: يا أمير المؤمنين إنك فطمتَ أفواه ولدك عن هذا المال وتركتَهم عالة ولا بدّ لهم من شيء يُصلحهم فلو أوصيتَ بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتُك مؤونتهم
إن شاء الله. فقال عمر: أجلسوني فأَجلسوه فقال: الحمدُ لله أبالفَقْر تُخوفني يا مَسلمة أما ما ذكرت أني فطمتً أفواه ولدي عن هذا المال وتركتُهم عالة فإني لم أمنعهم حقًا هو لهم ولم أعطُهم حقّا هو لغيرهم وأما ما سألتَ من الوَصاة إليك أو إلى
نُظرائك من أهل بيتي فإن وصيّتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتابَ وهو يتولى الصالحين وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل اللهّ له من أمره يُسراً ورَزقه من حيثُ لا يحتسب ورجل غيّر وفَجر فلا يكون عُمَرُ أوّلَ من أعانه على ارتكابه
ادعوا إلى بَنيّ. فدَعوهم وهم يومئذ اثنا عشرَ غلاماً فجعل يُصَعّد بصره فيهم ويصوِّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع ثم قال: بنَفسي فِتْيةً تركتهم ولا مالَ لهم. يا بَنيّ إني قد تركتكم من اللهّ بخير إنكم لا تمرون على مُسلم ولا مُعاهد إلا ولكم عليه حقّ
واجب إن شاء اللهّ يا بَني: مَثَّلت رأي بين أن تَفتقروا في الدنيا وبين أن يَدخل أبوكم النار فكان أن تَفتقروا إلى آخر الأبد خيراً من دُخول أبيكم يوماً واحداً في النار قُوموا يا بني عصمكم اللهّ ورَزقكم. قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر
ولا افتقر. واشترى عمرُ بن عبد العزيز من صاحب دَيْر سمعان موضعَ قبْره بأربعين درهماً. ومرض تسعةَ أيام. ومات رضى الله عنه يومَ الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وصلى عليه يزيدُ بن عبد الملك. وقال جريرُ بن الحَطفى يرثى عمرَ بن عبد
العزيز: يَنْعَى النُّعاةُ أميرَ المؤمنين لنا يا خير مَن حَج بيت اللهّ واعتمرَا حُمَلت أمراً عظيماً فاصطبرتَ له وسرْت فينا بحكم الله يا عمرا فالشمسُ طالعة ليست بكاسفةٍ تَبكي عليك نجومَ الليل والقمرا وأنشد أبو عُبيد الأعرابيّ في عُمَر بن عبد العزيز. مُقابَل الأعواق في
الطِّيب الطابْ بين أبي العاص وآل الخَطَاب خلافة يزيد بن عبد الملك ثم ولي يزيدُ بن عبد الملك بِن مَروان بنِ الحَكم. وأمه عاتكةُ بنت يزيدَ ابن معاوية يومَ الجمعة لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة. ومات ببلاد البَلْقاء يومَ الجمعة لخمس بقين من
شعبان سنة خمس ومائة وهو ابنُ أربع وثلاثين سنة. صلّى عليه أخوه هشامُ بن عبد الملك. وكانت ولايتُه أربعَ سنين وشهراً. وفيه يقول جرير: سُرْبلتَ سِرْبالَ مُلكٍ غير مُغْتَصب قبلَ الثلاثين إنّ المُلك مُؤْتَشَبُ وكان على شرُطته كعب بن مالكَ العَبْسي. وعلى الحَرَس غيلانُ أبو
سعيد مولاه. وعلى خاتم الخلافة مطرٌ مولاه وكان فاسقاً. وعلى الخاتم الصغير بُكيّر أبو الحجَّاج. وعلى الرسائل والجند والخراج صالحُ بن جُبير الهَمداني ثم عَزله واستعمل أسامة بن زَيد مولى كَلب. وعلى الخَزائن وبُيوت الأموال هشام ابن مَصاد. وحاجبه خالدٌ مولاه. وكان يزيدُ بن عبد
الملك صاحبَ لَهو ولذّات وهو صاحبُ حَبَابة وسلاّمة. وفي ولايته خَرج يزيدُ بن المُهّلب. أسماء ولد يزيد الوليدُ ويحيى وعبد الله والغَمْر وعبدُ الجبّار وسُليمان وأبو سفيان وهاشم وداود ولا عقب ألا أبلغ معاوية بن حرب فقد ضاقت بما يأتي اليدان أتغضب أن يقال أبوك
عفٌ وترضى أن يقال أبوك زان وأشهد أن قربك من زياد كقرب الفيل من ولد الأتان وقال زياد: ما هجيت ببيت قط أشد علي من قول يزيد بن مفرغ الحميري: فكرا ففي ذاك إن فكرت معتبر هل نلت مكرمة إلا بتأمير عاشت سمية ما عاشت
وما علمت أن ابنها من قريش في الجماهير سبحان من ملك عباد بقدرته لا يدفع الناس محتوم المقادير وكان ولد سمية ثلاثا: زياداً وأبا بكرة ونافعا. فكان زياد ينسب في قريش وأبو بكرة في العرب ونافع في الموالي. فقال فيهم يزيد بن مفرغ: إن زياداً
ونافعاً وأبا بكرة عندي من أعجب العجب إن رجالاً ثلاثةً خلقوا من رحم أنثى محالفي النسب ذا قرشي فيما يقول وذا مولىً وهذا ابن عمه عربي فدع عنك الكتابة لست منها ولو غرقت ثوبك بالمداد وقال آخر في دعي: لعينٌ يورث الأبناء لعناً ويلطخ كل
ذي نسب صحيح ولما طالت خصومة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ونصر بن حجاج عند معاوية في عبد الله بن حجاج مولى خالد بن الوليد أمر معاوية حاجبه أن يؤخر أمرهما حتى يحتفل مجلسه. فجلس معاوية وقد تلفع بمطرف خزٍ أخضر وأمر بحجر فأدني
منه وألقى عليه طرف المطرف ثم أذن لهما وقد احتفل المجلس. فقال نصر بن حجاج: أخي وابن أبي عهد إلي أنه منه. وقال عبد الرحمن: مولاي وابن عبد أبي وأمته ولد على فراشه. قال معاوية: يا حرسي خذ هذا الحجر - وكشف عنه - فادفعه
إلى نصر بن حجاج. وقال: يا نصر هذا مالك في حكم رسول الله ﷺ . فإنه قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فقال نصر: أفلا أجريت هذا الحكم في زياد أمير المؤمنين قال: ذاك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله ﷺ وليس في الأرض أحمى من
الأدعياء لتستحق بذلك العروبية. قال الشاعر: دعي واحدٌ أجدى عليهم من آلفي عالم مثل ابن داب وقال الأصمعي: استمشى رجل من الأدعياء فدخل عليه رجل من أصحابه فوجد عنده شيحاً وقيصوماً فقال له: ما هذا فقال ورفع صوته: الطبيعة تتوق إليه. يريد أن طبيعته من
طباع العرب. فقال فيه الشاعر: يشم الشيح والقيصو م كي يستوجب النسبا وليس ضميره في الصد ر إلا التين والعنبا وعن إسماعيل بن أحمد قال: رأيت على أبي سعيد الشاعر المخزومي كردوانياً مصبوغاً بتوريد فقلت: أبا سعيد هذا خز قال: لا. ولكنه دعي على دعي.
وكان أبو سعيد دعياً في بني مخزوم. وفيه قال الشاعر: لم يته قط على النا س شريف يا أبا سعيد فته ما شئت إذ كن ت بلا أب ولا جد وإذ حظك في النس بة بين الحر والعبد وإذ قاذفك المفح ش في أمن من
الحد وعن أحمد بن عبد العزيز قال: نزلت في دار رجل من بني عبد القيس بالبحرين فقال لي: بلغني أنك خاطب قلت: نعم. قال: فأنا أزوجك. قلت له: إني مولى. قال: اسكت وأنا أفعل. أمن قلةً صرتم إلى أن قبلتم دعاوة زراع وآخر تاجر وأصهب
رومي وأسود فاحم وأبيض جعد من سراة الأحامر شكولهم شتى وكل نسيبكم لقد جئتم في الناس إحدى المناكر متى قال إني منكم فمصدق وإن كان زنجياً غليظ المشافر أكلهم وافى النساء جدوده وكلهم أوفى بصدق المعاذر وكلكم قد كان في أولية له نسبة معروفة في