ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 30 من 81

العقد الفريد — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 30 من 81923 كلمة في هذا الجزء

نوًره كما نَوًره الله. وكان ابن سيرين يكره أن يُكتب القرآن مَشْقا وقال: أجود الخط أبينه. وقال سليمان بن وهب: زينوا خطوطكم بإسبال ذوائبها. وقال عمرو بن مسعدة: الخط صورة ضئيلة لها معان جليلة وربما ضاق على العيون وقد ملأ أقطار الظنون. وذكر على بن

عُبيدة القلم فقال: أصم يسمع النَّجوى أعيا من باقل وأبلغ من سَحبان وائل يُجهل الشاهد ويخبر الغائب ويجعل الكتب بين الإخوان ألسُنا ناطقة وأعيُنا لاحظة وربما ضَمّنها من ودائع القلوب ما لا تَبوح به الألسن عند المشاهدة. وقال أحمد بن يوسف الكاتب: ما عبراتُ الغواني

في خُدودهنّ بأحسن من عبرات الأقلام في خُدود الكتب. وقال العتّابي: الأقلام مطايا الفِطن. وتَخاير غلامان في بعض الدواوين فقاما إلى أستاذهما يَعْرضان عليه خُطوطهما فكَره أن يُفضَل أحدهما على الآخرً فقال لأحدهما: أما خطُّك أنت فَوَشي مَحوك. وقال للآخرً: وأما خطّك أنت فذَهب مَسْبوك

تكافيتُما في غاية وتوافيتما في نهاية. وقال آخرً: دخلتُ الديوان فنظرت إلى غلام بيده قلم كأنه قضيبُ عِقْيان وعليه مكتوب: وا بأبي وا بأبي من كفّ من يكتب بِي وقال أبو هِفّان يصف القلم: وإذا أمرّ على المَهارق كفّه بأنامل يحملن شَخْتاً مُرْهفَا ومقصِّراً ومُطولاً

ومقطعاً ومُوصِّلا ومشتتا ومؤَلِّفا يهفو بها قلمٌ يمُجّ لُعابَه فيعود سيفاً صارماً ومُثففا وقال آخر في وصف الدواة: ومُسودّة الأرجاء قد خُضت حالَها وروَيت من قَعرٍ لها غير مُنْبَط خميصَ الحشي يَرْوَى على كل شرب أميناً على سرّ الأمين المُسلَط وقال بعض الكتّاب: وما رَوض

الربيع وقد زهاه ندَى الأسحار يَأرَج بالغَداةِ بأضْوعَ أو بأسطعَ من نسيمٍ تؤديه الأفاوه من دواة وقال آخرً في وصف محبرة: ولُجّةِ بحرِ أجَم العبا ب بادٍ وأمواجُه تَزْخَرُ إذا غاص فيَه أخو غَوْصة سريعُ السباحة ما يَفْتر فأنفِس بذلك من غائص بديعُ الكلام له

جَوهر وأكْرم ببحرٍ له لجة جواهرُها حكَمٌ تُنثر وقال ثُمامةُ بن أشرس: ما أثْرته الأقلام لم تَطمع في دَرْسه الأيام. ونظر المأمون إلى جارية من أصمُ سميع ساكنٌ متحرّك ينال جَسيمات المُنى وهو أعْجَف وقال بعض الكُتّاب: إذا ما التقينا وانتضينا صَوارما يكاد يُصمّ السامعين

صَريرُها تساقطُ في القِرْطاس منها بدائع كمِثْل اللآلى نَظْمُها ونثيرُها قال بِشْر بن المُعتمر: القلب مَعدن والحِلْم جوهر واللسان مُستنبط والقلم صائغ والخطّ صيغة. وقال سهل بن هارون: القلم لسان الضَمير إذا رَعَف أعلن أسراره وأبان آثاره. وقالوا: حُسن الخط يُناضل عن صاحبه ويُوضح الحُجة

وُيمكن له دَرَك البُغية. وقال آخرً: الخطّ الردىء زَمانةُ الأديب. وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال منها: جَوْدة بَرْي القلم وإطالة جِلْفته وتحريف قَطَّته وحُسن التأتي لإمطاء الأنامل وإرسالُ المَدّة بقدر اتساع الحروف والتحرز عند فراغها من الكسوف وتركُ الشكل على الخطأ والإعجام

على التًصحيف واستواء الرسوم وحلاوة المقاطع. وقال سعيد بن حُميد: من أدب الكاتب أن يأخذ قلمَه في أحسن أجزائه وأبعد ما يتمكَّن المداد فيه ويُعطيه من القرطاس حقًه. وقال عبد الله بن عباس: كل كتاب غير مختوم فهو غُفْل. وفي تفسير قول الله تعالى: "

إنِّي ألْقِي إلي كتاب كريم " قال: مختوم. ورفع إلى عبد الله بن طاهر قصة وقال أبو عبيدة: لا يقال: كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ولا مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهي خِوان ولا قلم إلا إذا بُريَ وإلا

فهو قصبة. وقاك آخرً: جلوس الأدباء عند الورّاقين وجلوس المخمنين عند النخَّاسين وجلوس الطُّفيليين عند الطبَّاخين. وكتب علِىّ بن الأزهر إلى صديق له يسأله أقلاماً يبعث بها إليه: أما بعد فإنِّا على طول المُمارسة لهذه الكتابة التي غلبت على الاسم ولزمت لزوم الوَسم فحلَّت محل

الأنساب وجَرت مَجْرى الألقاب وجدنا الأقلام الصُحرية أسرع في الكَواغد وأمرَّ في الجلود كما أنَّ البحرية منها أسلسَ في القراطيس وألين في المعاطف وأشدَّ لتصريف الخطّ فيها. ونحن في بلد قليل القَصب رديئه وقد أحببتُ أن تتقدّم في اختيار أقلام بَحْريّة وتتأنَّق في انتقائها قِبَلك

وتَطلبها في مظانّها ومنابتها من شُطوط الأنهار وأرجاء الكروم وأن تتيمم باختيارك منها الشديدة المُحْص الصّلبة المَعضّ النقيّة الخدود القليلة الشُّحوم المكتنزة اللحوم الضيقة الأجواف الرَّزينة المَحْمَل فإنها أبقى على الكتابة وأبعدُ من الحَفاء وأن تقصد بانتقائك الرقاق القضبان المقومات المعون المُلس المعاقد الصافية القُشور

الطويلة الأنابيب البعيدة ما بين الكُعوب الكريمة الجواهر المعتدلة القَوام المُستحكمة يُبساً وهي قائمة على أصولها لم تُعْجَل عن إبان يَنْعها ولم تؤخر إلى الأوقات المَخوفة عليها من خَصَر الشتاء وعَفن الأنداء فإذا استجمعَتْ عندك أمرت بقَطعها ذراعا ذراعا قَطعاً رقيقاً ثم عبأت منها حزَما

فيما يصونها من الأوعية ووجهتَها مع مَن يؤدي الأمانة في حِراستها وحِفْظها وإيصالها وكتبتَ معه رقعة بعدّتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان إن شاء الله تعالى.