ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 6 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 6 من 811,792 كلمة في هذا الجزء

سمواتِك وأكرمتهم بجوارك وائتمنتهبم على وَحْيك وَجنَبتهم الأفات ووَقَيتهم السيآت وطَهّرتهم من الذنوب فلولا تقويتك لم يَقْوَوِا ولولا تَثْبيتك لم يَثْبتوا ولولا رَهْبتك لم يطيعوا ولولاك لم يكونوا. أمّا إنهم على مكانتهم منك ومنزلتهم عندك وطُول طاعتهم إياك لو يُعاينون ما يَخفىِ عليهمٍ لاحتقروا أعمالهم

ولعلموا أنهم لم يَعْبدوك حقَّ عبادتك. فسُبحانك حالقاً ومعبوداً ومَحموداً بحُسن بلائك عند خَلقك! أنت خلقت ما دبَّرته مَطْعماً ومَشرباً ثم أرسلت داعياً إلينا فلا الدَّاعي أَجبنا ولا فيما رَغّبْتنا فيه رغِبنا ولا إلى ما شوَّقتنا إليه اشتقنا. أقبلنا كُلنا على جِيفة نأكل منها ولا

نَشبع وقد زاد بعضُنا على بعض حرصاً لما يرى بعضُنا من بعض فافتضحنا بأكلها واصطلحنا على حُبها فأعمت أبصارَ صُلاَّحنا وفُقهائنا فهم ينظرون بأعين غير صحيحة ويسمعون بآذان غير سَميعة فحيثما زالت زالوا معها وحيثما مالت أقبلوا إليها وقد عاينوا المأخوذين على الغِرّة كيف فجأتهم

الأمور ونزل بهم المحذور وجاءهم من فراق الأحبّة ما كانوا يتوقعون وقَدموا من الآخرًة إلى ما كانوا يُوعدون. فارقوا الدُّنيا وصاروا إلى القُبور وعَرفوا ما كانوا فيه من الغُرور فاجتمعت عليه حَسْرتان حَسْرة الفَوت وحَسْرة الموت فاغبرت لها وُجوههم وتَغيّرت بها ألوانهم وعَرِقت بها جباهُهم

وشَخَصت أبصارهم وبَردت أطرافُهم وحِيل بينهم وبين المنطق وإنّ أحدَهمِ لَبينْ أهله يَنْظر ببصره ويسمع بأُذنه. ثم زاد الموتُ في جسده حتى خالط بَصره فذهبت من الدنيا مَعرفته وهَلكت عند ذلك حُجته وعاين هولَ أمر كان مُغطَىً عليه فأحدّ لذلك بَصره. ثم زاد الموتُ في

جَسده حتىِ بلغت نَفسه الحُلقوم ثم خَرج روحه من جسده فصار جسداً مُلقى لا يُجيب داعياَ ولا يَسمع باكياً فنزعوا ثيابه وخاتَمه ثم وَضئوه وضوء الصلاة ثم غَسلوه وكَفنوه أدراجاً في أكفانه وحَنَطوه ثم حملوه إلى قبره فدلَوه في حُفرته وتركوه مُخلى بمقطعات من الأمور

وتحت مسألة مُنكر ونكير مع ظُلمة وضِيق ووَحشة قبر فذاك مَثواه حتى يَبْلى جسدُه ويَصيرَ تُراباً. حتى إذا بلغ الأمر إلى مِقداره وأُلحق آخرً الخَلق بأوله وجاءه أمرٌ من خالقه أراد به تجديد خَلقه فأمر بصوت من سمواته فمارت السمواتُ مَوْراً وفَرخ مَن فيها وبقي

ملائكتُها على أرجائها ثم وَصل الأمر إلى الأرضٍ - والخلق رُفات لا يَشْعرون - فأرج أرضَهم وأرجفها وزَلزلها وقَلع جبالَها ونَسفها وسيرها ورَكِبَ بعضُها بعضاً من هَيبته وجلاله وأخرج من فيها فجددهم بعد بلائهم وجَمعهم بعد تفرّقهم يُريد أن يُحصيهم ويُميزهم: فريقاً في ثوابه وفريقاً

في عِقابه فخَلَد الأمرُلأبده دائماً خيْرُه وشره ثم لم يَنْس الطاعة من المُطيعِين ولا المَعصية من العاصين فأراد عز وجل أن يجازي هؤلاء ويَنتقم من هؤلاء فأثَاب أهل الطاعة بجواره وحُلول داره وعَيْش رَغَد وخُلود أَبَد ومجاورة الرّب ومُوافقة محمد ﷺ حيث لا ظَعْن ولا

تَغيّر وحيث لا تُصيبهم الأحزان ولا تَعْتَرضهم الأخطار ولا تشخِصهم الأسفار. وأما أهل المعصية فخلَّدهم في النار وأَوْثق منهم الأقدام وغُلَت منهم الأيدي إلى الأعناق في لَهَب قد اشتد حرّه ونار مُطْبَقة على أهلها لا يدخل عليهم بها رَوْح همهم شديد وعَذابهم يَزيد ولا مُدَّة

للدار تَنْقَضي ولا أَجَل للقوم ينتهي. اللهم إني أسألك بأن لك الفضل والرحمةَ بيدك فأنت وليّهما لا يليهما أحدٌ غيرك وأسألك باسمك المَخْزون المَكْنون الذي قال به عرْشُك وكرسيّك وسمواتُك وأرضُك وبه ابتدعت خَلْقك الصلاةَ على محمد والنَجاةَ من النار برحمتك آمين إنك وليّ كريم.

وخطب أيضاًً فقال أيها الناس احفظوا عنّى خمساً فلو شَددتم إليها المَطايا حتى تُنضوها لم تَظفروا بمثلها: إلا لا يرجونِّ أحَدُكم إلا ربّه ولا يخَافن إلا ذَنبَه ولا يَسْتَحي أخدُكم إذا لم يعلم أن يتعلم وإذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم أي

وإن الخامسةَ الصَبر فإن الصبرَ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجَسَد. مَن لا صَبْر له لا إيمان له ومَن لا رأسَ له لا جَسد له. ولا خير في قراءة إلاَّ بتدبّر ولا في عبادة إلا بتفكر ولا في حِلْم إلا بعلم. ألا أنبئكم بالعاِلم كُلِّ

العالم مَن لم يُزيَن لعباد الله معاصيَ الله ولم يؤمنهم مَكْرَه ولم يُؤْيسهم من رَوْحه. ولا تُنْزلوا المُطِيعين الجَنَّة ولا المُذْنبين المُوَحدين النار حتى يَقْضيَ الله فيهم بأمره. لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذابَ اللهّ فإنه يقول: فَلاَ يَأمن مَكْر َاللهّ إلا القومُ الخاسِرُون.

ولا تُقْنِطوا شر هذه الأمة من رحمة اللهّ فإنّه لا ييأس من رَوْح الله إلا القومُ الكافرون. من كلامه رضوان الله عليه: قال ابن عباس: لما فرغ علي بن أبي طالب من وقعة الجمل دعا بأجرتين فعلاهما ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا

أنصار المرأة وأصحابَ البهيمة رَغا فَجِئْتم وعُقِر فانهزمتم. دخلتُ شرَ بلاد أبعدها من السماء بها يَغيض كل ماء ولها شر أسماء هي البصرة والبُصَيرة والمُؤتفكة وتَدْمر أين ابن عباس فدُعيت فقال لي: مُرْ هذه المرأة فَلترجع إلى بيتها الذي أُمرت أن تَقَر فيه. وتمثل عليّ

بن أبي طالب رضيِ الله عنه بعد الحَكَمين: زَلَلْت فيكم زلَةً فأعْتذِرْ سوف أكيسُ بعدها وأنشمِرْ خطب معاوية قال القَحْذَميّ: لمَّا قَدِمَ مُعاويةُ المدينة عامَ الجماعة تلقّاه رجالُ قريش فقالوا: الحمد اللهّ الذي أعزَ نَصْرَكَ وأَعْلى كَعْبك. قال: فوالله ما ردّ عليهم شيئاً حتى صَعِد

المِنْبر فَحَمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإِني والله وَليتُها بمحبة علمتُها منكم ولا مَسَزَة بولايتي ولكني جالدتُكم بسيفي هذا مُجالدة ولقد رُضْتُ لكم نفسي على عمل ابن أبي قُحَافة وأردتُها على عمل عُمر فنفرتْ من ذلك نِفَاراً شديداً وأردتُها على مثل ثَنِيَّات

عثمان فأبت عليَ فسلكتُ بها طريقاً لي ولكم فيه منفعةً مواكلة حَسنة ومُشاربة جميلة فإن لم تَجدوني خيركم فإني خيرٌ لكم ولايةً. والله لا أحملً السيفَ على من لا سيف له وإن لم يكن منكم إلا ما يَسْتَشفي به القائلُ بلسانه فقد جعلتُ له ذلك

دَبْرَ أُذني وتحت قدمي وإن لم تجدوني أقوا بحقّكم كُلَّه فاقبلوا منّي بعضَه فإنْ أتاكم منّي خيرٌ فاقبلوه فإن السيل إذا يزاد عَنى وإذا قلّ أَغنى وإياكم والفتنةَ فإنها تُفسد المَعيشة وتكدّر النّعمة ثم نزل. خطبة أيضاًً لمعاوية حمد الله وأثنى عليه ثم صلى على

النبيّ ﷺ ثم قال: أما بعد أيها الناس إنا قدِمْنا عليكم وإنما قَدِمنا على صَدِيق مُستبشر أو على عدوِّ مُستتر وناسٍ بين ذلك يَنْظرون ويَنْتظرون فإِنْ أُعْطوا منها رَضُوا وإنْ لم يُعْطَوْا منها إذا همِ يَسْخُطون. ولستُ واسعاً كُلّ الناس فإن كانت مَحْمَدة فلا بدّ

من مَذمَة فلوْماَ هوناً إذا ذُكِرَ غُفِر وإياكم والتي إن أُخْفِيت أوْ بقت. وإن ذُكِرَت أوْثَقَت ثم نزل. خطبته أيضاًً لمعاوية صَعِد مِنْبر المَدينة. فحمد اللهّ وأثنى عليه ثم قال: يأهل المدينة إنّي لست أُحِب أن تكونوا خَلْقاً كَخَلْق العِراق يَعيبون الشيء وهم فيه كلّ

امرىء منهم شِيعةُ نَفْسه فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شر لكم وإنَّ معروف زماننا هذا مُنكَر زمان مَضى ومُنْكَرَ زماننا معروفُ زمان لم يأت ولو قد أتى فالرَّتْق خَيْرٌ من الفَتْق وفي كلًّ بلاغ ولا مُقام على الرزيّة. خطبة لمعاوية أيضاً قال العُتْبي: خَطَب

معاويةُ الجمعة في يوم صائف شديد الحرّ فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ﷺ ثم قال: إن الله عز وجلّ خَلقكم فلم يَنْسكم ووَعظكم فلم يُهملكم فمال: يأيها الذين آمنُوا اتّقوا الله حَقّ تُقاته ولا تَمُوتُنّ إلا وأنتم مُسْلمون. قوموا إلى ذكر لعبيد الله

بن زياد عند معاوية قال ابن دأب: لما قَدِمَ عبيدُ الله بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهياً عنه أنكره فجعل يَتصدى له بخَلوة لَيسْبُر من رأيه ما كُرِهَ أن يُشرك به في عمله فاستأذن عليه بعد انصداع الطُلاب وإشعال الخاصة وافتراق العامة

وهو يوم معاوية الذي كان يَخْلو فيه بنفسه. ففَطِن معاوية لما أراد فَبعث إلى ابنه يزيد وإلى مْرْوَان بن الحكم وإلى سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم وعمرو بن العاص. فلما أخذوا مجالسهم آذنَ له فسلم ووقف واجماً يتصفح وجُوه القوم ثم قالت: صَريح

العُقوق مُكاتمة الأدْنين ولا خَيْرَ في اختصاص إن وَفر أحْمَد الله إليكم على الآلاء وأستعينه على الَلأوَاء وأسْتَهْدِيه من عَمىً مُجْهِد وأسْتَعينه على عدوٍّ مُرْصِد وأشْهدَ أن لا إله إلا الله المنقِذ بالأمين الصادق من شقاء هاوٍ ومن غَواية غاوٍ وصلواتُ الله على الزكيّ نبيِّ

الرحمة وِنذير الأمَة وقائد الهُدى. أما بعد يا أميرَ المؤمنين فقد عَسَف بنا ظَنّ فرَّع وفرَع صَدَّع حتى طَمِع السحيق ويئس الرّفيق ودَث الوُشاة بموت زياد فكلُّهم مُتحفّز للعداوة وقد قَلَّص الإزْرة وشَمَّرَ عن عِطافه ليقول: مضى زِياد بما استُلْحقِ به وولّى على الدَّنية من